جلد الذات في مذكرات من العالم السفلي لفيودور دوستويفسكي

ثمة شخصيات أدبية نقرأها فنشعر أننا نعرفها، وشخصيات أخرى نقرأها فنشعر، على نحو أكثر إزعاجًا، أنها تعرفنا. وربما كان «رجل العالم السفلي» عند فيودور دوستويفسكي واحدًا من أخطر هؤلاء. فهو لا يدخل علينا بطلًا ولا ضحية بالمعنى المألوف، ولا حتى شريرًا يمكن أن نطمئن إلى إدانته، بل يدخل علينا وهو يحمل شيئًا أشد تعقيدًا: وعيًا لا يرحم بنفسه؛ رجل يفكر في نفسه أكثر مما ينبغي، ويراقب أفعاله قبل أن يفعلها وبعد أن يفعلها، ثم يعود فيراقب مراقبته لنفسه، حتى تصبح النفس سجنًا لا نافذة له.

في «مذكرات من العالم السفلي»، الصادرة عام 1864، لا يقدم دوستويفسكي لنا حكاية رجل يعاني من جلد الذات بقدر ما يقدم تشريحًا للكيفية التي يمكن أن يتحول بها جلد الذات إلى هوية. فالإنسان هنا لا يقول: «لقد أخطأت»، بل يقول شيئًا أكثر قسوة: «أنا الخطأ نفسه». وهنا تبدأ المأساة.

حين يصبح الوعي عقوبة

رجل العالم السفلي موظف سابق يعيش منعزلًا في بطرسبورغ، وقد انسحب من الحياة إلى ما يسميه «العالم السفلي». والنزول إلى هذا العالم ليس مجرد انتقال مكاني؛ إنه انتقال من الحياة إلى التفكير فيها، فهو لا يعيش الأحداث بقدر ما يعيد محاكمتها. كل إهانة قديمة تصبح ملفًا مفتوحًا، وكل نظرة من الآخرين يمكن أن تكون حكمًا، وكل موقف اجتماعي يتحول إلى معركة بين صورة يريد أن يظهر بها وصورة يخشى أن يكونها بالفعل. ولهذا فإن المشكلة الأساسية في شخصيته ليست أنه يكره نفسه فقط، وإنما أنه لا يستطيع أن يتوقف عن النظر إلى نفسه.

الوعي، الذي يفترض أن يكون أداة لفهم الذات، يتحول عنده إلى أداة لتعذيبها؛ إنه يعرف عيوبه، لكنه لا يعرف كيف يغفرها. يعرف دوافعه، لكنه لا يستطيع تجاوزها. يدرك نفاقه، لكنه يستخدم هذا الإدراك أحيانًا ليصبح أكثر قسوة على نفسه وعلى الآخرين. ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر مفارقات دوستويفسكي إثارة: الرجل الذي يحتقر نفسه يحتقر الآخرين أيضًا. فجلد الذات لا يجعله متواضعًا بالضرورة، بل قد يمنحه شعورًا متعاليًا بأنه أكثر وعيًا من الجميع. إنه يقول في أعماقه: أنتم لا تعرفون أنفسكم، أما أنا فأعرف نفسي حتى النهاية، ولذلك أنا أكثر بؤسًا منكم وأكثر صدقًا منكم، وهكذا يصبح الألم نفسه نوعًا من التفوق.

«أنا حشرة».. ثم أنا أفضل منكم

من أكثر الأشياء إثارة في شخصية الرجل السفلي ذلك التذبذب المستمر بين احتقار الذات وتعظيمها، فهو لا يستطيع أن يستقر في صورة واحدة لنفسه. تارة يرى نفسه عديم القيمة، عاجزًا، مهانًا، غير قادر على أن يكون شيئًا، وتارة أخرى يتشبث بفكرة أنه أكثر ذكاءً ووعيًا من البشر الذين يحتقرهم. وهذا التناقض ليس عيبًا في بناء الشخصية، بل هو جوهرها.

لقد لاحظ نقاد دوستويفسكي أن الرجل السفلي يتحرك باستمرار بين الإحساس بالدونية والرغبة في التفوق، وبين الانسحاب من الآخرين والرغبة المرضية في أن يعترف الآخرون بوجوده. ولعل هذا هو أحد أكثر أشكال جلد الذات خطورة: أن يتحول الإنسان من شخص يقول «أنا لا أساوي شيئًا» إلى شخص يقول «أنا لا أساوي شيئًا لأنني أكثر وعيًا منكم جميعًا».

في الحالتين، يظل الأنا في مركز العالم، وهذا ما يجعل الرجل السفلي ليس شخصية متواضعة، وإنما شخصية مأساوية. فهو يريد أن يُرى، لكنه يخاف من أن يُرى كما هو. يريد الحب، لكنه يشك في الحب عندما يأتيه. يريد القرب، لكنه حين يقترب شخص منه يبدأ في البحث عن الطريقة التي يمكن أن يجرحه بها أو يهرب منه. يريد أن يكون محبوبًا، لكنه لا يثق بأنه يستحق الحب. وهكذا يصبح الإنسان الذي يشتاق إلى الخلاص أكثر الناس قدرة على تخريب اللحظة التي يمكن أن تمنحه إياه.

الأديب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي

ليزا: حين اقتربت منه الحياة

تظهر ليزا في الجزء الثاني من الرواية، وكأنها فرصة صغيرة أتاحها دوستويفسكي للرجل كي يخرج من حفرة نفسه. هي امرأة شابة تعمل في بيت دعارة، ويلتقي بها الرجل السفلي هناك، لكنه لا يراها مجرد امرأة، بل يحمّلها كل أحلامه الأخلاقية والعاطفية دفعة واحدة. يلقي عليها خطابًا عن الكرامة والحياة والمستقبل، ويبدو للحظة وكأنه قادر على إنقاذ إنسان آخر. لكن المشكلة أن الرجل السفلي لا يعرف كيف يحب دون أن يحول الحب إلى اختبار لذاته.

ليزا تقترب منه، وهنا يبدأ خوفه. فما دام الحب فكرة، يستطيع أن يتحدث عنه، وما دام الإنسان بعيدًا، يستطيع أن يتخيله. أما حين يصبح الحب حقيقة تقف أمام بابه، فإن المسألة تختلف؛ فليزا لا تعود فكرة فلسفية، بل تصبح إنسانة تستطيع أن تراه، وهذا بالضبط ما لا يحتمله. حين تأتي ليزا إلى منزله، يجد نفسه أمام صورته الحقيقية: لا أمام الرجل العميق الذي تخيله، ولا أمام المخلص النبيل الذي رسمه في خطابه لها، بل أمام رجل مرتبك، غاضب، مهان، يشعر بالدونية ويبحث عن أي فرصة لاستعادة السيطرة.

ولهذا يتحول اقتراب ليزا منه إلى تهديد؛ إنها لا تهينه، بل مجرد وجودها بالقرب منه يكشف له مقدار إهانته لنفسه. وهنا تقع المأساة: بدلًا من أن يقبل الحب الذي جاء إليه، يبدأ في الانتقام من الشخص الذي جعله يرى حاجته إلى الحب.

لماذا يؤذي الإنسان من يكشف ضعفه؟

هذه واحدة من الأسئلة التي جعلت دوستويفسكي سابقًا لعصره. فالرجل السفلي لا يؤذي ليزا لأنها عدوته، بل لأنه عاجز عن تحمل صورته أمامها. وهذه آلية نفسية شديدة القسوة: حين يشعر الإنسان بالخجل من ضعفه، قد يبحث عن شخص آخر يضعفه هو، حتى يستعيد إحساسه بالقوة، ولهذا يصبح الآخر ضحية لجرح لم يصنعه.

في العلاقة مع ليزا، يتحول الرجل السفلي من إنسان يريد أن يُحب إلى إنسان يريد أن يثبت أنه قادر على التحكم. وعندما ينجح في إهانتها، لا يشعر بالانتصار الحقيقي، بل يعود إلى احتقار نفسه. وهنا تكتمل الدائرة: 

أشعر أنني ضعيف ← أؤذي شخصًا لأشعر بالقوة ← أشعر بالعار لأنني آذيت شخصًا ← أكره نفسي ← أبحث عن طريقة جديدة لاستعادة السيطرة ← أؤذي من جديد. 

ليست هذه دائرة الشر فقط، إنها دائرة جلد الذات.

وقد رأى بعض دارسي الرواية أن معاناة الرجل السفلي لا تؤدي إلى التطهر أو الخلاص، بل تتحول إلى غاية في ذاتها؛ فهو يتألم لكي ينفي نفسه، لا لكي يعيد بناءها. وهنا يكمن الفرق بين الندم وجلد الذات: الندم يقول: لقد فعلت شيئًا سيئًا، ويمكنني أن أفعل شيئًا مختلفًا، أما جلد الذات فيقول: لأنني فعلت شيئًا سيئًا، فأنا شخص سيئ، ولذلك لا جدوى من التغيير. الأول يفتح باب المستقبل، والثاني يغلقه.

العيش في الماضي كعقوبة

أكثر ما يثير الدهشة في الرجل السفلي أنه لا يحتاج إلى سجن خارجي، فقد بنى سجنه من الذكريات. الإهانة التي حدثت منذ سنوات لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تستمر داخله؛ يعيدها، ويعيد تفسيرها، ويتخيل ما كان يمكن أن يقوله، وكيف كان يمكن أن ينتصر، وكيف كان ينبغي للآخر أن ينظر إليه. إنه يعيش في الماضي لا لكي يفهمه، وإنما لكي يعاقب نفسه به.

وهذا هو معنى «العالم السفلي» الحقيقي: إنه ليس مكانًا تحت الأرض بقدر ما هو مكان داخل النفس، حيث يعيش الإنسان بين ما حدث فعلًا وما كان يتمنى لو حدث، وبين صورته عن نفسه وصورة الآخرين عنه.

واللافت أن دوستويفسكي لا يمنحنا راحة الحكم على شخصيته. فالرجل السفلي سيئ في مواضع كثيرة: مؤذٍ، أناني، حقود، ومتلاعب. لكن دوستويفسكي لا يسمح لنا بأن نقول: «إنه شرير، وانتهى الأمر»؛ لأنه يعرف أن الإنسان أكثر تعقيدًا من أسوأ أفعاله. وربما كان هذا أحد أسباب خلود الشخصية.

دوستويفسكي والطريق إلى الإنسان الحديث

إذا قرأنا «مذكرات من العالم السفلي» اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف على كتابتها، سنكتشف أن الرجل السفلي لم يختفِ، فقد خرج من قبو بطرسبورغ ودخل إلى غرف كثيرة في العالم الحديث: في الإنسان الذي يعيد قراءة رسالة أرسلها قبل خمس سنوات ليتساءل لماذا كتب هذه الكلمة بدل تلك، وفي الذي يتذكر إهانة قديمة في منتصف الليل وكأنها حدثت بالأمس، وفي الذي يفشل في علاقة، ثم يقضي شهورًا في تحليل كل كلمة ونظرة وصمت، وفي الذي يقول: «أنا أكره نفسي»، ثم يغضب عندما لا يوافقه الآخرون على أنه شخص مميز، وفي الإنسان الذي يريد أن يُحَب، لكنه لا يستطيع أن يصدق أن أحدًا يمكن أن يحبه حقًا.

لقد وصف دوستويفسكي، قبل ظهور علم النفس الحديث بصورته المعاصرة، إنسانًا يمكن أن يتحول وعيه إلى آلة مراقبة لا تتوقف. ولذلك فإن الرجل السفلي يبدو لنا اليوم مألوفًا أكثر مما كان يبدو لقارئ القرن التاسع عشر. فالعصر الحديث لم يحرر الإنسان تمامًا من ذاته؛ ربما جعله أكثر انشغالًا بها، فقد أصبح لدينا ألف مرآة بدل مرآة واحدة، وصار الإنسان قادرًا على مشاهدة نفسه في كل لحظة: صورته، كلامه، علاقاته، نجاحاته، إخفاقاته، وكيف يراه الآخرون. لكن كثرة النظر إلى النفس لا تعني بالضرورة معرفتها، بل أحيانًا تعني فقط أن الإنسان صار أكثر قدرة على تعذيبها.

هل كان دوستويفسكي يكره الرجل السفلي؟

ربما العكس تمامًا. فالكاتب الذي يكره شخصيته يمنحها حكمًا نهائيًا، أما دوستويفسكي فيمنح الرجل السفلي شيئًا أكثر قسوة ورحمة في الوقت نفسه: القدرة على الكلام. يجعله يعترف، ويتناقض، ويكذب، ويفضح نفسه، ثم يفضح القارئ معه. 

وفي نهاية المذكرات، لا يكتفي الرجل السفلي بالاعتراف بعجزه، بل يقلب المرآة علينا؛ كأنه يقول إنني لم أفعل سوى أن دفعت بعض ما تفعلونه أنتم إلى أقصى حدوده. وهذا جزء أساسي من استراتيجية دوستويفسكي: ألَّا يسمح لنا بأن نضع الشخصية في قفص «المريض المختلف عنا»، لأن عزلها تمامًا يجعلنا نشعر بالأمان.

وهنا تتحول الرواية من دراسة لشخص واحد إلى سؤال عن الإنسان: كم مرة جلدنا أنفسنا لأننا لم نكن كما أردنا أن نكون؟ كم مرة عاقبنا أنفسنا على خطأ قديم بدل أن نتعلم منه؟ كم مرة رفضنا يدًا امتدت إلينا لأننا كنا نخشى أن ترى ما نحاول إخفاءه؟ وكم مرة، في لحظة شعور بالدونية، آذينا شخصًا آخر فقط كي لا نشعر بأننا الأضعف؟ ربما لهذا السبب لا تزال «مذكرات من العالم السفلي» حية؛ إنها ليست رواية عن رجل يعيش تحت الأرض، بل إنها رواية عن الإنسان حين ينزل إلى نفسه أكثر مما ينبغي.

بين جلد الذات والتوبة

وهنا ربما تكمن أهم فكرة يمكن أن نخرج بها من دوستويفسكي: ليس كل اعتراف بالذنب فضيلة، فأحيانًا يكون الاعتراف شكلًا آخر من أشكال النرجسية. أن أقضي حياتي أقول «أنا سيئ» قد يبدو تواضعًا، لكنه قد يكون في جوهره انشغالًا هائلًا بالذات. ففي الحالتين، سواء قلت «أنا أعظم إنسان» أو «أنا أسوأ إنسان»، تظل كلمة «أنا» هي مركز الكون.

الخلاص الحقيقي، إن كان موجودًا في عالم دوستويفسكي، لا يأتي من إذلال النفس، وإنما من الخروج منها نحو الآخر. فالرجل السفلي لا يستطيع فعل ذلك؛ إنه يعرف نفسه، لكنه لا يستطيع أن يتجاوزها. يعرف خطأه، لكنه لا يستطيع تحويل المعرفة إلى فعل. يعرف أنه يريد الحب، لكنه لا يستطيع أن يحتمل مسؤولية أن يكون محبوبًا، ولهذا يبقى في عالمه السفلي. وربما كانت هذه هي العقوبة الأشد: ألَّا يمنعك أحد من الخروج، لكنك لا تستطيع أن تفتح الباب لأنك أقنعت نفسك بأنك لا تستحق العالم الذي يقع خلفه.

وهكذا يتركنا دوستويفسكي أمام سؤال لا يزال صالحًا بعد كل هذه السنوات: هل نحن نعاقب أنفسنا لأننا نكره ما فعلناه، أم لأننا لا نعرف كيف نحب الإنسان الذي أخطأ؟ ربما يكون الفرق بين الاثنين هو الفرق كله بين الندم واليأس، وبين أن يسكن الإنسان تحت الأرض… وأن يخرج منها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة