لا يُعدُّ الروائي والأديب المصري الراحل جمال الغيطاني كاتبًا كبيرًا ورمزًا من رموز الثقافة العربية فقط، وإنما يتميَّز بمشروعه الروائي المدهش الذي يُعدُّ مزيجًا من الواقع والتراث المصري والعربي، وكأنه كان يسافر في الذاكرة لينسج أعماله على مهل، فأخرج للمكتبة العربية كثيرًا من الكنوز التي تحمل بصمته الإبداعية وثقافته الموسوعية ورؤيته الفريدة، وعلى الرغم من بداياته الصعبة ورحلته الشاقة؛ فإنه في الأخير أصبح جمال الغيطاني ذلك الاسم الكبير والرمز الذي لا يختلف على مكانته اثنين من القراء أو المثقفين أو النُقاد في النصف الثاني من القرن الـ20 حتى الآن.
وفي هذا المقال نتجول معًا في عالم جمال الغيطاني؛ لنتعرف على أهم محطاته الشخصية والإبداعية في جولة لن تخلو من المتعة والمعرفة والأسرار المدهشة في السطور التالية.
اقرأ أيضًا: محمد أحمد الظاهر شاعر الطفولة
المولد والنشأة
ولد جمال الغيطاني في قرية جهينة أحد مراكز محافظة سوهاج المصرية يوم 9 مايو عام 1945، وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة عبد الرحمن كتخدا الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة الجمالية الابتدائية قبل أن ينتقل إلى مدرسة محمد علي الإعدادية ثم يلتحق بمدرسة الصنائع بالعباسية ويحصل على مؤهل المتوسط؛ نظرًا لظروف الأسرة الفقيرة.
كانت طفولة جمال الغيطاني صعبة، إذ كان يعمل في مصانع السجاد بمنطقة خان الخليلي، وهي المهنة التي ارتبط بها كثيرًا، حتى إنه بعد ذلك أطلق عليه (النساج)، حتى وصل إلى أن يكون سكرتير الجمعية التعاونية الخاصة بالفنانين والصناع في منطقة خان الخليلي، ومع اجتهاده ورغبته في التعلم والاستزادة فقد أكمل جمال الغيطاني مهارته في صناعة السجاد بالدراسة مدة عامين في كلية الفنون التطبيقية، إذ تعلم فنون الصباغة والطباعة كما كان دائمًا يقول إن مهنة السجاد هي مهنة عمره التي تعلم منها الصبر وترتبط بالفن ارتباطًا كبيرًا.
اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيل عبد الكريم غلاب.. الثائر والفيلسوف وعميد الأدب المغربي
حياة جمال الغيطاني
في بداية حياته كان جمال الغيطاني مرتبطًا بالعمل في مهنة السجاد، ثم أصبح بعد ذلك مفتشًا على مصانع السجاد ومراقبًا للجودة، ثم تولى بعد ذلك الإشراف على مصانع السجاد الموجودة في محافظة المنيا في جنوب مصر، وهو ما يعد ترقيًا وتطورًا في هذه المهنة، لكن جمال الغيطاني كانت له ميول كبيرة ناحية الأدب والصحافة، وهو ما جعله يخطو خطوات أخرى في اتجاه آخر.
عمل جمال الغيطاني رسامًا في المؤسسة المصرية للتعاون الإنتاجي منذ عام 1963 حتى عام 1965، فقد حدثت بعض المفاجآت غير السارة في حياة جمال الغيطاني، إذ اعتقل عام 1966 بسبب ميوله الشيوعية وأطلق سراحه بعد ستة أشهر، ليتجه للعمل سكرتيرًا لجمعية صناعة فناني خان الخليلي منذ عام 1967 حتى عام 1969.
كان عام 1969 عامًا محوريًّا في حياة جمال الغيطاني، إذ بدأ العمل في مهنة المراسل الحربي لمصلحة مؤسسة أخبار اليوم، وبدأت علاقته بالصحافة تزداد يومًا بعد يوم؛ نظرًا للقدرات الكبيرة للأديب الشاب، وفي عام 1974 جاءت فرصة أخرى لجمال الغيطاني للعمل الصحفي في قسم التحقيقات الصحفية في المؤسسة نفسها، وهي الفرصة التي لم يتركها الأديب الكبير لينتقل منها بعد ذلك إلى رئاسة القسم الأدبي في مؤسسة أخبار اليوم، ثم أسس جريدة معرض 68 التي كانت نافذة للأدباء والكتاب في مختلف الوطن العربي.
المحطة الأخرى في حياة جمال الغيطاني كانت عام 1993 حينما أسس صحيفة أخبار الأدب التي صدرت عن أخبار اليوم، فوُلِدت عملاقة وأصبح جمال الغيطاني رئيس تحريرها، وأصبحت الصحيفة إحدى أرقى الصحف الأدبية المتخصصة في الوطن العربي التي يسعى إليها الكُتاب والمثقفون والنقاد ويحترمها القراء كثيرًا، وهو ما يحسب للكاتب والأديب جمال الغيطاني.
توجد محطات عدة يصعب إغفالها في حياة جمال الغيطاني، ومنها ما يعرف بأحداث (الإمبراطور)، إذ اتهمت إحدى المواقع الإلكترونية في دولة الدنمارك تحت اسم الإمبراطور ويشرف عليه الشاعر العراقي أسعد الجبوري الأديب المصري جمال الغيطاني، بأنه قد كتب بنفسه رواية (زبيبة والملك) التي نسبت إلى صدام حسين.
كما تداولت بعض الشائعات والتلميحات بأن عدي صدام حسين قد طلب من جمال الغيطاني أن يكتب له رواية أخرى؛ لتنسب إلى عدي صدام حسين، وهو ما نفاه تمامًا جمال الغيطاني، لكن كثيرًا من أعداء الأديب المصري قد روجوا لهذه الشائعات، وقالوا إن جمال الغيطاني حينما أصدر كتاب (حراس البوابة الشرقية) عام 1975 في بغداد استخدم الاسم نفسه الذي يطلق على الجيش العراقي، وهو ما يعد اتهامًا ضمنيًّا لجمال الغيطاني الذي نفى ذلك الأمر، وأعلن أنه قد أبلغ محاميه الخاص بالتحرك القانوني في هذا الأمر.
كذلك كان جمال الغيطاني من الأدباء والصحفيين الذين هاجموا التيارات الإسلامية من البداية، وعاد لمهاجمتهم بعنف بعد ثورة 25 يناير عام 2011، كما طالب في إحدى مقالاته بإلغاء جامعة الأزهر، واقترح أن تُضَم إلى جامعة عين شمس، وهو ما يوضح لك اتجاهات الأديب والروائي الكبير جمال الغيطاني التي تختلف أو تتفق معها، لكن ذلك لا ينفي تجربته الأدبية الهائلة وتأثيره الكبير في الثقافة العربية على مدى سنوات عمره.
اقرأ أيضًا: أيمن العتوم السهل الممتنع والمحارب المسالم
أدب جمال الغيطاني
مع أنَّ الأديب والروائي المصري الكبير جمال الغيطاني كان أحد تلامذة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وهو ما يفتخر به كثيرًا ومع أنه تأثر به في بداياته، لكن جمال الغيطاني كان صاحب بصمة مختلفة في القصة والرواية العربية، فقدم نصوصًا ثرية على المستوى الفني والمستوى المعرفي؛ نظرًا لثقافته الهائلة، وقدرته الكبيرة على البحث والتجول في التاريخ والتراث ودمج الواقع بالخيال الحاضر بالماضي، وبذلك لا تستطيع أن تضع جمال الغيطاني في دائرة واحدة مع كتاب آخرين على مستوى النص السردي، وإنما يمكن قبول هذا الطرح على المستوى الزمني أو الجغرافي.
كانت انطلاقة الأديب الكبير جمال الغيطاني في عالم الأدب عام 1965، إذ بدأت قصصه تنتشر في الصحف والمجلات والدوريات العربية، كما كان أحد الوجوه البارزة في جبهة المثقفين اليساريين، مثل يحيى الطاهر عبد الله وصلاح عيسى وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي، إضافة إلى الظروف التاريخية التي عاصرها هؤلاء الكتاب، مثل هزيمة 1967، فبعض الأدباء الذين تعاملوا مع الواقع الجديد بشيء من الثورة أو الهروب وبعضهم بحث لنفسه عن مخرج في التاريخ أو التراث، فكان جمال الغيطاني أحد هؤلاء حيث أبحر في التاريخ المصري الإسلامي والقبطي، ليخرج بأعمال وصفت بأنها الأهم في مسيرته، مثل مجموعته القصصية الأولى (أوراق شاب عاش منذ ألف سنة) ثم رواية (الزيني بركات)، وغيرها من الأعمال المدهشة.
وعلى مدار رحلة جمال الغيطاني في القصة والرواية، كانت له محطات لا يمكن تجاوزها على غرار رواية (الزيني بركات) التي عدها كثيرون أحد أهم الروايات العربية على الإطلاق، التي تناولت إحدى مراحل التاريخ المصري في عهد المماليك حيث القهر البوليسي وعيون البصاصين والاستبداد والاستغلال والظلم، ثم كانت روايته (الزويل) التي يصعب وصفها بقدر ما تحمل من غرابة، وتدور أحداثها في زمن سحري، ثم رواية (البصائر والمصائر) التي استقبلها المثقفون والنُقاد استقبالًا هائلًا ولاقت قبولًا كبيرًا، وتُرجمت إلى الألمانية والإنجليزية.
كما كان جمال الغيطاني أديبًا وكاتبًا ومفكرًا ومثقفًا خارج إطار القصة والرواية، فكان له عدد من الإبداعات في مجالات متنوعة، وكتب في أدب الرحلات والمذكرات وسير الأدباء، وعلى سبيل المثال يأتي كتابه (ملامح القاهرة في ألف سنة) كأحد الكتب المهمة التي تحكي عن ملامح القاهرة الفاطمية والمملوكية، إضافة إلى حكايات أخرى في العصر الحديث.
كما يتجلى أدب الرحلات في كتابه (مقاصد الأسفار) الذي يصف رحلات جمال الغيطاني في مناطق عدة من العالم بعين الأديب الواعي والسارد المدهش، وكذلك كتابه (مدينة الغرباء) الذي يحكي فيه عن الولايات المتحدة الأميركية، ويقدم آراء عميقة عن رؤيته للأحوال الاجتماعية والثقافية والسياسية في ذلك البلد الكبير، وهو ما يعطينا فكرة عن وعي هذا الأديب متعدد الرؤى ومستويات الطرح.
جوائز وتكريمات جمال الغيطاني
حصل الروائي والصحفي والأديب المصري الكبير جمال الغيطاني على عدد من التكريمات والأوسمة والجوائز في حياته وبعد موته، ولعل أبرز هذه التكريمات:
- جائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1980.
- جائزة سلطان بن علي العويس عام 1997.
- وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
- وسام الاستحقاق الفرنسي من الطبقة الثالثة عام 1987.
- جائزة الصداقة العربية عام 1994
- جائزة لورباتليون عن روايته التجليات، إذ تُمنَح الجائزة لأفضل الأعمال المترجمة للغة الفرنسية، وذلك عام 2005.
- جائزة جرينزانا كافور للأدب الأجنبي في إيطاليا عام 2006.
- جائزة الدولة التقديرية بعد أن رشحته لها جامعة سوهاج عام 2007.
- جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثالثة فرع الآداب، وذلك عن روايته (الدفتر السادس من دفاتر التدوين) عام 2009.
- جائزة النيل للآداب عام 2015.
وصدر عدد من الكتب والبحوث ورسائل الدكتوراه التي تتناول جمال الغيطاني كونه ظاهرة أدبية، وتتناول أعماله وسماته الإبداعية، ومنها:
- جمال الغيطاني ثائرًا عام 2009
- جمال الغيطاني والتراث عام 1992
- شعرية الفضاء الروائي عند جمال الغيطاني
- الخطاب الروائي في دفاتر التدوين لجمال الغيطاني
- خطاب المكان في روايات جمال الغيطاني
من أقوال واقتباسات جمال الغيطاني
- الدرس العظيم المستفاد من التواريخ أنه في حالات اندلاع الفتنة فلا بد من حياد البصاص.. البصاص يعمل للعدل وحدة ورمز العدل هو كرسي السلطنة كرسي السلطنة ذاته.. من رواية الزيني بركات
- لماذا حرصت على المجيء مبكرًا لماذا جاء هؤلاء الذين لا أعرفهم قبل الموعد مباشرة. إنها عدم الثقة المترسخة داخلنا باستمرار نتوقع خللًا ربما لأن المواعيد لا تحترم.. من كتاب مدينة الغرباء
- فراق الحي أصعب من فراق الميت؛ لأن الأمل يندثر بعد حين، أما الحي فيظل التعلق به قائمًا.. من كتاب رسالة في الصبابة والوجد
- ذلك الحذر القديم من البرقيات ورنين الهاتف وكلاهما نذير أخاف وقوع مكروه ما، رغم أنه شاب داخلي الآن.. من مقاربة الأبد
وفاة جمال الغيطاني
كان جمال الغيطاني قد دخل في غيبوبة نتيجة وعكة أصابته منتصف عام 2015، وظل في صراع مع المرض طوال تلك المدة حتى توفي يوم 18 أكتوبر عام 2015 في مستشفى الجلاء العسكري في مدينة القاهرة، ليرحل الأديب والصحفي والروائي الكبير جمال الغيطاني عن عمر ناهز 70 عامًا بعد رحلة طويلة مع الأدب والصحافة، تاركًا إرثًا كبيرًا من الجمال والقيم الإبداعية المدهشة والجدل والتجريب والعوالم التي أقامها بين الحاضر والماضي والواقع والخيال.
وفي نهاية هذه الجولة السريعة في عالم الأديب المصري الكبير جمال الغيطاني، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة والحماس لقراءة أعمال الكاتب المدهش.
ويسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.