جَوْد ٢

خَفُت وهج القرص الذهبي وأوشك على المغيب، فاستأذنتُ أمي لأسير قليلًا، سرت بين البنايات المتهالكة، وحاويات القمامة، كدت أن أنزلق بسبب الطين الذي يكسو الأرض المتعرجة، ولكنني تداركت نفسي سريعًا واستطعت العبور، واصلت السير إلى أن وصلت إلى أشهق بناية في المنطقة ولكنها مهجورة، اعتدت في كل يوم أن آتي هنا وأتطلع إلى قرص الشمس عن قرب، أراها وهي تودعنا على وعد بلقاء جديد.

صعدتُ حتى وصلتُ إلى سطح البناية، فتحتُ ذراعيّ وأغمضت عيني وأنا أتنفس هواء الغروب المنعش، ثم تركت لعينيّ العنان متابعة سرب الطيور العابر من فوق الشمس، كل شيء هنا يأسرني، غابت عينيّ في السماء وفتح قلبي كل ما يؤرقه.

كم كنت أود أن آتي مهرولًا لأمي وأبي في منزلنا وأخبرهم أني نجحت، أن أستاذي في المدرسة يحبني، أني كنت الأكثر تفوقًا في صفي، ولكن أين لي بهذا، ونحن بالكاد نأكل، فكيف سأذهب للمدرسة.

كم تمنيت أن ألهو أنا وصفاء في باحة منزل يضج بدفئ أبي وحنان أمي، كم تمنيت ألا تبكي صفاء بسبب الجوع.

تنهيدة حارة أطلقها قلبي، ودمعتين زرفتهما مقلتيّ وأبت أن تفقد غيرهما.

أسدل الليل ستائره وتأخرت تلك المرة، نزلت بسرعة وأنا اتحسس الجدران، غادرت البناية وأطلقت لقدمي العنان، أمي ستقلق عليّ إن لم أصل لها الآن، بعد مدة وقفت التقط أنفاسي وما كدت أُعاود الركض حتى سمعت صوتًا لم أستطع تحديد مكانه، دب الرعب في أوصالي، واخذت أتطلع حولي بخوف ولكني لم أرى شيء، اقنعت نفسي أنى اتوهم وما كدت أركض حتى سمعت صوتًا لاهثًا يهتف:

-انتظر يا بني.

نبرته الدافئة طمئنتني قليلًا، تلفت حولي لأرى من، فوجت رجلًا تحلى بثياب الأربعين، وعلى الرغم من

 الظلام إلا أنني استطعت رؤية

 ملابسه المهندمة والتي تصرخ بباهظة ثمنها، فوجدت نفسي أتطلع إلى ملابسي بخجل، حينما اقترب مني، كنت أود أن تنشق الأرض من تحتي وتبتلعني، كان قد توقف أمامي فانتبهت له يقول:

-عَلِقت سيارتي هنا ولا أعرف تلك المنطقة، ثم تابع متسائلًا:

-بإمكانك مساعدتي؟

أومأت له بصمت، وتعجبت أنه لم ينظر إليّ باشمئزاز، بل كان هادئًا يخاطبني كأنه يُخاطب أحدًا مهندمًا مثله، أشرت له وقلتُ وأنا مطأطأ الرأس:

-تعال معي، سأدلك على المدينة وهناك ستستطيع الاستعانة بإحد.

سرنا سويًا لا يقطع صمتنا سوى صوت الرياح، ولكني عقدت حاجبيّ وسألته:

-ألا تمتلك هاتفًا؟

أجابني بهدوء:

-كلا، أمتلك ولكن نفدت بطاريته.

أومأت له وعدنا لصمتٍ دام لبضع دقائق قبل أن يسألني:

-أراك حزينًا، تُرى ما السبب؟

تطلعت إليه لبرهة، كانت خصراوتيه ترمقانني بدفء لم أجده سوي في عيني أمي، ولكني أجبته بهدوء:

-لا شيء، أنا بخير.

بادرني بسؤاله:

- وما كان عملك في مثل هذا المكان؟ ثم تابع متعجبًا :

- ألا ترى أنه مهجورًا؟!

أجبته دون أن أنظر إليه:

- أحب المجيء هنا لأتابع غروب الشمس ولكني تأخرت اليوم، ثم تابعت وأنا ارمقه بطرف عيني:

- وربما تأخرت لمساعدتك.

مسح الرجل على شعري البني وقال بنبرة مرحة: لست سهلاً يا ولد.

خرجت ابتسامة صغيرة لشفتيّ، ثم انتبهت له يسألني:

- وفيمَ كان عقلك مشغول؟

لم أجبه، كنا وقتها قد اقتربنا من المدينة التي أسكن بها حيث المقاعد المهترئة، جذبني من يدي برفق وجلسنا على أحد تلك المقاعد، تطلع إليّ بحنان قبل أن يهتف:

- أنا كنت صغيرًا مثلك وكانت تشغلني الكثير من الأشياء ولكنني لم أجد من أبوح له بها، وكان هذا يحزنني كثيرا، أنتَ لديك الفرصة لتخبرني بما يُأجج خاطرك.

رمقته لثوان ولم أجبه، فاستطرد:

- هيا لن أخبر أحدًا، يمكنك أن تعتبرني صديق، ثم تابع متسائلًا:

-أليس لديك أصدقاء؟

هززت رأسي نافيًا، فقال الرجل:

- إذا، فلأكن لك صديقًا، إسمي عمار، أبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، أعمل طبيبًا وبالمناسبة جئت هنا لأعالج أحد المرضى، وفي طريق العودة تعطلت سيارتي .

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

..بسم الله والحمد لله..
..قصه جميله بالتوفيق..

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

..بسم الله والحمد لله..
..قصه جميله بالتوفيق..

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب