يُعد جوزيه ساراماغو الكاتب البرتغالي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب أحد أبرز كُتاب الرواية على الإطلاق، ويمثل حالة فريدة بين سير الأدباء والروائيين، وعلامة فارقة في أدب القرن العشرين، حصل على شهرته متأخرًا، وحصل على جائزة نوبل وهو في السادسة والسبعين من عمره، نحت مكانته الرفيعة بأسلوبه المتفرّد في السرد، وقدرته المذهلة على الجمع بين الخيال المتشعب والواقع الصلب، إضافة إلى خصوصيته الشديدة في طرح القضايا والأسئلة والاهتمام بالتفاصيل، وهو ما تجلى في آراء النقاد والكُتاب والمثقفين على مدار سنوات عن عبقرية جوزيه ساراماغو، وانتشار أعماله وترجمتها أكثر من 25 لغة، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية العالمية؛ ما يضعنا أمام كاتب مختلف وروائي قدير يستحق القراءة.
في هذا المقال نقدم لك دعوة مجانية لاستكشاف سيرة جوزيه ساراماغو؛ والتعرف إلى أهم محطاته الإبداعية والشخصية، والاقتراب من مسيرته الإبداعية ومواقفه السياسية الجريئة، والمنهج الأدبي لجوزيه ساراماغو الذي جمع الواقعية بالسخرية والتساؤل الفلسفي، وكثير من المعلومات المدهشة عن مسيرته الطويلة في السطور التالية.
مولد ونشأة جوزيه ساراماغو.. من عامل ميكانيكي إلى الإبداع
وُلد جوزيف دي سوزا ساراماغو يوم 16 نوفمبر عام 1922 في إحدى قرى البرتغال وبالقرب من مدينة لشبونة لعائلة ريفية، لكنها لا تمتلك أراضي زراعية، ولذا رحلت العائلة إلى مدينة لشبونة، حيث بدأ والده في العمل شُرطيًا في المدينة، وهو ما يوضح الظروف الصعبة التي مرت بها العائلة؛ وهو ما جعل الفتى الصغير جوزيه ساراماغو ينتقل من مدرسته إلى مدرسة مهنية بسبب عجز العائلة عن دفع النفقات، على الرغم من أن الفتى كان متفوقًا في دراسته.

أنهى جوزيه ساراماغو تعليمه المتوسط، وبدأ في العمل ميكانيكيًّا في مرآب للسيارات مدة عامين، ثم التحق بأحد الأعمال الصحفية، وتطور بعد ذلك وأصبح مترجمًا. وعلى الرغم من أنه عمل رئيس تحرير لإحدى الصحف؛ فإنه غادر عمله بعد قيام ما عُرف بعد ذلك (بثورة القرنفل)، فعاد للعمل مترجمًا؛ وهو ما سمح له بممارسة الكتابة والتفرغ للإبداع.
محطات شخصية وسياسية في حياة جوزيه ساراماغو
تزوج جوزيه ساراماغو وهو في الثانية والعشرين من عمره، وأنجب فتاة وحيدة بعد ثلاث سنوات من الزواج، وتزوج مرة أخرى عام 1988 من الصحفية الإسبانية (بالارا ديل ريو)، وبقي معها حتى توفي عام 2010، وكانت هي المترجمة الرسمية لجميع مؤلفات الكاتب الكبير جوزيه ساراماغو إلى اللغة الإسبانية.
من الجدير بالذكر في حياة جوزيه ساراماغو أنه لم يصبح ذلك الأديب الكبير المعروف حتى تجاوز الـ60 من عمره. وعلى الرغم من أنه مارس الكتابة مدة طويلة من الزمن، فإن روايته الرابعة -التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان (بلتازار وبوليميندا)- كانت سببًا في شهرته؛ فقد صدرت عام 1988، وحصلت على كثير من الجوائز، وبدأت تعلن عن اسم جديد لروائي كبير، ليتعرف عليه العالم في ذلك الوقت ويصبح أحد أهم كُتاب الرواية في القرن العشرين.
يُعد جوزيه ساراماغو من الأشخاص المتشائمين، أصحاب الآراء الغريبة والمثيرة للجدل، وقد انضم إلى الحزب الشيوعي البرتغالي منذ عام 1969 حتى نهاية حياته، وربما حملت رواياته كثيرًا من آرائه السياسية والدينية، وهو ما أثار حوله كثيرًا من المشكلات والاعتراضات. على سبيل المثال كانت روايته (الإنجيل يرويه المسيح) سببًا في ثورة كبيرة من الطائفة الكاثوليكية في البرتغال؛ وعلى هذا مُنع من المنافسة على الجوائز داخل البلاد بقرار من الحكومة؛ وهو ما جعله ينتقل للعيش في منطقة جزر الكناري التابعة لإسبانيا.
على المستوى الديني كان جوزيه ساراماغو معاديًا للأديان، وكان يسخر من فكرة الدين والكتب المقدسة في آرائه وأعماله؛ وهو ما كان سببًا في شطب اسمه من قائمة جائزة الأدب الأوروبي التي كان مرشحًا لها، وكان حصوله على جائزة نوبل سببًا في غضب الفاتيكان، وقابله تصريح قوي وعنيف من قبل جوزيه ساراماغو حين قال: «إن الفاتيكان يمكن ترويعه بسهولة، وعليهم أن يركزوا على صلواتهم ويتركوا الناس بسلام. وقال في نهاية كلامه: ليس لديَّ أدنى احترام لهذه المؤسسة».
يُذكر أيضًا أن جوزيه ساراماغو كان عضوًا في الحزب الشيوعي البرتغالي، وعلى هذا كان يشارك في الانتخابات المحلية، وانتُخب من قبل لرئاسة المجلس البلدي في مدينة لشبونة، ورُشِّح للبرلمان الأوروبي عام 1989 مدة 10 سنوات، وعُرف عنه انتقاده لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، وكانت أعماله تحوي كثيرًا من النقد السياسي الغامض.
يُعد موقف جوزيه ساراماغو من القضية الفلسطينية أحد أقوى وأوضح المواقف من الكُتاب العالميين، فقد صرح عند زيارته لمدينة رام الله عام 2002 قائلًا: «الشعب الإسرائيلي يشعر بالحصانة، ويمارس مع الفلسطينيين ما حدث في معسكر أوشفيتز، وإن قادة الجيش الإسرائيلي أصبحوا ينتفعون من المحرقة».
أدب جوزيه ساراماغو.. الخيال المنطقي والواقعية السحرية وعالم من «ماذا لو»؟
بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع شخصية الأديب جوزيه ساراماغو وآرائه السياسية وميوله الدينية، فإن قيمته الأدبية مرعبة، فهو يحتل مكانة كبيرة في مشهد الكتابة العالمية في الأعوام الـ 100 السابقة؛ نظرًا لأفكاره المثيرة وأسئلته التي يبدأ في طرحها ويبني عليها أعماله ذات المسارات المدهشة واللانهائية. فيمكنك أن تتابع فكرة واحدة يقوم عليها العمل وتتفرع منها مئات التفاصيل وعشرات النتائج والفرضيات حتى ولو كانت مخالفة للمنطق، فهو قادر على صناعة المنطق الفني الممتع والمقنع في الوقت نفسه.

على سبيل المثال عندما تقرأ رواية (الطوف الحجري) التي أصدرها جوزيه ساراماغو عام 1986 فإن فيها تساؤلًا عن انفصال شبه الجزيرة الأيبيرية عن قارة أوروبا. فماذا لو أبحرت وحدها في المحيط؟ وكيف ستكون علاقة البرتغال بالعالم؟ وبذلك يأخذك هذا السؤال الخيالي إلى عالم ينسجه جوزيه ساراماغو من الواقع والخيال، حيث تتفجر الأسئلة والتساؤلات دون أن يفلت الأمر من يد الكاتب القدير الذي يستطيع أن يجعلك جزءًا من الحدث الخيالي، ويطالبك بالإجابة والمشاركة، ويورطك في أفكاره التي تبدو وكأنها غريبة ومتشائمة، لكنها تحمل كثيرًا من المنطق المدهش والمتعة البكر.
يقول جوزيه ساراماغو عن نفسه: «إن أعمالي تتعرض لإمكانية حدوث ما هو مستحيل بطبيعته، وكأني أعقد اتفاقًا ضمنيًا مع القارئ، مفاده هو أن ما يهمنا بحق هو التطور المنطقي للفكرة، حتى وإن كانت الفكرة ذاتها منافية للعقل، فالفكرة هي نقطة الانطلاق التي يلزمها عرض منطقي وواقعي».
لذا فإن الكاتب يميل دائمًا إلى الخيال في سرده الروائي، لكنه يعمل ضمن منطق فني يستطيع به تطويع هذا الخيال من أجل خدمة قضيته، وهو يعقد اتفاقًا ضمنيًا مع القارئ قبل أن يدخل إلى النص الروائي، لذا فأنت في عالم جوزيه ساراماغو لا بد أن تغادر جزءًا من ذلك العالم المرتب المنظم المنطقي؛ حتى تستطيع أن تستوعب ذلك التطور المتلاحق في رواية جوزيه ساراماغو.
يلتزم جوزيه ساراماغو كثيرًا بالقضايا الإنسانية، لذا فإن كثيرًا من النقاد يقولون إن الكتابة تمثل تحقيق الوجود للكاتب جوزيه ساراماغو، وهي أيضًا طريق للحصول على احترام وحب الآخرين. وعلى الرغم من أن كثيرًا من أفكاره وكتاباته تحمل التشاؤم، فإن جوزيه ساراماغو يُعد أحد أبرز كُتاب الواقعية السحرية التي تتجمع في عملها الفنتازيا والواقع، وترتبط فيها السريالية بمنطق الفكر الصافي والتعبير البكر والحالة اللاشعورية، وتلتحم أيضًا بالأسطورة، لكن جوزيه ساراماغو ينطلق دائمًا من أحداث حقيقية، سواء كانت تاريخية أو سياسية، ومن قضايا فكرية واجتماعية موجودة في الواقع، ويحتفظ بحقه في استخدام الدعابة والسخرية والتهكم في بعض الأحيان.
من الجدير بالذكر أن مبيعات روايات جوزيه ساراماغو قد تجاوزت مليوني نسخة، وتُرجمت أكثر من 25 لغة، وحصل على جائزة نوبل عام 1998 وهو في السابعة والسبعين من عمره، حتى إن أحد الصحفيين سأله قائلًا: هل كنت تتخيل أن تحصل على تلك الشهرة الكبيرة؟ فرد جوزيه ساراماغو قائلًا: «لقد كنت مؤمنًا أنني سأحصل على نجاح كبير ذات يوم، وأنه سيسقط في يدي مثل ثمرة ناضجة». وقال عنه الناقد الأدبي الأمريكي الكبير هارولد بلوم: «ليس جوزيه ساراماغو واحدًا من أفضل الروائيين فحسب، بل هو إحدى العبقريات القليلة في عالم الرواية».
جوائز وتكريمات جوزيه ساراماغو اعتراف عالمي بالعبقرية
حصل جوزيه ساراماغو على كثير من الجوائز والأوسمة والتكريمات الكبيرة في حياته وبعد موته. ولعل أبرزها ما يلي:
- حصل على جائزة (كاميوس) عام 1995.
- حصل على جائزة (أمريكا) عام 2004.
- حصل على جائزة (ساو باولو) للآداب عام 2009.
حصل على جائزة (نوبل) للآداب عام 1998، وكان الأمر مفاجئًا له حين كان يستعد للسفر إلى ألمانيا من أجل المشاركة في معرض الكتاب في مدينة فرانكفورت، أعلنت مؤسسة فوزه بالجائزة التي جاء في حيثياتها الإشادة بالتعاطف والسخرية في أعماله، واتباعه لما يعرف (بالأسلوب التشكيكي الحديث).
كان جوزيه ساراماغو قد افتتح مؤسسة تحمل اسمه عام 2007 من أجل تعزيز الثقافة في البرتغال والدول المحيطة وحماية البيئة، ومقرها في مدينة لشبونة.
أعمال جوزيه ساراماجو روايات حافلة بالروائع
- (أرض الخطيئة) عام 1947.
- (قصائد محتملة) عام 1966.
- (ربما الفرح) عام 1970.
- (هذا العالم والآخر) عام 1971.
- (أمتعة المسافر) عام 1973.
- (آراء تخص DL) عام 1974.
- (سنة 1993) عام 1975.
- (المفكرة) عام 1976.
- (كتاب الرسم والخط) عام 1977.
- (حياة الأشياء) عام 1978.
- (ثورة الأرض) عام 1980.
- (رحلة للبرتغال) عام 1981.
- (بالتازار وبوليميندا) عام 1982.
- (سنة موت ريكاردو) عام 1984.
- (الطوف الحجري) عام 1986.
- (تاريخ حصار لشبونة) عام 1989.
- (الإنجيل يرويه المسيح) عام 1991.
- (العمى) عام 1995.
- (كل الأسماء) عام 1997.
- (قصة الجزيرة المجهولة) عام 1997.
- (الكهف) عام 2000.
- (أكبر زهرة في العالم) عام 2001.
- (الآخر مثلي) عام 2002.
- (البصيرة) عام 2004.
- (انقطاعات الموت) عام 2005.
- (الذكريات الصغيرة) عام 2006.
- (مسيرة الفيل) عام 2008.
- (قايين) عام 2009.

اقتباسات خالدة من فكر جوزيه ساراماغو
تُظهر اقتباسات جوزيه ساراماغو عمق تفكيره ونظرته الثاقبة للحياة والمجتمع، نسرد منها بعض الأقوال التي تدل على عبقرية الأدبية الممزوجة بالضمير:
- «إن أردت أن تحظى بخدمة ممتازة اخدم نفسك بنفسك» من رواية (العمى).
- «الضمائر تصمت أكثر مما هو مطلوب منها؛ لهذا ابتدعت القوانين» من رواية (كل الأسماء).
- «لا أدري ما معنى خدمة الوطن.. هل الوطن أمي وأبي كما يقولون أيضًا؟ أنا أعرف أن أمي وأبي الحقيقيين كما يعرفهما كل منكم يُخرجان الخبز من فمهما ليعطياه لنا. لو كان الوطن أمًا وأبًا فعليه أن يخرج الخبز من فمه ويضعه في فمي، ولو تحتم عليَّ أن آكل شوكًا فعلى الوطن أيضًا أن يأكله، إلا إذا عدَّ الوطن أنه يوجد من هم أبناء الوطن ومن هم أبناء الغانية» من رواية (ثورة الأرض).
- «إن كنا غير قادرين على العيش ككائنات بشرية، فدعونا في الأقل نفعل كل ما بوسعنا كي لا نعيش كالحيوانات، إن أنت أردت أن تعمى فسوف تعمى. إن الصعوبة لا تكمن في معايشة الناس إنما في فهمهم» من رواية (العمى).
وفاة جوزيه ساراماغو
توفي جوزيه ساراماغو في 18 يونيو عام 2010 عن عمر ناهز 88 عامًا، كان جوزيه ساراماغو قد عانى من الالتهاب الرئوي في الشهور القليلة التي سبقت وفاته، ما أدى إلى إصابته باللوكيميا التي أدت إلى موته.
وأقيمت جنازته في مدينة لشبونة البرتغالية، وحضر جنازته أكثر من 20 ألف شخص، ونعته معظم صحف العالم، وقالت عنه صحيفة الغارديان في ذلك اليوم: «إنه أفضل كاتب برتغالي في جيله». في حين قالت صحيفة نيويورك تايمز إنه «اشتهر بشيوعيته، واشتهر أيضًا بقصصه»، ليرحل الكاتب الذي اهتم بالتفاصيل وطرح الأسئلة، وحظي بالشهرة بعد أن تجاوز الـ60 من عمره.
لم يكن جوزيه ساراماغو روائيًّا، بل كان ضميرًا نقديًا وفيلسوفًا شكاكًا استخدم الأدب كأداة لاستجواب اليقينيات وهدم المسلمات، لقد أجبر قراءه على التفكير في أعمق الأسئلة حول السلطة والدين والطبيعة البشرية. وعلى الرغم من رحيله، يبقى إرثه حيًا في رواياته التي لا تقدم إجابات سهلة، بل تتركنا مع أسئلة أكثر عمقًا، وهو الدور الأسمى الذي يمكن أن يؤديه الأدب العظيم.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة في تجربة الكاتب البرتغالي الأشهر جوزيه ساراماغو، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب الذي تُرجمت أعماله أكثر من 25 لغة، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.