جريمة شنعاء في الحيّ المجاور

صحونا على أخبار تتناثر هنا وهناك، وتتناقل عبر الأخبار بالإذاعة والتلفاز، والجرائد المختلفة يتناقلها السّكان في أحاديثهم فيما بينهم، وهم يلعنون هذا الزّمن الرّديء الّذي أصبحت فيه الجريمة تحدث بكلّ بساطة، وبلا أيّ خوف من عقاب أو جزاء، وكيف أنّ الإنسان لم يعد آمنًا حتّى في مسكنه، أمّا عن تفاصيلها فقد عرفنا أنّه قد جاءت إخباريّة لقسم الشّرطة عن جريمة وقعت بمنزل يبعد عن منزلنا بثلاث شوارع فقط، وهرع رجال المباحث فورًا إلى هناك.

فوجدوا أنّ الأب ربّ المنزل، والأمّ وطفلهم الصّغير مقتولين في صالة المنزل، وأنّ الأمّ كانت مقتولة وهي على سجّادة الصّلاة.. فتعجّبوا من هذا المجرم الّذي يقتل سيّدة بريئة في منزلها وهي تصلّي.. أمّا الابن الأكبر الشّابّ المراهق الآخر فقد كان مقتولًا على باب غرفته ممّا يجعل الموضوع يبدو أنّ القاتل قد طارده حتّى باب غرفته، وهو محاولًا الهروب.. إلّا أنّه لحق به وطعنه عدّة طعنات قاتلة وأجهز عليه في مكانه، وللحقيقة لم يكن موجودًا هناك أيّ دليل على وجود أيّ مقاومة حقيقيّة تذكر أو عراك.. ولكلّ ذلك رجّح خبراء مختبر الجرائم أنّ هناك عدّة قاتلين، وليس واحدًا فقط، وفي الأغلب إنّهم معروفون للعائلة أيضًا لعدم وجود أيّ آثار لأيّ عملية اقتحام.. في حين قد اكتشفت الشّرطة ناج وحيد من هذه المجزرة، وهو الابن الثّالث للعائلة، وبسؤاله أخبر الشّرطة والمباحث عمّا حدث.. وقال: إنّه كان نائمًا عند جدّته، وحين عاد في الصّباح طرق الباب كثيرًا فلم يفتح له أحد، فاستعان بأحد الجيران الّذي أمدّه بسلّم خشبيّ طويل لكي يتسلّق، وينظر من خلال الشّباك.. فوجد عائلته مقتولة في صالة المنزل، فاتّصل بالشّرطة فورًا.. وقد أخبرهم أيضًا بأنّه قد ترك المنزل في الحادية عشر مساءً، وإنّه أثناء نزوله قد وجد (ميكروباص) به أربعة أشخاص سألوا عن والده، فدلّهم الشّابّ على منزل أبيه، وذهب للجدّة، ولكنّه أثناء انصرافه قد لاحظ أنّ (الميكروباص) ليس عليه أيّ أرقام مرور، ولكنّه لم يهتمّ كثيرًا، وقرّر المغادرة ومواصلة طريقه لجدّته.

بدأت الشّرطة بجمع العيّنات، والبصمات، والدّلائل، وتحليل مسرح الجريمة، وقد رجّحت الشّرطة ورجال البحث الجنائيّ أنّ الجريمة قد حدثت بدافع الانتقام، وأنّ الأشخاص الّذين كانوا بـ(الميكروباص) كانوا على خلاف كبير مع الوالد، أو حتّى مع الأمّ الّتي كانت تعمل سجّانة في سجن القناطر، فاعتقدوا أنّ أحد السّجينات على خلاف كبير معها، وقرّرت معاقبتها لذلك.. كلّ هذه الاستنتاجات نتيجة أنّ الشّقّة كما هي، ولم يسرق منها أيّ شيء، وأيضًا كلّ الأحداث كانت في الصّالة، ولم يتمّ دخول الحجرات ولا المساس بما فيها، ممّا يؤكّد أنّ الجميع كانوا مستيقظين أثناء وقوع الجريمة، وهنا بدأت المباحث تستجوب جميع الجيران والأسرة والأصدقاء، لعلّ أحدًا آخر يكون قد شاهد (الميكروباص) والأشخاص بداخله لدرجة أنّهم أعادوا استجواب الابن، وعرض عدّة سيّارات (ميكروباص) مشبوهة عليه للتّعرّف على السّيّارة، ولكن بلا أيّ نتيجة، ودون أيّ جدوى، وبحثوا أيضًا في النّاس الّذين لهم علاقه بالأب وعمله في السّمسرة، وهل هناك أيّ خلافات بينه وبين عملائه، وفعلًا وجدوا عدّة خلافات للأمّ مع بعض السّجينات المشاغبات وخلافات أخرى مع الأب، وبعض عملائه، ولكن مع البحث والاستجواب تأكّدت المباحث من عدم تورط أيّ أحد من هؤلاء في الجريمة، وبالصّدفة البحتة وجدت المباحث ملاحظة طبّيّة من دكتور نفسيّ باسم الابن النّاجي الوحيد، وتوصي الملاحظة بخطورته، ووجوب وضعه فورًا بمصحّة نفسيّة، وتعود هذه الملاحظة لثلاث أعوام مضت، وذلك لتكتشف المباحث أنّ الابن النّاجي يعاني اضطرابًا نفسيًّا شديدًا منذ طفولته، وكان السّبب سقوطه وهو طفل من أعلى المنزل في عمر خمسة سنوات على رأسه، ممّا تسبّب له بارتجاج المخّ واضطراب في السّلوك، ونتيجة فحصه وقتها إنّه تمّ تشخيصه كشخص مختل عقليًّا، وخطير للغاية، ويجب حجزه بمشفى، وعلاجه فورًا ولكن تجاهلت أسرته كلّ ذلك، ولم يتوقّعوا ما قد يترتّب على هذا التّجاهل، وما قد يحدث مستقبلًا فيما بعد.

كثّفت المباحث التّحرّيات، وضيّقت الخناق على الابن في أقواله واعترافاته السّابقة، حتّى تبيّن كذبه في كلّ شيء، وقد طلب من جدّته أن تخبر الشّرطة لو سألوها إنّه قد بات عندها.. خلافًا للواقع وبمواجهته ظنّت الشّرطة إنّه سوف ينهار ويعترف وهو باكيًا حزينًا.. ولكنّه اعترف لهم قائلًا: نعم قتلتهم.. فهل توجد أيّ مشكلة؟ دون أيّ ذرّة حزن أو دمعة ندم، اعترف بجريمته الشّنعاء مبررًا لها بسوء معاملتهم له، ويروي بكلّ أريحيّة كيف خطّط للجريمة.

فهل حقًا العيب في الزّمان؟ أم في بعض البشر؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.