لا يمكن للمرء إلا أن يدهش وهو يرى قامة هذا الشاعر اللبناني وهي تنتصب بشموخ وسط حشد من عمالقة المسرح الطليعي؛ فبينما كان بيكيت ويونيسكو وجينيه يؤسسون لتيارات تقوض المنطق، كان جورج شحادة يعزف لحناً عذباً وشفافاً، ينثر فيه روح الشرق في كل زاوية، ويطلق صوتاً نادراً تتوحد فيه البراءة الناعمة بالطفولة المفجعة.
كان شحادة «سيداً من أسياد اللغة الفرنسية» كما وصفه جان لوي بارو، استطاع أن يخلع على الكلمات وشاحاً سحرياً، ليجعل من خشبة المسرح فضاءً كونياً يمتزج فيه الحلم بأضواء الغرابة، باحثاً عن الحقيقة الضائعة في ثنايا النفس البشرية.
نال جورج شحادة الجائزة الكبرى للفرانكوفونية من الأكاديمية الفرنسية عام 1986 بعد أن رسّخ حضوره في المسرح الطليعي إلى جانب صامويل بيكيت وأوجين يونسكو، مع احتفاظه بلغة شعرية تمزج الحلم بالبراءة بعيداً عن الصراع الدرامي التقليدي.
من هو جورج شحادة؟
يُعد جورج شحادة أحد أبرز الوجوه الإبداعية في تاريخ الأدب الفرانكفوني، وهو شاعر ومسرحي لبناني وُلد في مدينة الإسكندرية بمصر عام 1905 لعائلة لبنانية مهاجرة، ثم عاد إلى بيروت في مطلع شبابه حيث درس الحقوق وعمل في السلك الإداري والدبلوماسي، مقسماً حياته ومسيرته الإبداعية بين لبنان وفرنسا التي استقر فيها بشكل نهائي بسبب ظروف الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من إتقانه التام للغة العربية، فإن شحادة اختار اللغة الفرنسية لتكون وعاءً لتجربته الأدبية، وقد ارتبط في باريس بالتيار السريالي وتعرف على كبار الشعراء مثل سان جون بيرس وماكس جاكوب، مما صقل موهبته وجعله يحظى بمكانة رفيعة في الأوساط الثقافية الفرنسية، وقد تُوج مساره بمنحه الجائزة الكبرى للفرانكوفونية من الأكاديمية الفرنسية عام 1986 تقديراً لعطائه الاستثنائي.
تنوع نتاجه الأدبي بين الدواوين الشعرية التي بدأ بنشرها منذ منتصف العشرينيات، مثل مجموعة «شرارة»، وسلسلة مجلداته الشعرية السبعة التي صدرت بين عامي 1938 و1949، وبين المسرح الذي حقق فيه نجاحات عالمية كبرى، ومن أشهر أعماله المسرحية «مستر بويل» و«سهرة الأمثال» و«قصة فاسكو»، وتتميز أعماله بلغة شعرية شفافة تمزج بين الفانتازيا والواقعية الرمزية.
انتهت رحلة هذا المبدع في باريس عام 1989، حيث دُفن في مقبرة مونبارناس، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً كبيراً نال احترام النقاد في الشرق والغرب على حد سواء، ويُذكر أن له كثيرًا من النصوص والمراسلات التي لم تُنشر بعد، مما يجعله مادة دسمة للدراسات الأدبية المستمرة التي تسعى لسبر أغوار عالمه الفريد.
رفاق الطليعة: شحادة في حضرة بيكيت ويونيسكو
وقف جورج شحادة جنبًا إلى جنب مع يونيسكو، وبيكيت، وجان جينيه، وآداموف، وجان فوتيه؛ أولئك الذين صنعوا ما سُمِّيَ المسرح الطليعي. عزف شحادة لحنًا عذبًا شفافًا جميلًا، نثر الشرق في كل زاوية، وأطلق صوتًا نادرًا لا يشبهه صوت؛ تتوحد فيه البراءة الناعمة بالطفولة المفجعة حينًا، والأسرة الفاتنة حينًا آخر.
بين العبث والأمل في الإنسان تشرب شحادة الثقافة الفرنسية وأدرك سر لغتها؛ لكنه بالمقابل -وكما قال المخرج المسرحي الشهير جان لوي بارو- سيدٌ من أسياد اللغة الفرنسية. خلع على الكلمات وشاحًا سحريًا، وفجَّر فيها الصورة والإطار، وترك الحلم يمتزج بأضواء، وأخرج الضحكة من قلب الغرابة، وفتح أعيننا على قسوة الحياة، ولم يتوقف عن البحث عن الحقيقة والبراءة والشباب، كما قال الناقد الأمريكي ليونارد برونكو في كتابه «مسرح الطليعة».
الضوء الذي يكسر أمواج العتمة
وعلى الرغم من أن شحادة أقرب إلى العبثيين، باتساع مساحة الحلم وتقويض المنطق، فإنه لا يغلق النوافذ والأبواب أمام الإنسان؛ بل ثمة قبس، ثمة ضوء يكسر أمواج العتمة. ويذهب برونكو إلى القول: «إن شحادة يقودنا إلى جنة عدن، ويتيح لنا أن نلقي نظرة على ما في داخلها».
ولعله يريد أن يقول: إن مسرح شحادة ليس نفقًا مظلمًا.
إن شخصياته لا تتحلل من واقعها، ولا تبدو على قطيعة معه أو متنافرة معه.
«السيد بوبل»: اللغز الساحر في قرية باولا سكالا
في مسرحية «السيد بوبل»، وهي أولى مسرحياته «1951»، يرسم الكاتب شخصية غريبة، شخصية لُغز، يملك بوبل لمسة ساحرة تبعث الحياة في الطبيعة والإنسان على حد سواء. كأنه يلقي الضوء في كل الاتجاهات، كأنما يتسلل إلى القاع، إلى الداخل، فيزيح الملوث ويبسط الصفاء. دخل قرية باولا سكالا، وهو المسافر الغريب، فحرك كل شيء فيها.
«آثرت أن أقيم إذعانًا للواجب، وطلبًا للمرح والدعابة، ورغبة في الصلاة». قد لا يستطيع أبناء القرية تفسير سلوك بوبل، وقد تبدو كلماته سلسلة متصلة من الألغاز التي تستعصي على عقولهم؛ بل قد يبدو هو وكأنه حط رحاله تَوًّا وجاء من قارة أخرى أو عالم آخر. ثمة حقيقة ساطعة بالنسبة لسكان باولا سكالا، وهي أنه طيب نقي، طفل في إهاب رجل.
السفر، تلك النغمة الشجية العذبة القلقة في آن واحد، تخترق مسرحيات شحادة؛ تبدد السكون، وتؤجج نار الرغبة باكتشاف الأماكن القصية المجهولة التي تتحطم على صخورها السفن.
لقد تعلقت قلوب القرويين ببوبل المسافر، وراحوا ينتظرون عودته مع كل فجر؛ لكن نهاية السفر موت! كأن بوبل يفرغ ما في كيسه من مرح وشعر ودعابة، ثم يرحل إلى مكان آخر؛ ليضع رأسه على وسادة الموت، بعد أن يكون قد خفف قسوة الحياة، وجعل الإيمان بوجود الربيع ممكنًا.
«الرحيل» و«مهاجر بريسبان»: حين يكون الحلم أقوى من الواقع
وفي مسرحية «الرحيل» يستبد الحنين إلى السفر بالشاب كريستوفر، فيدفعه هذا الحنين إلى التنكر بملابس البحار، والتنكرِ وتقمص شخصيته، ثم تحمُّل ـ ودون أن يدري ـ مسؤولية جريمته. وفي المحكمة يعلن أنه سوف يتحمل ما اقترفته يدا البحار.
لم يغادر كريستوفر بلدته إلا في الحلم؛ إلا أن الحلم أقوى من الواقع. أليس السفر محركًا للشخصية، ودافعًا لها باتجاه الفعل؟
في «مهاجر بريسبان» «1965» يستيقظ سكان القرية على مشهد غريب: رجل ملقى في الساحة، وثروة طائلة تستقر في جيب ولد؛ تُثْبِتُ علاقة أمه بهذا الرجل.

استعادة لِطفولةٍ مضت، أحب صخب الأطفال وعنادهم حتى يخف اضطرابهم؛ هكذا يردد السيد بوبل. وعندما يموت فاسكو، ولا يغدو بطلًا كما أراد له القائد، يصفه الضابط العدو قائلًا: «له نظرة طفل وديع، يرتعب من الذئب، وهو مع سرجه ومظلته قد اتخذ مكانه في حيز البراءة».
الباحث المسافر دائمًا
الإنسان في مسرح جورج شحادة يكافح ضد الحياة نفسها؛ يتقصى دائمًا مثلًا أعلى أفلت منه. الماضي يشده إليه، بيد أنه ليس سجينًا فيه؛ لذلك فهو الباحث دائمًا، المسافر دائمًا. صحيح أن عالم شحادة مغلف بالأساطير والخرافات؛ لكن الصحيح أيضًا أنك تشعر بالخرافة والأسطورة وقد تحولتا شعرًا محسوسًا يشي بالعادي واليومي.
ليست الكائنات عنده متصارعة، وإنما متآلفة؛ ثمة رابط أو ناظم خفي يربط بينها «البراءة ـ الطفولة ـ المثل الأعلى». في كل مرة يقتحم غريب قرية أو مكانًا ما ويمزق سكونه «مهاجر بريسبان، السيد بوبل، كوفمان»؛ لكنه لا يدخل في صراع معه، إذ ليس في مسرح شحادة صراع درامي تقليدي. وقد تختلف الآراء والأهواء، وتتنافر الرغبات؛ إلا أنها لا تتصادم، والصراع الدرامي في أبسط تعريف له: صدام بين قوتين.
مسرح الجوهر: صراع الرؤى بعيداً عن ضجيج الأفعال
تبحث في مسرح شحادة عن الأفكار والموضوعات وتجلياتها، فلا تعثر إلا على صور وأحلام ورؤى تقترب من الخرافة. إنه لا يبشر بإيديولوجيا، ولا يروج لثقافة محددة أو تيار محدد. ابحث في تضاعيف أعماله عن الثابت الراسخ غير القابل للنقض، فلن تجد شيئًا من هذا القبيل. في الشهادات التي يوردها أدونيس في مقدمة ترجمته السلسلة التي عرفت كيف تجمع بين الشعري والمسرحي، ثمة إجماع على أن قلة الفعل في مسرحه، والاسترسال في الحوار، لا يدفعانك نحو الملل؛ وإنما يدخلانك أجواءً كل ما فيها يأسرك. حقيقة:
إن مسرحه مسرح جو، وليس مسرح فعل أو حدث صاخب؛ مسرح لا يؤخذ صاحبه بالمظاهر، بل يُعنى بالبحث عن الجوهر، عن ذلك الذي لا تقع العين عليه مباشرة. مسرح جورج شحادة مسرح فضاؤه الكون، وشخصياته تتقاذفها أمواج البراءة والطفولة والحلم الذي لا يشبه الأحلام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.