جريمة شغف

من بين سحب الليل القاتمة، يتساقط الحزن على وجه يوسف كقطراتِ من الجمر تلتهم روحه، يجلس يقضي ساعاته الأخيرة يودع ذكرى زوجه وأولاده الثلاثة الذين سلبتهم منه الحياة، وعجز عن أن يلحق بهم حتى صار أشبه بطائر فقد جناحيه وسط عاصفة هوجاء.

يحمل يوسف جعبة أحزانه على ظهره، يرحل بعيداً عن تلك المقبرة التي صارت مأوى له، يغمض عينيه، لا يرى سوى توابيت الموت وهي محملة بأجسادٍ اشتاق لها.

يستقرّ يوسف على ظهر السفينة، يتوجّه نحو غرفته، يختلي بوحدته، يمكث فيها دون حركة، حتى يمرّ يومان، ويبدأ يوسف بالتحرّر من قبضة تلك الوحدة، وفي اليوم الثالث انتظر حتى أسدل الليل ستاره، وتسلّل كلصِ هارب صاعداً أعلى سطح المركب باحثاً عن زاوية بعيداً عن الأنظار.

توجّه نحو أحد المقاعد الخشبية، وجعل جسده يسترخي قليلاً، نظر للسماء التي كانت يسودها الظلام الحالك إلا من نجمة مضيئة كانت تداعب عينيه.

جلس ينفث دخان سيجارته الّذي تكثّف حوله بكثرة، وكأنّ عاصفة ضبابية غيّمت عليه، ليطمس داخلها كل شيء، وأثناء حديثه مع هذا الصمت قطع خلوته صوتُ خطا أقدام سريعة تهرول جانبه كقطار مسرع يحمل فوقه روح امرأة ثائرة، قذف بها البحر نحوه ليختلي بها الليل في إحدى زواياه المظلمة.

نظر لها يوسف، فلم ير من بين سحابة سيجارته سوى شالِ أحمر رسم أمامه صورة ملونة من بين دخانه الرمادي، صارت صاحبة الشال الأحمر تهرول مسرعة حتى وصلت إلى نهاية الحاجز.

وقفت شيرين أمام البحر، تثور عيناها بالكثير من الدمعات، وكأنها تعزف لحنَ ذلك الحزن الذي يسكن روحها، فتاة عشرينية، من يقترب منها يراها تُشبه عجوزاً تجاوزت الستين من عمرها.

تعود شيرين برأسها إلى الخلف، تتمنى أن يسقط أمامها لتركله بعيداً، وترحل معه تلك الذكريات التي تكاد أن تطيح بها.

تصعد ذكرياتها فوق سفينة الماضي، تعبر فوق ندوبها التي لا زالت تنزف منذ ذلك اليوم الذي كانت تستعد فيها لزفافها هي ومحمود؛ لتأتي غربان الحزن، وتسرق منها سعادتها.

يعلو صوت الهاتف، تنظر له بشوق؛ لترسم ابتسامة على ثغرها عندما ترى اسمه، تجيبه وصوتها يرقص على حروفه، ثوان قليلة مرّت عليها كالدهر عندما صفعتها كلماته وهو يقول لها: لن نتزوج.

 تسقط شيرين كورقةِ عصفتها الرياح في ليلة حارة، تشعر وكأن الأرض أنبتت من باطنها أنياباً وصارت تغرسها، تجذبها لأسفل؛ تستعيد وعيها على صوت صديقتها صفاء، وهي تلقي أمامها آخر ذكرى كانت بينها وبين محمود، تنظر شيرين للصندوق الذي جلبته لها صديقتها، تقف تلقي عليه صلاة قلبها الأخيرة، تعلن استسلامها له كجندي ترك ساحة المعركة بعد أن فقد سلاحه، تسقط شيرين أمام صديقتها ترجوها أن تساعدها، ولكن صفاء تقف فوق جروحها تردد أمامها سأتزوج أنا ومحمود.

تلقّت شيرين تلك الصفعة من صديقتها، وكأنّها رسول الحزن والموت معاً، فقد جاءت تزفّ إليها نبأ موتها، ورحلت وهي تخطو بقدميها على ذكرياتهما، وألقت بها داخل قبر، وجعلت الخيانة حارسة عليه.

تفيق شيرين مجدّداً على صرخة انطلقت من صدرها المنشقّ لتعودَ لواقعها، ويثور البحر غاضباً من هول ألمها.

 في تلك الأثناء كان يوسف مازال جالساً مكانه، وعندما همَّ بالرّحيل اخترق أذنيه صوتُ صرخات دوّت لها السماء غضباً، فتذكّر ذات الوشاح الأحمر فداعبه فكره بالذهاب إليها، وخطت قدماه نحو مؤخرة السفينة، والصوت يزداد قوة ورهبة، وإذا به يراها تقف فوق الحاجز الحديدي تنظر للبحر بشوقِ وكأن بينهما موعداً، تصلّبت قدماه وخُيّلت إليه نفسه حين حاول الانتحار منذ عدة أشهر، ولكن أبى القدر أن يستجيب له ويحقق أمنيته، ليلقي به للحياة لتمارس لعبته معه.

بدأ يوسف بالاقتراب منها ببطء، وقدماه تجراه نحوها بخيفة، وكأنه من يقف على الحاجز، وبدأ يناديها بصوت هادئ: سيدتي، هل أنتِ بخير؟

وقفت شيرين تصارع الألم داخلها غير شاعرة بشيء، فنادى عليها مرة أخرى، رفعت رأسها واستدارت لترى يوسف يقف خلفها، ينظر إليها خائفاً، التفتت برأسها نحو البحر وبكلماتِ متلعثمة بعثرتها بين بكائها قالت له:

- ارحل بعيداً، ولا تقترب مني.

أجابها بسرعة وصوته مملوء بالحزن:

- حسناً لن أقترب، ولن أطلب منكِ أن تتراجعي.

نظرت له شيرين مرّة أخرى، وغيمة من البكاء تكسو عينيها ثم أدارت وجهها مرة أخرى،

فوقف معتدلاً وصار يتحدّث ببطء:

- كنتُ أتمنى أن أكون مكانك الآن.

صمتت قليلاً ولم تجبه، ثم أكمل قائلاً:

- السماء اليوم غاضبةٌ، والنجوم هاربة وكأنها تختبئ خائفة من الظهور أمامنا.

ألم تلاحظيها؟

وقفت شيرين تنظر للأعلى، وبدأت تجاريه في حديثه قائلة:

- قد تكون هكذا حقاً، وقد تكون علمت أنه لا مكان لها في عالمنا.

كانت كلماتها تحمل حروفاً ممزقة تكاد تسقط منها، فأكملت حديثها قائلة:

- ماذا إن اختفت كل النّجوم، ولم تظهر مجدداً، هل ستقبل السماء رحيلها؟ أم

ستثور غاضبة لأجلها وتعلن حدادها، وتتوسل للشمس ألا تظهر مجدّداً سوى بعودتها؟

ابتسم يوسف ساخراً، وقال:

- لن تتوقف الحياة من أجل أحد، فالحياة أشبه بقطعة الإسفنج تمتص أرواحنا، ولا تشعر بالشبع حتى يأتي الوقت وتعتصرنا، ثم تلقي بنا في تيه الماضي، وتبحث عن روح جديدة لتتناولها.

وكأن يوسف استعاد ثقته، وبدأ حديثه يسير معها بسهولة وذهب الخوف من داخله، حينها التفتت شيرين له بهدوء، وقالت:

- وماذا تفعل هنا الآن؟

- هارب.

- مِمّن؟

- من كل شيء حتى نفسي.

حينها بدأت تهدأ قليلاً وتستمع له، فأعاد عليها السؤال:

- لماذا أنتِ هنا؟

- هاربة.

- مِمّن؟

- منهما، وأشارت بيديها صوبه.

نظر يوسف جانبه، ثم أعاد نظره إليها قائلاً:

- من تقصدين؟

- أقصدهما، ثم أشارت نحوه مرة أخرى، فأكملت حديثها قائلةً: إنهما يطارداني، عيناهما تخيفاني، لا أعلم هل يطلبان مسامحتي أم معاقبتي؟ هل تستمع؟ إنهما ينظران نحوي ويضحكان عالياً؟ يريدان إخافتي، ولهذا هربت منهما.

بدأ يوسف يشعر بشيء من الريبة والخوف، ثم قال لها:

- حسناً فلتأتي معي، ونبتعد عنهما قليلاً.

ابتسمت شيرين، وقالت له:

- لن يتركاني، لن يتركاني. 

حينها بسطت يديها على جانبيها كطائر يستعد للطيران، وألقت بجسدها إلى الخلف؛ لتستسلم لذلك الإعصار الذي جذبها لأسفل؛ لترتطم بالماء وتغوص بحزنها، وألمها لأسفل.

أسرع يوسف ينظر للأسفل لعلّ الماء قذفها نحو السطح، فيحاول إنقاذها، ولكنه استمع لصوت ضجيجٍ، التفت خلفه فوجد أحد رجال شرطة السفينة يأتي مسرعاً نحوه قائلاً: هل رأيت امرأة عبرت من هنا منذ قليل؟

- فلم يجبه، فأكمل الرجل وقال:

- مطلوب القبض عليها بتهمة قتل رجل وامرأة، وُجدا مقتولين في غرفتهما منذُ قليل.

كاتبة لدى اسكرايب للنشر والتوزيع صاحبة عمل شمس حمئة أدب اجتماعي ورواية لعنة ساتان في أدب الرعب ورواية هجين في أدب الخيال العلمي ومجموعات قصصية مشتركة ١_رمادي اللون ٢_ أماليد ٣_ليلة فاصلة ٤_الشر الكامن ٥_الملتقى ومجموعة خواطر ١_قطرات منثورة ٢_حياة لها أنياب مقالات متنوعة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا 🌹

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة لدى اسكرايب للنشر والتوزيع صاحبة عمل شمس حمئة أدب اجتماعي ورواية لعنة ساتان في أدب الرعب ورواية هجين في أدب الخيال العلمي ومجموعات قصصية مشتركة ١_رمادي اللون ٢_ أماليد ٣_ليلة فاصلة ٤_الشر الكامن ٥_الملتقى ومجموعة خواطر ١_قطرات منثورة ٢_حياة لها أنياب مقالات متنوعة