جورجيا أوكيفي والعمارة: معرض يكشف الوجه الآخر لفنانة الزهور

يكشف معرض «جورجيا أوكيفي: العمارة» في معهد ديترويت للفنون، المقام من 11 سبتمبر 2026 إلى 3 يناير 2027، نحو 35 لوحة معمارية أنجزتها أوكيفي بين عشرينيات وستينيات القرن العشرين، موضحًا أن المباني والمدينة والبيوت كانت جزءًا مستمرًا من تجربتها الفنية إلى جانب الزهور والمناظر الطبيعية. وتُظهر أعمالها في نيويورك ونيو مكسيكو أنها تعاملت مع العمارة بالمنهج البصري نفسه الذي اتبعته في رسم الزهور، عبر التركيز على الخطوط والأشكال واللون والضوء والمساحات، ما يجعل العمارة مفتاحًا مهمًا لفهم تجربتها الفنية بصورة أكثر اكتمالًا.

حين يُذكر اسم جورجيا أوكيفي، تظهر في الذاكرة غالبًا صورة الزهرة، كبيرة، قريبة، ممتلئة بالتفاصيل والألوان، حتى تكاد تختزل تجربة فنانة امتدت لأكثر من 6 عقود في موضوع واحد، لكن معرض «جورجيا أوكيفي: العمارة» الذي يقدمه معهد ديترويت للفنون من 11 سبتمبر 2026 حتى 3 يناير 2027، يعيد النظر في هذه الصورة الشائعة، ويفتح بابًا على جانب ظل أقل حضورًا في الذاكرة العامة، هو انشغال أوكيفي المستمر بالمباني والمدينة والبيوت والمنشآت التي أحاطت بها في مراحل مختلفة من حياتها،

ويضم المعرض نحو 35 لوحة معمارية أنجزتها الفنانة بين عشرينيات وستينيات القرن العشرين، ليقدم للمرة الأولى معرضًا يركز بصورة أساسية على اتساع حضور البيئة المبنية في تجربتها الفنية.

ولا تكمن أهمية المعرض في اكتشاف موضوع جديد تمامًا في أعمال أوكيفي، فالعمارة لم تكن غائبة عن تجربتها، وإنما في إعادة وضع هذا الموضوع في مكانه الصحيح داخل مسيرتها.

فالفنانة التي اشتهرت بتكبير الزهور والمناظر الطبيعية والعظام والصخور، كانت تنظر أيضًا إلى المباني بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى عناصر الطبيعة، تبحث في الخطوط والأشكال والمساحات والضوء، وتختزل الأشياء إلى بنيتها الأساسية، ولذلك فإن الانتقال من زهرة إلى مبنى عند أوكيفي ليس انتقالًا من عالم إلى آخر، وإنما استمرار لطريقة واحدة في الرؤية.

المدينة التي تحولت إلى لوحة

من أهم ما يكشفه المعرض علاقة أوكيفي بالمدينة الحديثة، خصوصًا نيويورك، إذْ وجدت في ناطحات السحاب والأبنية الشاهقة مادة بصرية مختلفة عن المناظر الطبيعية التي ارتبط اسمها بها لاحقًا، فالمدينة بالنسبة إليها لم تكن مجرد مكان مزدحم أو خلفية للحياة اليومية، بل مجموعة هائلة من الخطوط الرأسية والأفقية والكتل الهندسية والسطوح التي يمكن إعادة تنظيمها داخل اللوحة.

ولذلك جاءت أعمالها التي تناولت المباني الشاهقة والشوارع والواجهات العمرانية، وهي أعمال تكشف اهتمامًا مبكرًا بالحداثة وبالطريقة التي غيرت بها العمارة شكل التجربة البصرية للإنسان في القرن العشرين.

وفي نيويورك تحديدًا، استطاعت أوكيفي أن تحول المبنى من شيء يُستخدم إلى شيء يُرى، فالبرج لم يعد مجرد مكان للعمل، والواجهة لم تعد مجرد جدار، والشارع لم يعد طريقًا للعبور، وإنما أصبحت هذه العناصر موضوعًا مستقلًا يمكن أن يحمل الإيقاع نفسه الذي تحمله الزهرة أو الجبل أو الصخرة، وهذا ما يفسر قدرة أعمالها المعمارية على الاحتفاظ بالطابع التجريدي الذي يميز كثيرًا من أعمالها الأخرى، فهي لا تنقل المبنى كما تراه العين بالضرورة، وإنما تعيد بناءه وفق الطريقة التي تراه بها هي.

من ناطحات السحاب إلى الجدران الطينية

لكن تجربة أوكيفي مع العمارة لم تتوقف عند المدينة الحديثة، فمع انتقال اهتمامها بصورة متزايدة إلى نيو مكسيكو، دخلت إلى عالم بصري مختلف تمامًا، عالم البيوت الطينية والكنائس والمنشآت الريفية والعمارة المحلية، وحينئذ تبدلت طبيعة المادة من الزجاج والخرسانة والارتفاعات الرأسية إلى الطين والجدران السميكة والأسطح المتأثرة بالضوء والبيئة الصحراوية، ومع ذلك بقي جوهر الطريقة الفنية حاضرًا؛ أعني: الخط والشكل واللون والمساحة.

كانت نيو مكسيكو أكثر من مجرد موقع جغرافي جديد في حياة أوكيفي، فقد زارتها للمرة الأولى في عام 1929، ثم أصبحت مرتبطة بها على نحو عميق، وانتقلت للإقامة فيها بصورة دائمة عام 1949، وظلت البيئة فيها مصدرًا مهمًا في أعمالها، بما فيها العمارة التي عاشت بالقرب منها، ومن بين أهم المواقع التي ارتبطت بها منزلها واستوديوها في أبيكيو، وهو مكان أصبح جزءًا من تجربتها الفنية وحياتها اليومية في آن واحد.

وحينئذ يصبح المبنى عند أوكيفي أكثر من موضوع للرسم، فهو يحمل ذاكرة المكان، ويكشف علاقته بالناس وبالتاريخ وبالبيئة، والجدار الطيني الذي قد يبدو للعين العادية سطحًا بسيطًا، يمكن أن يتحول في لوحتها إلى مساحة مليئة بالضوء والظل والإيقاع، تمامًا كما يمكن لزهرة صغيرة أن تصبح عندها عالمًا بصريًا كاملًا.

«الإسطبلات».. لوحة تقود إلى المعرض

في قلب معرض ديترويت توجد لوحة «الإسطبلات» التي رسمتها أوكيفي عام 1932، وهي العمل الذي يمتلكه المعهد ضمن مجموعته الدائمة وكان نقطة البداية وراء فكرة المعرض، إذ قادت اللوحة أمين الفن الأمريكي في المعهد بن كولمان إلى التساؤل عن حجم حضور العمارة في تجربة أوكيفي، وما بدأ من اهتمام بعمل واحد تحول، بعد البحث في أعمالها، إلى مشروع أوسع يتتبع علاقتها بالمباني على امتداد عقود.

اللافت في «الإسطبلات» أن بساطتها لا تعني فقرها البصري، فاللوحة تعرض مبنيين أبيضين بسقفين مائلين، أمام مساحة من العشب وتحت سماء واسعة، لكن الاختزال الذي تستخدمه أوكيفي يجعل البناء نفسه يبدو كأنه كتلة مرسومة من أجل اختبار العلاقة بين الشكل واللون والمساحة، وقد كانت اللوحة مرتبطة في بدايتها بسلسلة من أعمال الحظائر، وعُرضت في نيويورك عام 1933 ضمن معرض لأعمال الفنانة.

ولذلك يمكن فهم اختيار «الإسطبلات» ليكون محورًا للمعرض، فاللوحة ليست مجرد مثال على اهتمام أوكيفي بالمباني، وإنما نموذج للطريقة التي كانت تحول بها الشيء اليومي إلى تجربة بصرية، وهي الطريقة نفسها التي صنعت شهرتها حين اقتربت من الزهور والمناظر الطبيعية.

العمارة ليست خلفية

ربما يكون أهم ما يقدمه المعرض هو تغيير السؤال الذي نطرحه على لوحات أوكيفي، فبدل أن نسأل فقط: ماذا رسمت؟ يمكن أن نسأل: كيف جعلتنا نرى ما رسمته؟ وهذا السؤال مهم في تجربة فنانة كان جوهر مشروعها قائمًا على إعادة النظر في الأشياء المألوفة، فالزهرة التي نمر بجوارها دون اهتمام تصبح في لوحاتها ضخمة تفرض نفسها على العين، والمبنى الذي اعتدنا وجوده في المدينة يتحول إلى مجموعة من الخطوط والمساحات التي تستحق التأمل.

ولهذا تبدو العمارة في تجربتها امتدادًا طبيعيًا لاختياراتها الفنية، فهي تستخدم الخطوط الهندسية، وتبسط الأشكال، وتتعامل مع اللون بوصفه عنصرًا بنائيًا لا مجرد زينة، وهو ما يؤكده المعهد في تقديمه للمعرض، مشيرًا إلى أن أوكيفي عادت إلى الموضوعات المعمارية عبر مراحل مختلفة من حياتها، مستخدمة اللغة التجريدية القوية نفسها التي ظهرت في أعمالها الشهيرة عن الزهور والمناظر الطبيعية.

لماذا غطت الزهور على كل شيء؟

إذا كانت العمارة جزءًا أصيلًا من تجربة أوكيفي، فلماذا ظلت الزهور هي الصورة الأشهر المرتبطة بها؟ ربما لأن لوحات الزهور امتلكت قدرة استثنائية على اختزال اسم الفنانة في صورة واحدة، خصوصًا مع أعمالها التي قدمت الزهرة بحجم كبير ومنظور قريب، وهي الطريقة التي جعلت تفاصيل صغيرة ومألوفة تبدو كما لو أنها اكتشفت للمرة الأولى، حتى أصبحت هذه الأعمال من أكثر ما ارتبط باسمها في تاريخ الفن الحديث.

لكن شهرة الزهور لا تعني أن تجربة أوكيفي كانت محصورة فيها، فقد تناولت التجريد والمناظر الطبيعية والصخور والعظام والعمارة والمناظر الحضرية، ويؤكد متحف جورجيا أوكيفي أن مجموعتها الفنية تشمل هذه العوالم المختلفة، من التجريدات إلى الزهور والأشكال الطبيعية، وصولًا إلى مشاهد نيويورك والأشكال المعمارية والمناظر الطبيعية في شمال نيو مكسيكو.

والأهم أن الفنانة نفسها لم تكن تتعامل مع الزهرة بوصفها رمزًا جاهزًا، بل بوصفها شكلًا يمكن أن تكتشف العين من خلاله اللون والمساحة والتفاصيل، ولهذا فإن وضع أعمال العمارة بجوار صورتها الأشهر يساعد على فهم أن الموضوع لم يكن هو الذي يصنع وحدة تجربتها، وإنما طريقة النظر إلى الموضوع.

مبنى بالطريقة نفسها التي ترى بها زهرة

عندما نضع زهرة إلى جوار مبنى في تجربة أوكيفي، قد يبدو في البداية أننا أمام موضوعين لا علاقة بينهما، لكن الأمر يتغير عندما نركز على اللغة البصرية، فالزهرة عندها يمكن أن تتحول إلى خطوط ومساحات وألوان، والمبنى يمكن أن يخضع للعملية نفسها، وفي الحالتين تعمد الفنانة إلى تغيير علاقتنا بالحجم والتفاصيل، وتجبر العين على التوقف أمام شيء ربما اعتادت المرور عليه سريعًا.

لهذا لا ينبغي النظر إلى معرض «جورجيا أوكيفي: العمارة» بوصفه محاولة لاكتشاف «أوكيفي أخرى» منفصلة عن الفنانة المعروفة، وإنما بوصفه فرصة لرؤية الفنانة نفسها بصورة أكثر اكتمالًا، فالمباني التي رسمتها ليست سرًا مخفيًا في سيرتها، والزهور ليست مرحلة منفصلة عن العمارة، وإنما الاثنان جزء من مشروع بصري واحد يقوم على إعادة تشكيل الأشياء المألوفة حتى نراها من جديد.

المكان يصنع الفنانة.. والفنانة تعيد تشكيل المكان

في تجربة أوكيفي تحديدًا، يصعب فصل المكان عن الفن، نيويورك قدمت لها المدينة الحديثة وناطحات السحاب، ونيو مكسيكو قدمت لها العمارة المحلية والبيئة الصحراوية والضوء والمساحات المفتوحة، وبين المكانين تطورت لغة فنية لم تتخل عن جوهرها، وإنما أعادت اكتشاف نفسها أمام بيئات مختلفة.

وهذا ما يجعل المعرض في ديترويت أكثر من مناسبة لعرض مجموعة من اللوحات المعمارية، فهو يعيد طرح سؤال أوسع عن علاقة الفنان بالمكان، وكيف يمكن للمبنى أن يصبح ذاكرة، وكيف يمكن للجدار أن يتحول إلى لون، وكيف يمكن للمدينة أن تتحول إلى هندسة، وكيف يستطيع الفنان أن يجعلنا نرى الأماكن التي نعيش فيها بعين مختلفة.

وربما لهذا السبب يبدو عنوان المعرض دقيقًا في دلالته، فهو لا يقدم العمارة بوصفها هامشًا في تجربة أوكيفي، بل بوصفها أحد مفاتيح فهمها، فحين نرى ناطحات السحاب إلى جوار الحظائر والبيوت الطينية، ثم نعود إلى الزهور والمناظر الطبيعية، نكتشف أن ما يجمع هذه الأعمال ليس الموضوع، وإنما العين التي تنظر إليه.

الوجه الآخر ليس وجهًا جديدًا

في النهاية، لا يكشف معرض «جورجيا أوكيفي: العمارة» عن فنانة جديدة خلف فنانة الزهور، وإنما يصحح صورة الفنانة التي اختُزلت طويلًا في أكثر أعمالها شهرة، ويعيد العمارة إلى مكانها داخل مسيرة امرأة استطاعت أن تجعل من الأشياء القريبة موضوعًا للتأمل، ومن التفاصيل العادية مادة لفن حديث شديد الخصوصية.

أوكيفي لم تكن فنانة الزهور فقط، كما أنها لم تكن فنانة العمارة فقط، وربما كان الوصف الأقرب إلى تجربتها أنها كانت فنانة النظر، تنظر إلى الزهرة والمبنى والصخرة والجدار والمدينة بالطريقة نفسها التي تبحث بها عن الشكل الكامن خلف الأشياء، ثم تمنح العين فرصة لأن تراه من جديد، وهذه هي القيمة الأهم التي يمكن أن يضيفها المعرض إلى صورتنا عنها، ليس أن يقول لنا إن أوكيفي رسمت مباني أيضًا، وإنما أن يجعلنا نفهم أن المبنى والزهرة كانا، في عالمها الفني، طريقتين مختلفتين للوصول إلى الشيء نفسه: أن نرى ما اعتدنا ألا نراه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة