حياتي، حياتك، حياتنا.. ما هي إلا مجموعةٌ ضخمةٌ من وحدات ثابتة من أحداث صغيرة. والأحداث الصغيرة هي نُسخ مُكررة من الأيام، أو ما نُطلق عليه الروتين. وكُل مجموعة أو وحدة من الأحداث الصغيرة المُكررة تصنع تغيرًا واضحًا في حياتك.
اقرأ ايضاً ملخص رواية "في قلبي أنثى عبرية" لخولة حمدي.. أحداثه واقتباساته
أحداث صغيرة من رواية " عن بعد "
مثل اضطرابات ثابتة لا تُرى في جزيئات ماء النهر، تتراكمُ فوق بعضها لتصنع في النهاية دوامةً مرئيّةً. إذن، الروتين هو شر الأيَّام الذي لابد منه، هو المرار اللازم لصناعة رحيق الحدث الكبير؛ لذا لم تعُد نفوسنا التي أدمنت الأفلام والقصص لها القدرة على تحمُّل الروتين.
فكُلٌّ منا يُقارن حياته بحياة أبطال الأفلام المثيرة المليئة بالأحداث المُتلاحقة، ولكننا نتناسى أن العمل الفنيَّ هو مُجرد مقطع من حياة الأبطال، يُسقط الضوء على الأحداث الكُبرى في حياتهم مُتجاهلًا الروتين المُمل الذي صنعها.
كما يتجاهل العمل الفني اصطراع الأفكار والأمزجة في نفوسنا، إذ يمنعه الوقت من استعراض مواقفنا في كُل مُنعطف صغير، مُركزًا على المُنعطفات الكبيرة.
اقرأ ايضاً ملخص رواية ذات أمس ومعلومات عن الكاتبة صابرين الديب
طريقة الأفلام القصيرة في رواية أحمد فريد
لذا دعني أروي لك قصتي بطريقة الأفلام القصيرة. سأصنع لك مني بطلًا ترغب في عيشته. لن أُحدثك عن الأحداث الصغيرة المُكررة، الوحدات البنائيَّة للحياة.. لا، لن نتحدث عن الروتين. فلن أجازف مُخاطرًا باهتمامك. ولن أقف أراك تبدأ في التثاؤب والتمطؤ، ولا أُحرِّك ساكنًا..
أنا ابن الحاضر، الذي كفر بالماضي وتاريخه، ولا تجمعني علاقةٌ به، إلا صيد ذكراه، والاحتفاظ بها بجُعبتي.
أورثني ذلك سمتًا غريبًا، فيه لا أقدر على الاستمتاع بأيَّة ذكرى، كأنني أخشى استهلاكها، كأن استدعاءها سيخسفُ قيمتها. حالةٌ نفسيّةَ تلك، لم أستطع أبدًا الخروج عنها، مُنذ خطت قدماي في بورصة الذكريات..
كُنتُ أدور الأرض بحثًا عن النفيس الهارب من الذِّكرى، بينما مِنها أهرب في ذات الوقت، وأفرُّ هاربًا وقتما تبدأ جلسات الحنين التي تُقيمها أمي.
حتى إنني تركتُ لوالدي البيت وانتقلتُ للعيش وحيدًا في "المنفى الاختياريِّ" كما تسميه أمي. ألذلك فقط كان الرحيل؟ أم هو أيضًا مُحاولة هروبٍ من السجن التربوي؟
اقرأ ايضاً رواية متاهة مشاعر ملخصها وأهم الأحداث التي تدور حولها
من رواية " عن بعد "
طريقة ظننتُها طموحة وقتئذ لكسر الروتين؟ محاولة لإضفاء روح استقلاليّة وطبيعة مسؤولة عن نفسي التي كانت تمقت الملل أشد مقتًا، والتي صارت الآن - بحكم تعييني بالواسطة موظفًا بنكيًّا - تتنفسه ولا تتصور الحياة دونه؟!
هكذا كُنتُ، عندما يأتي أحدهما على ذِكر أحداثٍ ماضية أو ذكرياتٍ سابقة، كان قلبي ينكمش داخلي كمذئوب رُفع في وجهه الصليب. لا أتحدث ولا أضحك ولا أبكي ولا أتأثر، فقط أُجمِّد على شفتيَّ ابتسامة خاوية المعنى وتتحجر ملامحي في غِلظة مُفتعلة. أنكمش في داخلي كجنينٍ مُتحصن في ظلمات أمِّه ، يرفض المخاض إلى النور. تُقاتل حواسي كي لا أسمع ولا أرى ولا أتخيَّل، كي لا يُفجِّر عقلي ينابيع الذكرى المُغلقة قسرًا.
هكذا تلتبسني شرنقتي السميكة في جلسات استحضار الذكرى تلك وبعدها، في خطواتي لمنزلي عصرًا، وساعتيِّ التقاط الأنفاس فيه، وتحت حمَّام الماء البارد الذي أسكبه على جسدي لينتعش، فلا تزداد روحي إلا ارتجافًا وتشرنُقًا، كمشاعر المسكون في جلسة استحضار جِن.. إلى أن تغرق دُنياي في قاع الجيب الليليّ.
أحمد محمد فريد
مدرس جراحة الأورام - كلية الطب - جامعة المنصورة.
حائز على جائزة دكتور نبيل فاروق في الخيال العلمي موسم 2008 عن رواية "وثنية".
حصل على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة على مستوى جامعات مصر 2010.
قدَّم الأديب دكتور محمد المخزنجي إحدى مجموعاته القصصية.
رُشِّحت أعماله لأكثر من جائزة أدبية.
أعمال الكاتب أحمد فريد
أشباح السايبر - قصص – 2010
رأيت الجنة – قصص – 2011
قيامة – قصص – 2013
اللوح الأخير - رواية - 2014
عن بعد – قصص- 2018
نصف – قصص – 2020
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.