تقدم منصة جوّك أفضل النصوص النثرية وقصائد الشعر، وتعرض في هذا المقال أحد الإبداعات الأدبية الجديدة المتمثلة في مقطع حصري من رواية (تلاوات المحو) للكاتب المصري مصطفى منير.
قد يعجبك أيضًا جزء حصري من رواية "عن بعد ".. للكاتب أحمد فريد
نبذة عن الكاتب مصطفى منير
مصطفى منير، روائي مصري، مواليد القاهرة ٨٩، تخرج في كلية الألسن جامعة عين شمس، ويعمل في مجال الإعلانات.
صدر لمصطفى منير عدَّة أعمال من ضمنها تلاوات المحو عن مركز المحروسة 2020، قيامة الظل 2018، حانة الفوضى 2017، ومؤلفات أخرى.
مقطتفات من رواية تلاوات المحو
السارد الأول
في عُرفِ الحكي، مُنذ البداية المحفوظة، حدَّثنا السَّارد الأول، عن فتنةِ السرد، وعن شهوةِ الفضول، السَّارد الأول كان عليمًا، عرفَ كل الحكايات، حفظَها في لوحٍ فريد، تَمُرُّ الأحداث، تتوالى السِّير، تموت حكايةٌ وتُبَعث أخرى.
والسارد الأول يرى ويسمع، يكتب ويحفظ، إلى أن شعرَ يومًا بفقدان الشَّغف، رمى لوحَ التدوين، ونزل بين الناس، شهدَ التابعَ والمتبوع، الحاكمَ والمحكوم، المُخاطَب والمُخاطِب.
بعد أيامٍ معدوداتٍ، صعد إلى فراغِه العظيم، وخلقَ جيلًا كاملًا من الساردين، يوزِّع بينهم الحكايات، يجلسون جميعًا في غرفةٍ فسيحة، لا يتكلم الرجل إلى أخيه، يقرأ كل ساردٍ حكايتَه المُكلَّف بها.
يضع لمساته في حدود المسموح، يضربُ السقطات بمذبةٍ، مثلما فعلتُ مع حكايتي، فمحوتُ مثلًا كل ما يخص التوقيت، ووسائل التكنولوجيا، وحكيتُ بنفسي أجزاء من الحكاية، وسمحتُ لأبطال الحكاية، في بعض الأجزاء، بالحديث عن ذواتهم، بأصواتهم ومشاعرهم، دون أدنى تدخُّل مني.
فرح السَّارد الأول، لأنني حاولتُ الخروجَ عن المألوف، وجعلتُ حكايتي حكايةً مُلهمة، تستحق السرد بكل ألاعيبه، بعيدًا عن بهرجة وزيف العصر الحديث.
ولأنني الأنثى الوحيدة الساردة بين ملايين الساردين الرجال، حفظتُ حكايتي كاملةً، وجعلتُها مثاليةً، وأنتظر الأمرَ من السَّارد الأول.
وهو ما حدث هذا النهار، حين كلَّفني السَّارد الأول بمهمتي، لم ينطق حرفًا واحدًا، نظر إلى بابِ الغُرفةِ ففُتِحَ فجأةً، رفعتُ لوحي، قلتُ: "أستطيع حكي كل التفاصيل إن شاءت الإرادة السردية!" هزَّ رأسَه نفيًا، وعرَّفني أنه سيتدخل في الحكاية لمَّا يحين دوره، ولا حق لي في الاعتراض أو الجدال.
فباسم السَّارد الأول، نُسمِعُكم تلاواتِ المحو.
قد يعجبك أيضًا رواية أرض زيكولا للكاتب عمرو عبد الحميد.. مفاجآت بدون نهاية
مُحيي ابن طاهرة
كل أهل المدينة صاروا بلا ملامح.
صحوتُ على صراخ أحدِهم، أجهل السببَ وراء نومي في الشارع، تحديدًا في هذه الأيام العصيبة، مشيتُ في الطرقات، أراقب الجنون التام، ومع كل بابٍ يُفتَح، تخرج الصرخة قبل صاحب الدار، ثم يسقط الرجل بلا ملامح.
لم تتمكن الحكومة من فهم ما حدث، رجال الدين قالوا: "طردنا الله من سلطانه!" رجال السياسة لم يتحدثوا، كانوا أسرع المتأثرين بمسح الحياة عنهم، كيف سنسمعهم وتفاصيلهم مبهمة! لن يصدقهم أحدٌ مطلقًا!
لمحتُ أطفالاً يركضون أسرع من البرق، وتقريبًا هذه المشاهد من تأثير الصدمة، شيءٌ مُستحيل أن يركضَ طفلٌ بهذه السرعة! حاولتُ بكل الطرق، بيني وبين نفسي، التضرع للذي يجلس على العرش ويسمعنا، والذي أشك أنه فعل ذلك، لأنه يريد نظامًا جديدًا للحياة.
أهل المدينةِ كلهم صاروا بلا ملامح، إلا أنا، مُحيي ابن طاهرة، اسم شهرتي في المدينة، الاسم الثاني تحديدًا، ذلك لأنَّ الاسمَ الأكثر شهرة يسوع! لسوء حظي، أنا نسخةٌ طبق الأصل من يسوع، كأنني خرجتُ من صورةٍ مُعلَّقة في بيتٍ قديم لعائلةٍ مسيحية، لأرعى السبيلَ إلى الجنة أو الخلاص.
الشَّعر الطويل ذاته، الملامح الوسيمة الهادئة، صفاء الوجه، طول الجسد، الهيبة التي تحاوطني. مكانتي بينهم -المسلمين والمسيحيين- مُحيِّرة، فمثلًا حين أمر بمسلمٍ أنا نبي، أما إذا كان مسيحيًّا فأنا ابن الإنسان!
ما حدث لهم بالخارج يؤنِّب ضميري، أنا سعيدٌ سعادةَ الخليل إبراهيم حين أتاه أمر الكبش، أخيرًا لن يبهت أحدٌ لرؤيتي، لن يمجِّدني مسيحي، لن تمسك عجوز صليبًا وتقبِّله، لن يستغفر مسلمٌ، لن يمزح معي آخر ويدعوني للإسلام!
المخيف في الأمر، إلى متى سيستمر وجودي بمفردي هكذا؟ هل ستقع عني معالم وجهي، مثلما حدث لهم، أم سأظل على هيئتي؟ مرَّ عام كامل، لم أتحدث مع شخصٍ من وقتها، مرَّ عامٌ كامل والأسئلة تحادثني يوميًّا، أفداني الإنسان هذه المرة؟
هل قالوا كلهم لربِّهم خذ ملامحَنا واترك ابن طاهرة؟
أم أن اللهَ غضبَ عليهم، فتركني لأنني نسخة من المسيح، وعذَّبهم بما يستحقونه، بعدما خذلوا المسيحَ الذي حمل عنهم الخطايا؟
سؤالان في غاية الأهمية، ماذا كنتُ أفعل في الشارع لأستيقظ وأجد نفسي نائمًا على الأسفلت؟ والسؤال الأكثر أهمية ينقسم إلى شقين، الأول: لماذا يوجد خلفي صليب؟ والآخر: هل هذا اليوم الأخير الذي تحدثوا عنه؟
قد يعجبك أيضًا من هو محمد شكري صاحب رواية الخبز الحافي
فيليب
أبانا الذي في السماوات، احمل عني الكأسَ إذا أمكن، يا يسوع، حَمَلُ الله الذي يمحو الخطيئة من العالم، أنت تحبُّ البشريةَ كثيرًا، حتى إنك لا تتواضع فقط بتأنسنك، بل أنت الحمل الوديع الذي يحمل جميع خطايانا.
شكرًا على هبة تواضعك ورحمتك ومغفرتك، أبانا الذي في السماء، أنا خائف والطمأنينة والتَّحنان في يدك، التَّحنان في يدك يا يسوع.
أرجوك هل تسمعني يا يسوع؟ لن يسمعني أحدٌ غيرك، لا أعرف ما الذي جرى، لقد كنتُ داخل فرن الفخار، بعدما خَمدتْ ناره، قفزتُ داخله كي أُخرج كل ما أصبح جاهزًا، لفحتني الحرارة العالية، لم تعد تضايقني الحرارة في المجمل.
سمعتُ صوتَ ابني مينا: "يا فيليب، يا فيليب قلبي منقبضٌ، تعال ونُخرج الفخار في وقتٍ آخر"، ضحكتُ وأنا أشعر بصدق كلامه، قُلتُ: "بسلامة أضطجع بل أيضًا أنام، لأنك أنت يا رب منفردًا في طمأنينة تسكنني.. انزل يا مينا، انزل يا ابن أمك".
والأفران الموجودة في قريتنا، خاصةً التي تعمل تحت إشرافي، كانتْ حديثَ الجميع منذ بنائها، فقد رسمها وخطَّط شكلها الباشا الذي أعمل لديه، وجعلها تُشبه أفران الخزف القديمة الضخمة، الفُرن الواحد تشعر أنه على هيئة برج حمام مثلًا، بشكلٍ دائري، من أحجار وطوبٍ بلدي، ويمر بثلاث مراحل.
الأولى هي المحرقة، وهي بالأسفل، نضع فيها القش والمطاط، وكل ما يساعدنا على تغذية النار، والمرحلة الثانية هي جسم الفرن الداخلي، الذي نضع فيه الأشكال الفخارية بعدما شكَّلناها لتحترق وتصير جاهزةً، والمرحلة الثالثة هي فوهة الفرن، التي يصعب على الإنسان تسلُّقها أو القفز لدخولها، لا بد من استخدام السلم الخشبي للصعود إلى القمة، وحمله وأنت بالأعلى، ثم وضعه في فراغٍ مخصوص يتيح لك تمرير السلم من خلاله والعبور إلى داخل الفُرن.
وهذا الفراغ مُغطى بطوب عازلٍ، فلا يحترق السلم بفعل الحرارة، ولا يحترق الشخص النازل إلى الداخل في حالة لم تخمد كل النيران. التصميم عجيبٌ وغير مفهوم، وكان ردِّي واضحًا: "الباشا الذي اشترى الأفران يريدها هكذا!".
حين نزل مينا بجانبي، سمعتُ صوتَ هبوطِ جسده، وهبوط شيءٍ آخر، ظل واقفًا بلا حراك، قلتُ في عصبيةٍ: "يا مينا، الجو هنا ليس ساحرًا كي نبقى طوال اليوم يا.." صرختُ لمَّا وجدتُ جسدًا فقط، لا ملامح، وجه ممسوح.
أمسكتُه وهززتُه إذ ربما يتوقف عن هرجه، إذا كان هذا هرجًا، لم يتحرك، جلس مكانه، جلس في ضعفٍ وخنوعٍ، كأنه مسافرٌ يجهل أي بلدةٍ نزل إليها، يمسح على رأسه، يمسك بيدي، استسلامٌ تام لأمرك يا يسوع.
الفرن حولنا شديد السواد، بين قطع الفخار أرى حمرةً، ونورك يا يسوع بالأعلى، الفوهة فوقنا، السلم الخشبي الذي يساعدنا على الطلوع والنزول، بجانب مينا، سقط معه نصفين.
هممتُ بالصراخ، لم يُطعني الصوت، وضعتُ يدي على رقبتي في البداية، ثم حركتُها إلى فمي، تراجعتُ إلى الخلف، أسندتُ ظهري إلى الفخار، حرارته تؤلمني، أيعقل يا يسوع، أن نارَ الفرنِ أذابتْ ملامحنا؟ سقطت ملامحي عني، باستثناء عيني..
ماذا تريدني أن أرى يا يسوع؟
وهل هذا عقابك لي، على حياتي القذرة، التي عشتُها؟
لقد صليتُ كثيرًا لتغفر لي!
قد يعجبك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.