جماليات التحليل الثقافي

ترجع أهمية جماليات التحليل الثقافي إلى القراءة المختلفة التي يقدمها للنص الأدبي؛ لأنها تسلط الضوء على الدلالات الثقافية التي يحتويها النص، والتي بدورها يمكن أن تمثل بيئة كاشفة للمعطيات الثقافية المتولدة داخله كعناصر تاريخية، وثيقة معرفية وثقافية ذات طابع جمالي.

اقرأ ايضاً سمات الأدب العربي القديم

ما هي جماليات الثقافة؟

والأمر لا يتعلق بالجانب الجمالي البلاغي، بل إن جماليات الثقافة هي التي تكشف بيئة النص والأنماط الأساسية التي تشكله، ويمكن القول: إنها (دراسة الجانب الفني أو الجمالي في الثقافة والشعر، أو تحليل الثقافة في الثقافة والشعر)، أو دراسة الثقافة من زاوية شعرية.. تولي فيها الأنماط المتمركزة في البنى النصية أهمية كبيرة في الكشف عن تشكيلات هذه الأنماط، ووظيفتها إثبات المعاني والرموز والدلالات.

ووفقًا للنقد الثقافي، فإن النص الأدبي هو حادثة ثقافية منهجية تستحق قراءة أدبية متأنية للسياقات التاريخية والأنماط الثقافية بكونها تمثيلات خفية. لكن النص الشعري، إضافة إلى كونه علامة جمالية، أصبح علامة وقيمة ثقافية.

والقصيدة تكوين ومشروع ثقافي وفكري ووصلة حضارية قبل أن تكون عملًا وإنجازًا جماليًا.

والقصيدة هي خلاصة مشحونة للتماسك بين الشعر والثقافة.

إن معرفة جماليات النقد الثقافي تقودنا بالضرورة إلى معرفة جماليات التحليل الثقافي، بسبب تقارب المنهجين من جهة، وتقاربهما من جهة أخرى في الآليات التي يتم بها التحليل، إذ لا بد من التعرض لمفهوم جماليات التحليل الثقافي، الذي هو مجموع القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات وأساليب التفكير وأساليب الحياة المرتبطة بالجانب الثقافي.

ثم إن الجماليات تتطلب تنمية آليات جديدة من وجهة نظر النص الأدبي وتوسيع آفاق الرؤية والعلاقة بين الجماليات الثقافية وجماليات الأدب؛ لأن الجماليات الأدبية رغم حاجتها إلى نقد الخطاب غير كافية للمشروع في النقد الثقافي الأدبي.

إن جماليات التحليل الثقافي لا تتوقف على حدود النص الأدبي فحسب، بل تتعداها؛ لأنها تحيط بكل ما يتعلق بالنص، بما في ذلك البيئة التي تنتجه، والأسس الثقافية التي يمتصها النص، وكذلك البيئة التي ينتجها، وتحليل النماذج الضمنية التي تشكل هوية النص.

يقول جرينبلات: «في النهاية لا بد للتحليل الثقافي الكامل أن يذهب إلى ما هو أبعد من النص، ليحدد الروابط بين النص والقيم من جهة والمؤسسات والممارسات الأخرى في الثقافة من جهة أخرى»، وحسبه فإن هذا المنهج يسعى انطلاقًا من القراءة المتأنية، إلى استعادة القيم الثقافية التي استوعبها النص الأدبي.

اقرأ ايضاً ماذا تعرف عن الأدب الجغرافي العربي؟

كيف يتمكن الناقد الأدبي من الكشف عن جماليات النص الثقافية؟

ويجب على الناقد الأدبي أن يتسلح بكل المهارات الأدبية، التي يستمدها من مختلف النقاد على اختلاف ثقافاتهم على مر العصور؛ حتى يتمكن من الكشف عن جماليات النص الثقافية، ويرى محسن جام الموسوي أن النقد الثقافي «فاعلية تستعين بالنظريات والمفاهيم والنظم المعرفية لبلوغ ما تأنف المناهج الأدبية المحض من المساس به أو الخوض فيه».

 وترتبط جماليات التحليل الثقافي بالتاريخية الجديدة التي أسسها الناقد الأمريكي ستيفن جرينبلات، والتي دعت إلى فهم العمل الأدبي أو تأثيره في سياقه التاريخي، مع التركيز على التاريخ الأدبي والثقافي، بل بدراسته كتاريخ جمالي وشكلي.

وهي بنية تشمل البنى التاريخية والثقافية غير الواعية، و(التاريخانية الجديدة هي أحد الاتجاهات النقدية التي تطورت في مرحلة ما بعد البنيوية، حيث بدأت تظهر في الثمانينات في محاولة لتحرير النص الأدبي من سجن توجهاته).

نحو اللغة والدراسة الداخلية، ويعبر هذا الاتجاه النقدي عن مجموعات أو تجمعات من النقاد والمنظرين الذين رفضوا المنهج المتزامن أو اللحظي المستخدم في دراسة الثقافة والأدب.

 لقد تركت مرحلة ما بعد البنيوية فراغا نقديًّا، أدى إلى ظهور اتجاهات نقدية، أهمها التاريخية الجديدة، التي حاولت الابتعاد عن المقاربات البنيوية والتفكيكية لتحديد أطر ومعايير نقدية جديدة تعتمد على التاريخ.

وأساس النص مع عدم إهمال جمالياته الثقافية، بعَدِّه نصًّا أدبيًّا جماليًّا، وتعد (التاريخية الجديدة إحدى النتائج النقدية لمرحلة ما بعد البنيوية، وهي تحتوي على العناصر عدة سيطرت على تيارات نقدية أخرى مثل الماركسية، في إضافة إلى اكتشافات الأنثروبولوجيا الثقافية وغيرها، وتجتمع هذه العناصر لتدعم التاريخية الجديدة في سعيها إلى قراءة النص الأدبي في سياقه التاريخي والثقافي).

وأكد جرينبلات بتطبيقه للنهج التاريخي الجديد، أن العمل الأدبي يستمد أهميته من توثيقه للأحداث التاريخية المعاصرة في البلاد.

إن القصيدة السياسية برموزها ودلالاتها المتعددة تتيح لها إمكانية القراءات المتعددة وإمكانية التأويل، مع خصوصية قراءة الظروف التاريخية والاجتماعية، التي أنتجت فيها القصيدة.

فالتحولات الكبيرة والعاصفة التي ألقت بظلالها على الشاعر، والتحولات الاجتماعية والسياسية أسهمت إسهامًا فعالًا في بناء القصيدة وإنتاجها، وتركت نماذج متعددة ترتكز عليها، وفتحت أبوابًا متعددة لقراءة الناقد.

يهتم النقد الثقافي بالقواعد الأساسية لحركة المجتمع ومنافذ التغيرات الفكرية والسياسية والثقافية التي تحول بعض الثوابت وبعض الأصول الطبيعية وبعض الأشياء الثابتة، وتحركها وتوجهها نحو أفق هذا المحرك وهذا المتغير. 

وما دام الإبداع الشعري أحد هذه المحركات والمغيرات الفعالة، فإن ما يميز خطاب النقد الثقافي هو أنه منفتح على كافة الأنشطة الإبداعية للمجتمع نفسه، ما يساعده مساعدة كلية على تحقيق أهدافك وتحقيقها بطريقة إيجابية، وبوسائل فريدة من نوعها.

اقرأ ايضاً خصائص الغزل الصريح والغزل العفيف

نماذج جمالية في شعر الوطن

تتميز هذه المرحلة المهمة من تاريخ العراق المعاصر بأحداث سياسية عدة تمثلت بحكم العثمانيين وإعلان الدستور عام 1908م، ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخول القوات البريطانية إلى العراق واحتلاله، وقيام ثورة العشرين، وقيام الدولة الملكية العراقية، وما رافقها من حركات وأحداث، والتي أثرت على جميع فئات الشعب العراقي، ولا سيما الشعراء والأدباء، فضلًا عن المهتمين بالشأن العراقي وهموم الشعب، بما في ذلك المثقفين والسياسيين.

واتسمت الأحداث السياسية الكثيرة والمتعاقبة بحضور قوي في الساحة الأدبية، فقد ضم المثقفون صوتهم تارة إلى صوت المعارضة وإلى صوت أصحاب السلطة تارة أخرى، وكان دورهم مميزًا، لا سيما في مهاجمة السياسة.

والاحتلال، في حين عارضوا الحكومات العراقية المتعاقبة، متمسكين بالشعور الوطني ومتأثرين بمبادئ الإصلاح والحقوق الوطنية.

وتميزت هذه المرحلة بتقلبات الأحداث السياسية والاجتماعية، حتى إن المواطن العراقي، وهو ينظر إلى العالم المتغير من حوله، يشعر بخيبة الأمل في الاستقلال وبناء الوطن واللحاق بالحضارة، وهو ما انعكس على أسلوب حياته وطريقة تفكيره.

ولكنه لم يهدأ واستمر في رفع صوته والمطالبة بحقوقه، وفي عصر الدولة العثمانية والولاة العثمانيين نجد الشعور الحقيقي للشاعر الساكن في أعماق روحه، ويظهر أحيانًا وهو يغني عن العرب وأمجادهم وقادتهم، ويتحدث عن فتوحاتهم في العالم، ويتحدث عن مفاخرهم.

ثم نرى الشاعر يندم بشدة على أن شعره كتب بين العجم ومن لا يفعل ذلك، لا يعرف العربية، ويصف لنا ما أصبح عليه حال العرب عن التخلف والانحطاط، وكيف حكموا بعد أن كانوا حكامًا. وتم قمع هذه الومضات احترامًا للدولة العثمانية المسلمة، فكبت الشعراء مشاعرهم الوطنية وميولهم الوطنية في كثير من الأحيان، لكن سوء المعاملة أجبر بعضهم على الشكوى.

يقول محمد الغلامي

يا ليتنا متنا قبيل الأذى   ***   وقبل هذا الذل والمسكنة

وفي هذا البيت يصف الشاعر فداحة ما يحدث وحجمه وأثره في نفوس الأحرار والأدباء، فهو يتمنى الموت بدلاً من أن يرى هذا الذل والخضوع والفقر، وامتد إلى شعراء آخرين، شعراء امتلأت نفوسهم بهذه الرغبات -الوطنية في ظل الدولة العثمانية- من أمثال: عبد الغفار الأخرس، عبد الحميد الشاوي، عبد الغني الجميل، عبد الباقي العامري، جواد الشبيبي، القزويني وآخرون.

قال الشاعر عبد الغفار الأخرس

أسفا على أيام عز تنقضي     ***    كدراً وتذهب بالمنى تأميلاً

وبنات أفكار لنا عربية         ***    لا يرتضين سوى الكرام بعولاً

لا تعذليني يا أميم على النوى  ***   فلقد عزمت عن العراق رحيلاً

ما بين قومك من إذا أملته      ***    ألفيت ثمة نائلا ومنيلاً

لقد خلق سقوط الدولة العثمانية وانسحابها من العراق فراغًا كبيرًا، سعى البريطانيون إلى ملئه بدعوى أنهم سيحققون للشعب العراقي ما يصبو إليه، وهو إقامة دولة مستقلة تتمتع بخيراتها وازدهارها.

وأعلنوا لدى وصولهم أنهم لم يأتوا محتلين بل محررين، حسب ما قاله الجنرال مود: «دخلنا العراق محررين وليس فاتحين».

وأصدر القائد الأعلى بيانًا بعنوان: «إنجلترا محررة العرب»، جاء فيه: باسم جلالة الملك العظيم وباسم شعوبه التي يحكمها، أتوجه إليكم الرسالة التالية: جيوشنا لم تدخل مدنكم.

وأراضيهم مضطهدين أو أعداء بل محررين. وقد صدق بعض العراقيين في البداية الوعود البريطانية وانخدعوا بخططهم للسيطرة على العراق، وجعله دولة تحت الحكم البريطاني وخاضعة للتاج البريطاني.

لكن الأحداث سرعان ما كشفت الوجه الآخر للاحتلال بإحكام سيطرته على البلاد وسيطرته على مقدراته، لا سيما بعد انعقاد مؤتمر سان ريمو الذي «حطم آمال بعض الوطنيين المخلصين في العراق تجاه بريطانيا».

«بحسن نية لإنشاء دول عربية مستقلة في الشرق الأوسط»، اتخذ القرار في مؤتمر سان ريمو عام 1920م، الذي نص على تقسيم العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بين إنجلترا وفرنسا، وكشف المستعمرون "إنكار الوعود التي قطعوها للشعب العربي ولقادة الحركة القومية العربية في مناسبات عدة.

ونتيجة لذلك، حظيت الشعارات الداعية إلى تعميق النضال ضد الوجود البريطاني بدعم متزايد بين مختلف الفئات الوطنية في العراق». 

ونتيجة لذلك، انتقل العراقيون، بقيادة الشعراء والكتاب والمثقفين الوطنيين، إلى مرحلة جديدة من الصراع والمواجهة. وأصبح الوجود البريطاني حضورًا غير شرعي وغير مرغوب فيه في هذه الأوساط.

إن انتشار الروح الوطنية والوعي الوطني بين قوى الشعب، وتحديدها للوعود الكاذبة أدى إلى بلورة العمل المنظم ضد قوات الاحتلال، إضافة إلى ذلك ما أدى إلى ظهور مجموعة كبيرة من الشعراء الوطنيين الذين تغنوا بحب الوطن، ودافعوا عنه وأعلوا قيمته في نفوس الشعب. وكان لهم الأثر الكبير في توجيه جماهير المواطنين وتشكيل الرأي العام.

نذكر منهم (محمد مهدي البصير، محمد رضا الصافي، محمد الباقر الحلي، ناجي القشطيني، عبد الكريم العلاف، عيسى عبد القادر، أحمد الصافي النجفي، عبد الرزاق) الهاشمي، محمد حبيب العبيدي، مهدي الجواهري، حسن الجواهري، خيري الهنداوي، عبد الرحمن البنا، مصطفى جواد وغيرهم الكثير).

وقد مثلت هذه المرحلة تحديًا كبيرًا للشعراء؛ لأن الحراك السياسي والشعبي كان يجتاح الأوساط العراقية، وكان عليهم متابعة حراك الجماهير، وتوجيهها نحو الأهداف الوطنية المنشودة؛ ولذلك كانوا في طليعة الوعظ.

وتحريض وتوجيه الجماهير، ما ترك أثرًا كبيرًا على الاحتلال والسلطات المتعاقبة، (كانت هذه المدة الصعبة مقدمة للممارسات الميدانية للنخبة المثقفة واختبارًا صعبًا للسلطة).

وقد أثرت هذه الأحداث المتلاحقة وشديدة الخطر تأثيرًا كبيرًا في الظروف الاجتماعية، التي أحدثت تغيرًا في القيم نتيجة المرحلة الانتقالية بعد الاحتلال العثماني، والتي كان لها طابع ديني إسلامي تحكمه ظاهريًّا قواعد الشريعة، ولو بحدود.

بسبب الاحتلال الأجنبي الذي لا يحكم الدين الإسلامي في الحياة السياسية، والذي يرتكز على القيم الغربية التي تتعارض في محتواها مع القيم السائدة، تعرض العراق لصدمات اجتماعية عنيفة ومثقفين أثروا في المحتوى الأدبي والثقافي المألوف، أطاح به واستبدله بمحتوى جديد يتسم بالتحريض السياسي والعاطفي وانتقاد السلطة والمجتمع.

وعندما أعلنت بريطانيا رغبتها في تعيين الأمير فيصل بن الشريف حسين، بعد أن عيِّن ملكًا على سوريا مدة عام ثم غادر سوريا، اختِير فيصل ملكًا على العراق وتوج في 23 أغسطس 1921م. بدأ التدخل في الحكومة.

واجه فيصل وحكومته مشكلات داخلية وخارجية، داخلية تتعلق بالقبائل والأقليات مثل الأكراد والآشوريين والانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، وأخرى خارجية تتعلق بموقف العراق من بريطانيا.

ما ألزمه بالتوقيع معها على معاهدة في 10 أكتوبر 1922. تضمنت أسس الانتداب واشترطت المعاهدة إنشاء جمعية تأسيسية منتخبة لتشريع الدستور وإصداره.

صدر المرسوم الملكي في 19 تشرين الأول 1922م، بتشكيل مجلس تأسيسي للموافقة على إنشاء الوزارات والمؤسسات الحكومية، وكذلك صياغة دستور الملكة، وقانون انتخاب مجلس النواب، والمعاهدات العراقية البريطانية.

إن انتشار المفاهيم الجديدة المتعلقة بالوطنية والقومية وتشكيل الأحزاب وحرية الصحافة وغيرها من المصطلحات السياسية الحديثة، ظهر مع ظهور الدولة العراقية بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية.

وحينئذ بدأ المثقفون والسياسيون والشعراء يرددون هذه المفاهيم وتأسيس صحافة وأحزاب حرة، والمطالبة بالحقوق والمساواة والحرية والحريات المدنية (إقامة الدولة).

وقد أدت العراقية الجديدة إلى تعزيز تأثير المفاهيم الغربية مثل الوطنية والقومية والحق في الحرية. وقد أدى تقرير المصير الوطني وإدخال المؤسسات على النمط الأوروبي -مثل الأحزاب والمجالس المنتخبة والصحافة السياسية- إلى ظهور جيل أكثر وعيًا سياسيًّا، على الرغم من أننا لا نغفل مفهوم الوطن في الماضي.

وانشد الشعراء الشعر للوطن وهم يشتاقون إليه في قصائدهم عند السفر ويدافعون عنه أيضًا عند الضرورة. وكثيراً ما وقف الشعراء عند الآثار واستذكروا أيام شبابهم.

ويعتبر امرؤ القيس أول من وقف عند الآثار:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ   *** بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

الوطن كما عرفه ابن منظور في لسان العرب: «هو البيت الذي يمثل وطن الإنسان ومكانه، والوطن: البيت الذي تسكنه». خففه روبة في قوله:

أوطنت وطنا لم يكن من وطني

لو لم تكن عاملها لم اسكن

بها ولم ارْجُن بها في الرجن

وجعل وطنه: اتخذه وطنا. ويقال: إن فلانًا جعل وطنه في أرض كذا وكذا، أي اتخذها محلاً ومنزلا يقيم فيه.

يقول الجاحظ في رسالته حنين الوطن عن حنين العرب إلى وطنهم عندما سافروا: «وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع».

وتطور مفهوم الوطن في الشعر العربي الحديث نتيجة لانتشار المفاهيم الجديدة، وتكوين الدولة القومية، ورسم حدود البلاد وفق المعايير العالمية، فضلًا عن التحضر والتطور الذي رافقه في البلاد العربية.

وتعمقت بعد خضوع الوطن العربي لسيطرة الاستعمار، لتأثير هذا الاحتلال الكبير على العقل العربي، الذي يكره الذل ويرفض الخضوع لإرادة الآخرين، لا سيما إذا كان غريبًا لا تربطه به أي صلة قرابة له.

اقرأ ايضاً الفرق في الأدب العربي بين الماضي و الحاضر.. معلومات لا تفوتك

قصيدة "الوطن العزيز" للشاعر محمد أبو المحاسن

وفي قصيدة (الوطن العزيز) للشاعر محمد حسن أبو المحاسن يخاطب الوطن مفاخرًا بتاريخه ومجده:

يا أيها الوطن العزيز لك الهنا  ***  قد نلت أشرف بغية ومراد

سيعيد تاريخ العلا لك نفسه     ***  ويعود مد رجالك الأمجاد

يا ناطقا بالضاد ما لفضيلة      ***  معنى يتم لغير أهل الضاد

والعلم من ثمرات غرسهم الذي *** عم الورى بفواضل وأيادي

وعلى مبادينا الحضارة أسست *** أيام ليست غيرهن مبادي

من عنصر الدين الحنيف إذا انتموا للدين كانوا أشرف الأولاد:

عرب تحن إلى الفخار سيوفها  *** وتصد أعراضاً عن الأغماد

فكأنها فوق المغافر لقنت        ***  منهم فصاحتهم على الأعواد

وفي هذا النص نرى توظيف الشاعر لتاريخ الوطن في الحركة السياسية، وهو ما يعكس الوعي الكامل، ومحاولة جادة لحركة شعرية تعتمد على الحوار في هذا النص. الماضي ومحاولة إحيائه لتكييفه مع تطلعات الشعب في إعادة تشكيل هويته بعد محاولة الاحتلال. شوهها العهد العثماني، فيما أعاد التوازن داخل المجتمع العراقي في رحلة استمرت عقودًا وممتلئة بالأحداث التي لا تنسى.

ما أدى إلى صراعات وتضحيات أدت إلى تبلور الوعي الوطني لدى الشعب عن أهمية الاستقلال عن سلطات الاحتلال.

ولا شك أن سعي الشاعر إلى إثارة الروح الوطنية واستخدام اللغة الشعرية الحماسية والمصورة هو سعي مقصود، مدركًا لخطر فقدان الهوية الوطنية وانتزاعها والخضوع لإرادة دول الاحتلال التي حاولت تدميرها بكل الوسائل.

أما الشاعر معروف الرصافي فتوجه إلى المعنى العميق لقصيدته (حب وطني)، موضحًا طبيعة العلاقات والأخوة بين أبناء الوطن. ورغم أنهم أعداء؛ فإنهم شركاء في الوطن، يعيشون فيه إلى جانب الشاعر؛ لأن العدو الأول هو الاحتلال الغاصب للأرض التي تتحكم في المصير.

وهي قصيدة تمثل فلسفة نظرية للشاعر العراقي، انطلاقًا من استعداده للتضحية بروحه، وأن جميع العراقيين، حتى لو آذاه بعضهم، هم أهله ومواطنوه، متسامحون في شرهم فيه:

أشربت حب بلاد ما نشأت بها   ***  إلا لأدفع عنها كل عدوان

يا موطناً لست منه في موادعة  ***  عش بعد موتي عيش الوداع الهاني

فكل من فيك تغنيني سعادتهم     ***  وكل أبنائك الأعداء إخواني

ما ضرني إن كل الناس تحقرني ***  إن كنت أنت جليل القدر والشأن

إني وإن لم أوفق في تحرره      ***  بنيت للمجد فيه خير بنيان

يا قوم إني من الدنيا ضحيتكم    ***  فقربوا من حياتي كل قربان

لا تحسبوني منكم جازعاً ضجراً ***  وإن يكن شظفي في العيش أضواني

إني ألفت على الأيام مخصمتي  ***  فالنعم والبؤس عندي اليوم سيان

وبالحديث عن تحولات النماذج وتشكيلاتها نرى الشاعر يحاول تقديم رؤيته لسياق العلاقة الإنسانية القائمة بين الإنسان والإنسان داخل الوطن وبين الإنسان ووطنه، كما قدم السياق الشعري.

ويشرح النص مفهوم المواطنة الذي ينبثق من خلق الروابط بين أفراد الشعب وتعميق هذه الروابط، فضلًا عن رفض النماذج المختلفة التي تعمل على تفكيك وتدمير تلك العلاقات كالفقر والحرمان وعدم التقدير، التي يمكن أن تدفع الشاعر إلى رفض العيش في وطنه أو الانتماء إليه.

لكن الشاعر يرفض هذا النموذج ويقدم لنا نموذج التضحية والفداء والتضحية، والرغبة القوية في المشاركة في تحرير هذا الوطن، واستعادة الحرية له ولشعبه، حتى لو كلف ذلك حياتهم.

ويقول لشعبه (المواطنين) إنه سيضحي من أجلهم ومن أجل الوطن، وأنه لن يفزع من الفقر والحرمان والتهميش الذي حصل له في هذا البلد؛ لأنه اعتاد على هذه الحياة.

وفي قصيدة (أخلافة تحت الوصاية) يستنكر الشاعر محمد حبيب العبيدي التناقضات التي تجري في أروقة الحكم، التي تمزج بين حكومة تدعي أنها وطنية وقوات احتلال ومستشارين يديرون شؤون البلاد:

أخلافة تحت الوصاية   *** ما هذه إلا نكاية

ما بين صهيون ولندن *** عرشها وبه الكفاية

رفقاً بدين محمد        *** أجناية تتلو جناية

لعبت بنا الأيدي الأثيمة في البداءة والنهاية

لا تستروها بالهدى    ***  شف الستار عن الغوايه

مذ أصبح استقلالنا    *** صك انتداب أو وصاية

ثم استحال إلى معاهدة تقوم على الدعاية

من كان أعمى قبلها   ***  فاليوم ابصر عن هداية

ويظهر التحليل الثقافي لبنية هذه الأبيات أن متلقيها هو ثقافة الشاعر، المدرك للأسس التي يقوم عليها الاحتلال الإنجليزي في علاقاته مع أفراد الشعب.

وشعور الشاعر بأن الاحتلال سلبه حريته وقيده وفق معاهدات سياسية بالضرورة تخضعه لهذا النظام وتحدد طبيعة نضاله.

وفي ظل هذه الأحداث المتسارعة وظهور السياسة الحديثة والمفاهيم السياسية المتناقضة أحيانا، يجد الشاعر نظامه الخاص وسط هذه المفاهيم التي تريد السلطة إلغاءها وتذويبها في النظام الجمعي.

ومن أجل الخضوع بسهولة للوجود المهيمن، يبدأ الشاعر بالتمرد على هذا النظام وعلى هذه الجماعة، بخلق نظام فكري وثقافي معارض ومحفز في الوقت نفسه.

وهذا السلوك المتمرد هو الذي جعله في بعض الأحيان قادرًا على كسر النظام الجماعي. ولهذا نرى أن لقصائد الشعراء أثرًا كبيرًا في تنبيه الجماهير إلى حجم المؤامرات أو المشروعات السياسية الاستعمارية، أو مخططات السلطات المتعاونة معها. 

وفي قصيدة (لبيك أيها الوطن) للشاعر محمد مهدي البصير نجد خطابًا حماسيًا ممتلئًا بالرغبة في التضحية من أجل رفعة قيمة الوطن:

إن ضاق يا وطني علي فضاكا  ***  فلتتسع بي للأمام خطاكا

أجرى ثراك دمي فإن أنا خنته  ***  فلينبذني إن ثويت ثراكا

فليتحد جسدي بتربك باليا       ***  ولتقترن ذكراي في ذكراكا

كذبتك أقطاب السياسة عهدها  ***  فلتضمنن لك الحياة ضباكا

لو أنصفوك وفوا بعهدك أنهم  ***  ربحوا قضيتهم بظل لواكا

أفيطلبون لك الوصاية ضلة    ***  ما كان أقصرهم وما أحجاكا

كم لوثتك يد السياسة علة      ***  فاشرب دمي واظن فيه شفاكا

ماذا علي وما خسرت مكانة  ***  إني أموت لكي أصون حماكا

وتتضح حالة التعارض بين الشاعر والسلطة في هذا النص؛ لأن الشاعر واجه تحولات القيم الاجتماعية والسياسية، ورافقت هذه التحولات والسلطات المتعاقبة التي حكمت العراق، واتسمت هذه المواجهة بالحضور الحقيقي للسلطة.

ويمكن القول إن نظام السلطة يمثل في هذا النص حالة من التعارض مع الشاعر من جهة، ومع نماذج قيمه من جهة أخرى، في حين يبحث الشاعر عن نموذج الاستقلال والتحرر والوفاء من أعباء الوطن الذي حرم من حقوقه ودفع إلى أن يكون تحت الوصاية الأجنبية.

ولهذا نرى الشاعر يعتني بوصف الوطن في أبياته إلى حد التماهي معه والاندماج فيه، ليظهر نموذج الانحراف عن السلطة الذي يعيش في الوطن ولا يريد التضحية من أجله، بل يلقي به في أتون الاتفاقيات والمعاهدات التي تسرقه. بإرادته وموارده. ولذلك فإن نمط التضحية يتناسب مع نمط الخيانة، لأنه يضحي الوطنيون ويتآمر السياسيون غير الوطنيين.

اقرأ ايضاً تحليل قصيدة"أحب الغناء وشرب الطلاء"للشاعر الوليد بن يزيد

 قصيدة "سئمنا الوعود" للشاعر محمد الهاشمي

وبالإنتقال إلى قصيدة (سئمنا الوعود) للشاعر محمد الهاشمي البغدادي، الذي يحث بها أثناء الشعب على التحرك الجاد، والسعي للحاق بالشعوب الناهضة والأمم المتقدمة لبلوغ المجد والعلا، ومقاومة كل من يريد للعراق التخلف والتراجع:

سائلوا النار عنهم والحديدا     ***    كيف يرمون بالجنود الجنودا

مستميتين في مجال المنايا     ***    وعلى النصر رافعين البنودا

ليت شعري أهل البلاد أحراراً ***    خلقتم أم خلقتم عبيداً

فلماذا حقوقكم ضائعات         ***    وإلى كم تستأثرون الخمودا

سبقتكم إلى المعالي شعوب     ***  واطلتم تمهلا وقعودا

وطن هذه البلاد أم الأقوام ماتوا فيها فصاروا لحودا

قد سئمنا الوعود وهي خداع   ***   ومللنا الإيعاد والتهديدا

وانجلى الشك وانتهى كل سر  ***   كان بالغش بابه مسدودا

أين تلك الأموال ما بلغوها    ***    يوم شددوا حبلا بها ممدودا

إن هيمنة فكرة الوطن في لغة الشاعر هي تعبير واضح عن نموذج ثقافي يؤطر هذا التشكيل الجديد، نتيجة انهيار الدولة العثمانية ونشوء العراق بهذا التشكيل المستقل عن العثمانيين.

ولكن وفق الوضع الجديد مع القوات الأجنبية. تحاول هذه القوى في البداية أن توحي للشعب والشاعر من أين أتوا، من أجل إنقاذهم ومساعدتهم على تأسيس هذا التشكيل الجديد (الدولة العراقية الحديثة)، لكن الشاعر يرى أن هذه الرؤية تتناقض مع المخطط الجماعي إلى حد ما مما يطمئنهم هؤلاء.

ويبدأ بالتعبير عن رفضه لهذا الوجود (الاحتلال) والبحث عن وجود وطني حقيقي، نابع من واقع المجتمع ورؤية وطنية قادرة على إقامة دولة عراقية مستقلة، يقودها أبناؤها الذين ضحوا بدماءهم من أجلها.

اقرأ ايضاً العصر الأموي وفن النقائض في الشعر الجاهلي

قصيدة "عصر الظلم والظلام" للشاعر محمد اليعقوبي

وفي قصيدته (عصر الظلم والظلام) نلاحظ الشاعر محمد علي اليعقوبي يحث الناس على التشكيك في حقوقهم، ويدفعهم إلى إقناع أنفسهم بضرورة المواجهة وفق نظام جماعي يتمسك به الشاعر.

تتميز بالتضحية والانتماء للأمة وإنكار نظام الفرد، وتصوير الأمة وهي تمر بتهديد وجودي بسبب كثرة الصراعات والمواجهات والأطماع:

متى يفيق الشعب من رقاده  ***   ويسترد المجد باتحاده

فيعتق الحر من استرقاقه    ***   ويطلق المأسور من أصفاده

إلام ينقاد كما شاء العدى    ***   سلسلا على صعوبة انقياده

قد  أصبحت أعياده مآتم     ***   ما أشوق الشعب إلى أعياده

لا العذب من دجلته عذباً ولا ***  فراته يروي صدى وراده

إن قراءة هذا النص وفق ما يتضمنه من مراجع ومعاني مهمة توضح موقف الشاعر من مسألة العلاقة بين الشاعر ووطنه، وأن هذه العلاقة تنبع من عمق شعور الشاعر بوجوده في عالم ضعيف.

الوطن المنشود مقيد بالقيود، حتى يتحد الجميع بصيغة جماعية لمواجهة الظروف القاسية التي يمر بها العراق، وهذه العلامات الرمزية (الصحوة، النوم، المجد، الاتحاد، التحرر، الحرية، العبودية، الخضوع، الجنائز، الأعياد، النمر، التعذيب،...)، فهي بمظاهرها الموضوعية قوة دافعة للصراع السياسي، تكشف عمق هذا الصراع الذي يريد الشاعر أن يكون فيه الشعب هو الأقوى.

ولا يمكن فهمه على أنه صراع هامشي وسطحي؛ لأن الإرادة الشاعر هنا لا يريد أن يعبر عن براعته الشعرية في نظم القصيدة بقدر ما يحاول، ويعرضه لخطر الاعتقال، أو الملاحقة من قبل الاحتلال أو السلطات للكشف عن حقيقة المشروعات والمؤامرات الجارية التي تضر الوطن والشعب.

وهكذا نرى أن الشعر الوطني، المرتبط بالأحداث السياسية، مثَّ في ذلك الوقت دافعًا مهمًا للنهوض في مواجهة ما تعرض له العراق زمن الدولة العثمانية، والتي تلاها حتى استقلاله.

ولم يتردد الشعراء في أداء واجبهم الوطني بسبب مشاعرهم الصادقة وتفاعلهم الحي مع الأزمات الكبرى، التي حدثت على مر العقود (لاحظ نقاد الأدب أن بعض الكتاب ولدوا من رحم الثورات والأزمات، وأن أعظم الأدباء يتشكل الإنتاج بعد اضطرابات سياسية واجتماعية؛ لأنهم يشعرون بالمتاعب قبل غيرهم ويعانون أكثر من غيرهم، وهم الذين يعبرون عنها تارة باللغة وتارة بالقلم، وتارة أخرى للتخفيف عن النفوس الضائعة والصدور المحرجة).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة