جواهر تلقى في نهر الموت

في البداية أحب أن أعتذر عن مقالي السابق بعنوان (حجر يلقى في بركة الموت) فقد كتبته ولم أختبر ذلك الشعور بفقد عزيز لدي منذ الصغر، ولكني فقدت أقارب منعتني ظروف ولادتي وحياتي خارج البلاد من الاقتراب منهم والتعلق بهم وبالتالي الشعور بالفقد حين رحيلهم.
ولكن منذ أسبوع وتحديداً في الساعة الثانية من صباح يوم الخميس الموافق ٢١ يناير من هذا العام
فقدت والدي، بمكالمة لا تحمل سوى أربع كلمات
أبوكي مات يا علا.
كانت كفيلة بأن تغير كل شيء، ليس هذا وفقط بل كان لتبعاتها آثاراً غيرت نظرتي للحياة عموماً.
لم أشعر بالفقد
لم أكن طفلة والدي المدللة ولست كذلك بالنسبة لأمي، ولذلك عشت حياتي في منطقة الوسط أحظى بحب عادل، لا تفريط فيه وأظنني كنت محظوظة بهذه الوسطية التي وقتني ألم فراق كان ليكسرني لسنوات.
أسرعت إلى منزل أمي لأجد أبي ممدداً على الفراش في سكون، هذا الرجل الذي عاش حياة طويلة حزن فيها وفرح، غضب فيها واطمأن، أحب وكره، أحسن فيها وأساء، ينام لآخر مرة على فراشه بعد أن صعدت روحه إلى الخالق، ليبدأ رحلة جديدة في عالم مختلف.
ألم ابكي ولم أشعر بالفقد، وانتابني شعور بالخوف أن أكشف وجهه أو أن ألمسه، فما حاجتي أو حاجته لهذا وقد فارق جسده، كل ما كان يشغل تفكيري في هذه اللحظة هو الخوف على هذه النفس الضعيفة الوحيدة التي لا تملك من أمرها شيئاً ترحل في موعد مع ملك الملوك، الجبار القوي، ناديت باربي أرحمه
أقسم عليك يا ربي ألا تعذبه وأن ترحم ضعفه وخوفه ووحدته.
وجهاً لوجه مع الموت
مرت ساعات الفجر حتى التاسعة صباحاً، أسرع أخي باستخراج تصريح الدفن، وذهبت لإحضار المغسل
الذي طالبني أنا وأخي بمساعدته وبعد أن كنت خائفة من ورؤية وجهه رحمه الله وقد غادرته الحياة أصبحت أساعد في حمله وتقليبه يميناً ويساراً ساعة الغسل، ورغم انشغالي باتباع أوامر المغسل إلا أنني كنت أسترق النظر لأبي، أراقب مشهداً جديداً على، أن أرى الموت حاضراً أمامي في جمال وجلال ورهبة
وفخامة في تكريم هذا الجسد الذي حمل النفس في رحلتها الأرضية فكان خادمها المطيع في سعيها على هذه الأرض، تغادره فيكلف الله الأحياء بتكريم هذا الجسد وتغسيله وتعطيره ولفه بالأبيض وتوديعه بصلاة ودعاء ودفن يقيه من مهانة التعفن أمام الناس.
ثم خطر لي أن ملك الموت كان هنا، يؤدي رسالته الصعبة، وكذلك الملائكة الحاضرين لطمئنه الروح وهي تغادر الجسد، سبحان الله الذي لا يترك عباده يواجهون الموت وحيدين ويكلف ملائكته بالرحمة معهم، كيف لا وهو الرحمن الرحيم وهو أصل الرحمة وأصل السلام.
كنا قد شارفنا على الانتهاء، وبدأنا بلف والدي في الكفن، فوجدتني أتلمسه خلسة بين الحين والآخر لأطمئنه، وطبعت قبلة وداع على جبينه البارد
حين تفاجأت بأنني لم أقبل والدي منذ سنة تقريباً، لظروف مرضه التي كانت تحجبه عنا في نوم لا يقطعه إلا ساعات قليلة.
فكرت أنه علينا دائماً أن نقول لأحبتنا أننا بحبهم وأن نعبر عن ذلك الحب بالكلمات والقبلات، فلا أحد في هذه الأرض يدري وقت الرحيل فأخبروا أحبتكم أنكم تحبونهم في كل لحظة.
مقابر الراحلين
لأول مره أزور مقابر العائلة وحولها آلاف المقابر، صمت وسكون يغلف المكان، لا يمنعه من أن يزهوا بجمال طيور في السماء ونبات بخضرة حية يعبر عن خالقه في صمت بديع.
كل هذه المقابر مغلقة على قصص أناس عاشوا وماتوا
ظلموا وظلموا، أحسنوا وأساءوا. رحم الله الجميع.
صلى الرجال صلاة الجنازة ووارينا أبي التراب، دعونا بما يسر الله لنا ورحلنا.
تاركين هذا الجسد مع روحه وعمله في رحلة جديدة في عالم البرزخ، وأسئلة عليه مع رحيل آخرنا أن يجيب عليها، من ربك؟ ، ما دينك؟ ، ومن نبيك؟
وماذا فعلت في منحة دامت ثمانون عاماً في حياة
كانت بين يديك طوعك وتحت قدميك.
لن تكون زيارتي الأخيرة
عدت إلى البيت، بعد أن رحل صاحبه تاركاً كل شيء
ثياب، كتب، كلمات، ذكريات، أسمه، نسبه، إنتماءاته، ترك محبيه وأعداءه، لم يأخذ معه سوى أشياء لا ترى ولا تحمل إنه عمله.
أعرف الآن أننا نعبر هنا في هذه الدنيا ولسنا بباقين
ولم يعد للمال ولا الجاه ولا الألقاب قيمة في نظري
حتى أولادي أعرف أنهم ليسوا لي وليسوا مني، فقط جاءوا من خلالي ليعبروا هذه الرحلة الفريدة والتي تسمى الحياة، هم أحد إختباراتي وأنا إختبارهم.
وأصبح الحب والكلمة الطيبة والرحمة ومساعدة الناس هو هدفي وكنز الأرض الذي إن شاء الله سأتزود منه بالكثير، حتى أعود من جديد إلى هذه المقابر محمولة لمقابله رب العالمين.
ولذلك ما عدت أرى أن الأموات حجارة تلقى في بركة الموت الضحلة، إنما هي جواهر نفيسه تلقى في نهر جاري يحملها من الدنيا لتكمل رحلتها الخالدة تحت عرش الرحمن وفي جنانٍ عرضها السماوات والأرض.

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر