جريمة قتل "بسنت خالد".. من المذنب الحقيقي؟


بسنت خالد مجرد فتاة في الصف الثاني الثانوي.. تتلقى اتصالًا من مجهول ليخبرها أنّ هناك صور فاضحة لها على وشك الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي.. ولا تخبر العائلة بذلك "ربما الأمر مجرد تهديد فارغ".. لكن بعد أيام قليلة تعود من دروسها للبيت لتكتشف أن أحد أفراد العائلة قد أرسل لوالدها صور فاضحة لها.. وكما يبدو أنّ الصّور كانت مفبركة.. علم الأب وعلمت الأم مباشرة أنّ هذه ليست ابنتهم.. وبالطبع قام الأب والأم بحكمة نادرة في مثل هذه المواقف بطمأنة ابنتهم.. ولكن الفتاة كانت مجرد مراهقة هشة لم تستطع احتمال هذا الضغط العصبي.. وانتحرت بابتلاع قرص غلة سام بعد أن تركت رسالة مؤثرة تخاطب فيها والدتها.. والسؤال لماذا يقدم أي شخص على مثل هذه الأذية؟ ويشارك في جريمة قتل حرفيًا؟

من هو المذنب؟

بالطبع لا نحتاج أن نكون عباقرة حتى نتبين من هو المذنب في هذه الحادثة المؤسفة.. والجريمة هنا ليست ابتذاذًا وتشويهًا للسمعة وحسب بل هي جريمة قتل؛ لأن بسنت لم تنتحر لكنها قُتلت.. ولكن هل المبتذ وحده المذنب؟

في رأي البعض أن نشر صور البنات بحسن نية على وسائل التواصل الاجتماعي هو السبب في ذلك.. يعني هذا أن الحل من وجهة نظره ألّا تنشر أية فتاة صورها على (الفيس بوك).. وهذا أشبه ما يكون بحل مقلوب للمشكلة.. لأن الصور ليست المشكلة طبعا ما دامت هذه الصور لا تخرج فيها البنت عارية.. بمعنى أنّها تخرج بشكلها الطّبيعي الذي يراها به الناس في أي مكان دون شيء ناقص أو زائد.. وبغض النظر عن القيود الشرعية للملابس فالجميع يعرفها.. ولكن نحن نتكلم عن واقع افتراضيًا، فيه صور لبنات يرتدون نفس الملابس اللّواتي يرتدونها في الواقع الحقيقي.. إذن ليس هناك أمر شاذ في أمر الملابس.. والنفسية المريضة التي أخذت صور الفتاة وركبها على صور عارية لن تعوزه صور الفتاة.. من السهل جدًا أن يلتقط لها صورًا إن لم يجد صورًا جاهزة..

طبعا من الواضح من حال الأسرة أن الابتزاز لم يكن من أجل المال.. وبالتأكيد أيضا ليس لتهديد أحد آخر أو الضغط على أحد آخر بهذه الصور.. لكن هي بعينها المقصودة من هذا الابتزاز.. وعلى ما يبدو أن "المبتز" من هؤلاء الذين يتعاملون مع الفتيات بقانون "إنها لي".. تعجبه واحدة فيقرر أنّها ملكه... وتقام الصراعات حولها عندما يحاول آخر الظفر بها أو التّعدي عليها.. وكأنّها قطعة أرض أخذها بقانون وضع اليد.. والبنت ربما لا تعرف أصلا أن هناك كلّ هذا الصراع من أجلها.. وإن كان هذا مستبعدًا في أغلب الأحوال.. مع وجود الحاسة السادسة يقظة عند أية أنثى تحترم نفسها..

وعلى ما يبدو أن الشاب من هذه النوعية التي لا يقبل إطلاقا أن يقال له لا.. أو أن يتم تفضيل آخر عليه.. وخصوصًا من قبل الجنس الآخر.. لأن هذا يطعنه في رجولته المزعومة.. والحق يقال أن الرجال لا يقبلون الرفض بسهولة خصوصًا من الإناث.. ولا سيما في مجتمعنا العربي الّذي تعقدت فيه علاقة الجنسين ببعضهما.. ولكن طبعًا هناك درجات متفاوتة من "رفض الرّفض" عند الرجال، وهذا التفاوت يقابله تفاوت في النضج.. وبما أنّ الأمور كلها تتجه في طريق التفاهة.. حتّى أصبحت الأهداف تافهة والدوافع أيضا تافهة فإن مجتمعنا ولله نشكو.. في حالة من المراهقة المستمرة التي لا تنقطع تقريبًا.. وكل رجل اليوم يظن في نفسه مثل "عادل إمام" في فيلم "سلام يا صاحبي" عندما وقف أمام المرآة يتطيب ويستعد للذهاب لخطبة "بطة (سوسن بد)" ويعرف "خوليو (محمد متولي)" هذا فيقول له: "بطة لا تحبك يا مرزوق" فيهجم "مرزوق (عادل إمام)" على "خوليو" ويمسكه من لياقته ويهزه بعنف وهو يقول "انا مافيش امرأة ما تحبنيش".

بعض التحليل الممل:

والذي يريد الحقيقة لا يمكنه أبدا القفز إلى النتيجة النهائية دون المرور على الأسباب.. والسبب كما يبدو لي.. هو انهدام عالم الشباب تمامًا.. بمعنى إنّه لم يبقى للشاب طموح أو هدف.. ولا يشعر بأهمية لقوله أو فعله.. وبشكل ما لم يتبق لمعظم الشباب مجالًا يتنافسون فيه ويظهرون عبقرياتهم وأهميتهم فيه إلّا هذا المزمار.. ولذلك كانت الخسارة هنا تعني أنّه خسر كلّ شيء.. فهو ليس بالمتوفق دراسيًا.. وليس لديه وظيفة ما تشغل وقته.. ولا يملك شيئًا آخر غير هرمونات "التستسرون" الّتي تجعل منه ذكرًا.. وهذا ما حدث في قضية "بسنت" لأنّ الشخصين اللذين اتهمتهما الأسرة.. أحدهما كان يرغب في الكلام معها.. أي إقامة علاقة معها لكن على الطريقة المصرية.   

والأمر ذاته بالنسبة للفتيات.. يواجهن نفس المصير الأسود الذي يواجه الشباب.. فلا طموح ولا شعور بالأهمية.. وهذا الإحساس بالشعور بعدم الأهمية أكبر عند الفتيات.. مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والنظرة الدونية التي يتم النظر بها لهن في أغلب الاحوال.. وبشكل ما يبدو أنّه لم يتبق للفتاة إلّا جسدها الذي يرغب فيه الرجال.. ومظهرها الخارجي.. فتبالغ في تجميل شكلها بتشجيع من الأهل.. وتبالغ في إظهار ما حباها الله به من فتن.. وأضف إلى ذلك كله فقد الوازع الأخلاقي وغياب دور المنظومة الدينية بسبب عجزها عن الوصول إلى الشباب.

لتكون النتيجة تحول قاعات الدروس والمحاضرات في الجامعات والمعاهد وأي مكان للتجمعات البشرية إلى حلبات لإظهار العضلات والتسبيل بالعيون.. واصطياد الفتيات.. والكل يزايد على الآخر في قدرته على البذاءة وكسر القيود والجرأة في إظهار هذه البذاءة.  

عودة إلى "بسنت":

وليس كل هذا لكي أبرأ أحدًا في القضية المذكورة.. والجاني معروف.. بل وأتمنى أن ينال أقصى عقوبة لكيلا يتكرّر هذا النوع من الإرهاب الإلكتروني.. ولكن أحببت أن أنوّه أن الأمر أخطر بكثير ممّا يبدو.. وما التشهير بصور فتاة بريئة والتسبب في قتلها.. إلّا نتيجة لهول الخطر الذي يستفحل دون أن نشعر.. وما قدمت بين يدي حل لهذه المشكلة لأن الأمر أكبر بكثير من ان يحلّ بالكلام.. وهو خارج نطاق سيطرتي.. ولكن معرفة المشكلة ربما تدفع البعض للبحث عن أسبابها المتجذرة لأن الوضع نتيجة عن عوامل عديدة مشتركة.. العوامل الاجتماعية والاقتصادية، والأفلام والمسلسلات التي تقوم بالتربية مكان الأب والأم والمدرسة.. ناهيك عن غياب الوعي الديني والوازع الأخلاقي.

 المصادر:

بقلم الكاتب


حاصل على بكالوريوس في نظم المعلومات الادارية, يدرس علوم الحاسب و البرمجة حاليا, له اهتمام خاص بالادب و التاريخ و الفلسفة و علم النفس.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

حاصل على بكالوريوس في نظم المعلومات الادارية, يدرس علوم الحاسب و البرمجة حاليا, له اهتمام خاص بالادب و التاريخ و الفلسفة و علم النفس.