جدوى التعليم بين الإرجاء أو التسريع

إن التعليم ليس بحالٍ هو التدريس.. وبالتأكيد ليس هو مجرد الالتحاق بالمدرسة.. إن مفاهيم الالتحاق والاستبقاء والإسقاط والتسرُّب وغيرها من المفاهيم التي التصقتْ بالتعليم.. هي ليست بحالٍ التعليم...

كذلك يبدو أن هذا التسارع في تقادم المهن وفي استحداث مهنٍ جديدةٍ ومع هذا الفائض المتزايد للعاطلين عن العمل قد أوصل الأمور إلى مرحلةٍ بات فيها العمل للشباب يُمثِّل سلعةً أندر من فُرص التعليم.. بل ربما نكون قد وصلنا إلى أن التعليم قد يكون سبباً في إعاقة إمكانيّة العمل أو في إضاعة فُرص العمل المُتاحة ضمن الحدود الدُنيا من التعليم.. فالأرقام تُشير بوضوحٍ إلى أن أكبر نسبةٍ من البطالة بين الأفراد الأكثر تعليماً.. فيما تكاد هذه النسبة تصل إلى حدودها الدنيا لدى المهنيين الذين يدخلون إلى سوق العمل وهم لم يبلغوا الثامنة عشر من عمرهم..

لهذا قد يصبح الاتجاه الأكثر عقلانيّة هو( إرجاء التعليم) بدلاً من ( إرجاء العمل).. أي بعكس ما تقوم عليه فلسفة التعليم ضمن مفهوم (الإشباع المؤجل) والمتمثِّل بالعمل لحين إتمام الدراسة.. خاصةً وأن العمل المستقبلّي سيكون على شكل (مشاريع) بحيث يتم تعيين الفرد لحين انتهاء المشروع ثم عليه الانتقال إلى مشروعٍ جديدٍ وهكذا.. وربما يكون الأصلح للفرد ما يمكن تسميته

( بالمشاريع التعليميّة) مقارنةً بالمشاريع العمليّة.. والتي يمكن له أن يختار من بينها ما يناسبه لحياته عموماً.. وهذه المشاريع لا ترتبط بوقتٍ أو مكانٍ أو عمرٍ محددٍ.. بل ترتبط فقط برغبة وحاجة الفرد الفعليّة..

هنا قد يكون للتربيّة دورٌ ما في العمل على تحقيق حاجات ومتطلبات الفرد والتي بدورها تعتبر جزءاً من حاجات ومتطلبات المجتمع العامة..

هنا يكون للتربيّة مردودٌ وأثرٌ ما في تغيير النظرة من كونها عملية تمدرس لتصبح عملية للحياة يقوم كل فردٍ باختيار ما يناسبه ويرغب فيه دون أن تتم بحقه أية عمليات تعسفية تسمى زوراً أنها عمليات تعليمية وتربوية...

إن الحياة المعاصرة تقوم على الاستهلاك المباشر والآنّي أكثر مما تقوم على تلبية تطلعات مستقبليّة.. وهذا يتنافى تماماً مع أهداف المؤسسة التعليميّة ذات النظرة بعيدة المدى والتي تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لم يعد بالإمكان التفريط فيه من قبل الأفراد مهما كانت تلك الأهداف البعيدة ذات قيمة أو معنى... لقد أصبح العمل المأجور أهمّ بكثير من التعليم غير المأجور الذي يَعِدُ بحياة مرفهةٍ بعد التمدرس... 

إن المنافسة الشرسة والحشو القهري للمعلومات دون العمل على تنمية الفكر النقدي التمحيصي.. يعطيان تفسيراً جيداً لشخصيّة خرّيجي التعليم الرسمي...

إن مقومات النظام التعليمي ومتطلباته " سنوات جحيم الاختبارات" واعتبار كلّ طالبٍ أن كلّ طالب آخر هو خصم له.. لا تنتج عقليات قادرة على الفهم والاستكشاف.. بل تنتج أشباه آلاتٍ بحيث يبذل كلّ فردٍ أقصى ما يستطيع للوصول إلى أعلى مكانٍ ممكنٍ في التراتبيّة الاجتماعيّة..

بهذا " يعجز الفرد عن إقامة علاقات صحيّة مع أقرانه " أفقيّة متكاملة" ويصبح سلبيّاً تجاه معظم القضايا.. وهو إنسانٌ مبرمجٌ للحياة "

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.