جزء من رواية "هبات ساخنة".. روايات عربية للكاتبة سعاد سليمان

- لا عليك يا سلمى، للسّنّ أحكامه..

- أستغرب منكُنَّ، وأشمئزُّ، بل ربما أكرهُكنّ، أنا الّتي لم تعرف الكراهية، أنا الّتي أودعني الله خزائن الرّحمة والشّفقة على أعدائي قبل أصدقائي.

أتمنّى أن ألعنهنّ من كلّ قلبي، لكنّ عقلي توقّف، يستقبل ذلك الصّهد السّاخن الّذي يخرج من أذني.

تنغلق رئتاي كأنّني أُخرج آخر أنفاسي، أطلق زفيراً متلاحقاً، أصْلَى سعيراً، عروق رقبتي تنفر، يكفهرّ وجهي احمراراً، تنوء قدماي بحَملي، أريد أن أنام، أجلس، أتبوّل، أبرّد وجهي في الوقت ذاته، أضم ساقيَّ بعنفٍ حتّى لا يتسرّب بولي، قطرات خفيّة بلّلت ملابسي الدّاخلية، أخشى أن تنهمر وتفضحني.

دقيقة على الأكثر، دقيقتان، بعدها أستردّ روحي المعلّقة حولي، ينضح جسدي عرقاً غزيراً، يغرق شعري، وجهي، ظهر يديَّ، ركبتيّ، سلسلة ظهري، بعدها أرتجف برداً ينخر عظمي.

مهما ارتديت من ملابس ثقيلة تظلّ درجة حرارة جسمي منخفضة، ثمّ ترتفع حدّ الغليان، هكذا مئات المرّات في اليوم الواحد، صنع جسدي مناخه الخاصّ، فليس له أيّ علاقة بالطّقس الخارجيّ.

قرفت من نظرات الشّفقة، تعبت من الشّرح والتّوضيح، نعم أنا امرأة كسرت حاجز الأربعين بسبع سنوات، انقطعت دورتي الشّهريّة، أعيش مأساة سِنِّ اليأس، لا تغضبن أيّتها الصّديقات، أو اغضبن، لا يهمّ، لن أُجَمِّلَه، لن أردّد تلك المقولات السّاذجة الّتي تدّعي أنّ لكلّ سنٍّ جماله.

ما الجمال في أن يتساقط شعري، تسكن الهشاشة عظامي، تمرح الخشونة بمفاصلي، ما الممتع في سنٍّ أتحوّل فيه إلى ربع امرأة بصدر لا تسطيع أية حاملة صدر أن تزيف مستوى تهدّله.

تجاعيد استطاب لها المقام في وجهي، عصبيّة وبكاء لأتفه الأسباب، يخاصمني النّوم، يصادقني القلق، أزعجكنّ أكثر؛ تروادني أفكار انتحاريّة، بل ضبطتُني في طريقي لإلقاء نفسي من فوق كوبري قصر النّيل، أنا الّتي لا يوقفني شيء عن حبّ الحياة.

بعد كلّ ما واجهت من صعاب ومشاقّ، آلام وأوجاع، أبداً لم أنطق كلمة انتحار، لا في المراهقة، ولا عند طلاقي من الرّجل الّذي ذبت عشقاً فيه، بعدَه لم أعرف حبّاً، لم أذق متعةً، رغم زواجي مرّة قبله وأخرى بَعدَه.

بصماته ما زالت محفورة على كلّ خلايا جسدي، وجدتُني منساقة أبكي، أقف في منتصف الكوبري، بينما أضع يدي فوق السّور، واتتني أصعب هبَّة ساخنة مرَّت علي، جلست أرضاً، أبحث عن أيّ ورقة أبرّد بها وجهي، لم أجد.

احتضنت حقيبتي، رقدت على ظهري، يؤلمني الحصى والزّلط الرّفيع جدّاً، كأنّه سكاكين تنغرس في لحمي بمجرّد مرور الهَبَّة، اعتدلت جالسة وسط استغراب المارّين؛ والماشين والرّاكبين.

بكيت بحرقة، لأوّل مرّة أشكر هبَّتي السّاخنة، أنقذتني من انتحارٍ مؤكذد، لا أعرف حتّى الآن كيف وصلت إلى هذه الحالة؟ كيف اختزن مخّي هذه الرّغبة دون أن يطلعني عليها؟

وهو -أي مخّي- لا يُخفي عنّي شيئاً، كلّ يوم عند خروجي من البيت أطمئنّ على ثلاثة أشياء لا أستغني عنها، المفتاح، والموبايل، ومخّي، أضع يدي على رأسي أتأكّد من وجود مخّي وأنّه بخير، يعمل جيّداً، نتبادل تحيّة خفيَّة، لا يعرفها غيرنا، وأبدأ يومي.

عندما حكيت لصديقتي (سيناء) الخبيرة بحكم التّجربة، أو بالأحرى تجاربها النّفسيّة الّتي مرّت وتمرّ بها عن محاولة الانتحار الّتي ضبطتُني متلبّسةً بها، ضربتْ على صدرها.

يا إلهي، يجب أن تذهبي إلى الطّبيب، أنت محتاجة لمساعدة نفسيّة، لا تتركي روحك يا بنتي، هذه المرّة ربنا تلطّف بك، لكنّنا لا نضمن ذلك..

ادّعيت أنّني أعي ما يحدث داخلي، يبدو أنّني واهمة، صحيح لم تتكرّر محاولة الانتحار، لكنّني أحسّ أنّ عطباً ما حلَّ بي، أشعر به ولا ألمسُه.

هل نحن فعلاً كما تقول أمي، كلّ ما فينا أوجاع، بداية من الخِتان، وآلام الدّورة الشّهرية، وألم أوّل عمليّة جنسيّة، وحمل، وولادة، ورضاعة، وصولاً إلى بؤس انقطاع الدّورة.

جرّبت كلّ المراحل، أؤكّد لكم أنّها المرحلة الأصعب، تسرّب الأستروجين من جسدي، هذا الهرمون اللّعين.

عندما يتخلّى عنّا لا نستطيع تعويضه، بدائله الدّوائيّة تسبّب سرطان الثّدي، وتليّف الرّحم، كي أنقذ نفسي من الأعراض الجانبية المكلِّفة لهرمون مُصنَّع، تحمَّلتُ أن أكتوي بهبَّات ساخنة، تحرقني في كلّ وقت، وفي أيّ مكان، وتحت أيّ ظرف أو وضع.

يلعب الجسد المحروم من حنان الهرمون الغادر ألعاب اليأس الأخيرة، تحت عَرَقٍ وسخونة، يتلوهما صقيع يفتّت جسدي، لا بدّ من شرحٍ وتوضيحٍ للمحيطين، لا بدّ أن أمرِّغ كرامة أنوثتي في طين الاعتراف، بأنّني لم أعد صالحة إلا لاستقبال الشّفقة، بكلمات تحرقني أكثر من سخونة الهبّات.

كدت..

لحظة..

يبدو أنّني أتعرّض لـ (هبَّة جديدة)، على طريقة برامج (التّوك شو)، أعود إليكم بعد هبَّة غبيَّة.

كنت أقول: كدت أموت ضحكاً عندما اتّهمتني صديقتي (نجوان) بأنّني خنتها مع آخر أزواجها، وبأنّني أقمت معه علاقة جنسيّة ملتهبة، بكيت من الظّلم، أقسمت لها بأغلظ الأيمان.
قدّمت عشرات الإثباتات والأدلّة على براءتي، وأنّه لم ولن يحدث، ليس فقط لعدم إعجابي بأيّ من أزواجها وأصدقائها، فأنا لا أخون صديقاتي، لكن أضيف أيضاً سبباً خارجاً عن إرادتي تماماً؛ فلم يعد عندي أيّ رغبة جنسيّة، كأنّني سُرقت بلَيل، تركتني رغبتي، هجرتني، اختُطِفت منّي، كأنّها لم تكن.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة