جوجل سكولار.. مستقبل البحث العلمي في مواجهة الذكاء الاصطناعي

في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، يقف محرك البحث العلمي الشهير جوجل سكولار (Google Scholar) عند مفترق طرق حاسم. فبعد مرّ 21 عامًا على إطلاق أكبر محرك بحث أكاديمي في العالم، جوجل سكولار الذي ارتبط به الأكاديميون والباحثون في كل مكان في العالم كونه إحدى الأدوات المهمة في عملية الوصول إلى ذلك المحيط الواسع والعميق من المعلومات وأوراق بحثية علمية، إضافة إلى عدد من خيارات البحث المتطورة. فإن سؤالًا بدأ يتردد في الأشهر الأخيرة عن قدرة «جوجل سكولار» على البقاء على قمة أدوات البحث الأكاديمي مع ظهور الذكاء الاصطناعي وأدواته ذات التنافسية العالية والمرونة الكبيرة والقدرة على التطور يومًا بعد يوم، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل البحث العلمي.

في هذا المقال نناقش: هل يستطيع Google Scholar الحفاظ على مكانته مع الصعود الصاروخي لأدوات الذكاء الاصطناعي التي تقدم تنافسية ومرونة غير مسبوقة في عالم البحث العلمي؟

جوجل سكولار.. عملاق البحث العلمي

في عام 2004، تم إطلاق جوجل سكولار في ساحة التنقيب عن المؤلفات العلمية، وهو ما أطلق بدوره ثورة في مجال البحث، تغيَّر على أثرها كل شيء، إذ كان الباحثون قديمًا يستخدمون المكتبات العامة والخاصة من أجل الوصول إلى المعلومات والرسائل العلمية، ثم تطور الأمر إلى استخدام الخدمات الإلكترونية المدفوعة من أجل الوصول إلى المعلومات والأوراق الأكاديمية.

في عام 2004 تم إطلاق جوجل سكولار  في ساحة التنقيب عن المؤلفات العلمية وهو ما أطلق بدوره ثورة  في مجال البحث

ومع انطلاق Google Scholar، تم إطلاق قاعدة البيانات غير المحدودة «سكوباس» (Scopus) التي أطلقتها شركة «إلسيفير» بمجموعة ضخمة من المراجع العلمية والملخصات البحثية، وهو ما ساعد على أن تكون النقلة عملاقة في عالم البحث الأكاديمي. ويمكن إجراء مقارنة بين جوجل سكولار وسكوبس حسب الشمولية، فيميل سكولار لتغطية أوسع في حين يركز سكوبس على المجلات الموثوقة المحكّمة.

ما هو جوجل سكولار وكيف يعمل؟

جوجل سكولار هو إحدى أدوات جوجل التي تختص بمساعدة الباحثين، ولا بد أن نعلم أن يعمل جوجل سكولار بتمشيط الإنترنت للوصول إلى المعلومات والأعمال الأكاديمية والبحوث الموجودة في التقارير والمسودات البحثية والكتب وجميع الوثائق المرفوعة على الإنترنت في كل الأماكن وبكل اللغات، من أجل تعزيز جهود الباحثين في أي مكان في العالم.

من ناحية أخرى، فإن جوجل سكولار يستمد قوته من مجموعة الاتفاقيات التي أُجريت مع الناشرين وأصحاب الملكية الفكرية التي تسمح له بالوصول إلى المقالات البحثية والنصوص الكاملة في مقابل الملخصات وعناوين البحوث التي تقدمها محركات البحث الأخرى.

ولكن يبقى التساؤل قائمًا: هل جوجل سكولار مجاني؟ نعم، الوصول للبحث مجاني، لكن قد ربط جوجل سكولار هذه الخدمة باشتراك مدفوع للوصول إلى بعض النصوص الكاملة عبر بوابات الناشرين.

ثم إن جوجل سكولار يعمل على تصنيف الأوراق البحثية بتقديم الأوراق الأكثر ارتباطًا بعملية البحث وتقديم الاقتباسات التي يمكن أن تضيف إلى عملية البحث. ويقوم أيضًا بتسهيل الوصول إلى النتائج الدقيقة بناءً على اتساع نطاق البحث، وهو ما يُعد خدمة فائقة الجودة بالنسبة للباحث أو الأكاديمي، وكأنه يمتلك مكتبات العالم في هاتفه أو جهاز الكمبيوتر الخاص به.

كيفية الاستفادة من جوجل سكولار

تكمن الاستفادة من جوجل سكولار في الدراسات الأكاديمية في طريقة عمله الفريدة التي تقولم على:

  • الفهرسة الشاملة: يعمل جوجل سكولار عبر تمشيط الإنترنت للوصول إلى الأعمال الأكاديمية في التقارير، المسودات البحثية، الكتب، والرسائل الجامعية بكل اللغات.

  • الوصول إلى النصوص الكاملة: يستمد قوته من اتفاقيات مع الناشرين تسمح له بالوصول إلى نصوص المقالات الكاملة، ما يجعله أداة مثالية عند الحاجة إلى تحميل البحوث من جوجل سكولار.

  • التصنيف الذكي: يصنف الأوراق البحثية حسب مدى صلتها بالبحث، عدد الاستشهادات، وأهمية المصدر، مما يقدم نتائج عالية الجودة للباحث.

  • تتبع الاستشهادات: يسمح للباحثين بمعرفة عدد المرات التي تم فيها الاستشهاد بأبحاثهم ومن استشهد بها، وهي ميزة حيوية في العالم الأكاديمي.

أصبح البحث الأكاديمي عبر جوجل سكولار ممارسة يومية لملايين الطلاب والأساتذة وكأنهم يمتلكون مكتبات العالم

وبفضل هذه الميزات، أصبح البحث الأكاديمي عبر جوجل سكولار ممارسة يومية لملايين الطلاب والأساتذة، وكأنهم يمتلكون مكتبات العالم في أجهزتهم.

جوجل سكولار ومنافسوه من أدوات الذكاء الاصطناعي

مع استطلاع كثير من آراء اختصاصيي علم الاجتماع الحاسوبي والباحثين والأكاديميين الذين يتعاملون مع جوجل سكولار، فإن كثيرًا منهم أكد أهمية جوجل سكولار ووضعه في المرتبة الأولى بين أدوات البحث، لكن معظم هذه الآراء تحدثت عن استخدام أدوات جديدة وابتكارات غير مسبوقة في مساحات أخرى.

وأكد كثيرون أن عددًا من المزايا التي يمتلكها جوجل سكولار، مثل الوصول إلى فيض شاسع من البحوث والأوراق الأكاديمية والمعلومات مجانًا، أصبحت متاحة في عدد من المنصات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى خيارات عدة أخرى تتفوق بها هذه الأدوات على جوجل سكولار.

وعلى سبيل المثال، فإن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، على غرار «ChatGPT» وغيرها، أصبحت الخيار الأول لكثير من الباحثين والأكاديميين، وعلى رأسهم علماء التنقيب في المراجع والمؤلفات العلمية والأشخاص الذين يعملون على تلخيص الرسائل والمؤلفات الذين تحولوا من استخدام جوجل سكولار إلى هذه الأدوات للاستفادة من الخيارات المتعددة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.

أفضل بدائل جوجل سكولار للبحث العلمي

على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه جوجل سكولار في السنوات الماضية وتربعه على عرش البحث العلمي والأكاديمي، فإن الأشهر الأخيرة شهدت منافسة كبيرة للعملاق الذي يتلقى أكثر من 100 مليون زائر شهريًا. حتى الآن لم تستطع أي من المحركات الجديدة التفوق على جوجل سكولار في القدرة على الوصول إلى النصوص على نحو كامل أو حتى على مستوى عدد الزوار أو ضخامة المادة البحثية.

محرك بحث «Open Alex» للبحث العلمي المنافس المفتوح

ومن بين المحركات التي أصبحت تنافس جوجل سكولار في الفترة الأخيرة وتعد من أفضل مواقع البحث العلمي محرك بحث «Open Alex» الذي انطلق للتجربة عام 2021 ثم أصبح متاحًا للجمهور منذ عام 2022، بعد أن نشرت قاعدة بيانات «مايكروسوفت أكاديميك جراف» بياناتها الكاملة وأتاحتها مجانًا على الإنترنت قبل أن تخرج من الخدمة، وهو ما أتاح الفرصة أمام محرك البحث «Open Alex» للعمل على قاعدة البيانات تلك، إضافة إلى المصادر الأخرى المفتوحة والمجانية التي تحتوي بدورها قدرًا كبيرًا من البيانات الأكاديمية. ويعد كثيرون OpenAlex مقابل Google Scholar منافسًا واعدًا بفضل شفافيته ومصادره المفتوحة.

من المحركات التي أصبحت تنافس جوجل سكولار  في الفترة الأخيرة محرك بحث Open Alex الذي أصبح متاحًا للجمهور منذ 2022

سيمانتك سكولار (Semantic Scholar) بديل جوجل سكولار الذكي للبحث العلمي 

يوجد أيضًا «سيمانتك سكولار» (Semantic Scholar) الذي أُنشئ عام 2015 ليعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو أداة ممتازة فيما يخص عمل الملخصات للأوراق البحثية والاطلاع على المراجع والاستشهادات المرجعية ذات الصلة.

ويُطرح دائمًا الفرق بين جوجل سكولار وسيمانتك سكولار، فيتفوق الأخير في الفهم الدلالي للمحتوى وقدرته على استخلاص النتائج الرئيسة، ما يجعل Semantic Scholar بديل جوجل سكولار المفضل لكثيرين.

أداة كونسينساس (Consensus) محرك البحث بالإجابات

توجد أداة كونسينساس (Consensus) التي تعمل على قاعدة البيانات نفسها، وتم إطلاقها عام 2022 من أجل التخصص في البحث عن الإجابات المدعومة بالأبحاث، وأصبح لها جمهور كبير بين الباحثين والأكاديميين الذين يعملون على الملخصات البحثية وإعداد الأوراق الأكاديمية المدعومة بالاستشهادات المرجعية.

أداة «أندرماين» (Undermind) للبحث العلمي الجودة فوق السرعة

إضافة إلى ذلك، توجد أداة «أندرماين» (Undermind) التي أصبحت الأداة الأولى لكثير من الباحثين، الذين يقولون إنها تخرج بنتائج أفضل جودة من باقي الأدوات، وعلى رأسها جوجل سكولار. وعلى الرغم من أن هذه الأداة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تستغرق وقتًا أطول من غيرها، وقد يتطلب الأمر بعض الدقائق مقارنة بالثواني في جوجل سكولار، فإننا نتحدث عن البحث العلمي والأكاديمي، لذا فإن جودة النتائج تستحق الانتظار.

أصبحت أداة «أندرماين» Undermind الأداة الأولى لكثير من الباحثين الذين يقولون إنها تخرج بنتائج أفضل جودة من باقي الأدوات

غموض حول جوجل سكولار

على الرغم من الاستفادة الكبيرة على مدار 21 عامًا من جوجل سكولار في مجال البحث العلمي والأكاديمي، فإن بعض التعليقات من خبراء البحث والأكاديميين يجب أن تناقشها شركة جوجل بشفافية ومرونة كبيرة مع المنافسة التي يشهدها جوجل سكولار في ظل تطور أدوات البحث الأخرى.

ومن أهم هذه التعليقات مسألةُ غموض محرك البحث جوجل سكولار من ناحية عدم وضوح المحتوى الذي يبحث فيه جوجل سكولار، وكذلك الغموض المحيط بالخوارزميات التي يستخدمها التي تدفعه إلى التوصية بمقالات أو رسائل أو أعمال بحثية معينة.

من ناحية أخرى، لا يسمح محرك جوجل سكولار بتنزيل كمٍّ كبير من نتائج البحث إذا كان الأمر متعلقًا بالأوراق البحثية والرسائل العلمية، وهو ما يعيق كيفية استخدام جوجل سكولار للدراسات البيبليومترية الواسعة، ما يؤثر في النتائج التي يستخدمها الباحثون في إعداد الأوراق البحثية مثل الاستشهادات المرجعية، وهو ما يجعل كثيرًا من الباحثين في حالة عدم فهم للمحرك والأداة الأكثر استخدامًا في مجال البحث العلمي في العالم.

ومن الجدير بالذكر أن جوجل سكولار يستخدم الذكاء الاصطناعي ويحاول الاستفادة من التطور الكبير الذي استفادت منه الأدوات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يصنّف المقالات بالذكاء الاصطناعي، ويقدّم إجاباتٍ للاستفسارات البحثية بالذكاء الاصطناعي، وكذلك يقترح مقالات جديدة ويوصي بمقالات ذات صلة.

وقد شهدت الآونة الأخيرة ظهور مجموعة من الأدوات الجديدة في جوجل سكولار، وعلى رأسها خدمة كتابة الملخصات بالذكاء الاصطناعي، لكن جوجل سكولار ما زال لا يدرج الذكاء الاصطناعي في نتائج البحث، وهو ما يمكن أن يقدم إجابات للاستفسارات التي يطرحها الباحثون في أثناء عملية البحث، ما يظهر في محرك جوجل الرئيس. وقد تخشى شركة جوجل أن تلخيص الاستنتاجات قد يضر بسياق البحث، أو أن الموضوع قد يكون صعبًا في المرحلة الحالية نظرًا لأن الأمر يخص أوراقًا بحثية وجوانب علمية معقدة.

مستقبل جوجل سكولار واشتعال المنافسة

حتى الآن، يبقى جوجل سكولار متربعًا على عرش البحث العلمي والأكاديمي مع اشتعال المنافسة بينه وبين عدد من منافسي جوجل سكولار والأدوات الجديدة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، وهي منافسة تصب في صالح الباحثين في كل مكان في العالم. فالتحدي الأكبر أمامه ليس فقط تحسين خوارزمياته، بل تبني الشفافية ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي بفاعلية أكبر للبقاء في القمة.

وفي نهاية المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.