جدلية الفكر والفن السينمائي فى فكر باديو

في الديباجة، وضع السينما في النظام الفلسفي العظيم الذي وضعه ألان باديو، يجب أن نتذكر أنه بالنسبة له، لا تنتج الفلسفة الحقائق في حد ذاتها. الحقائق ناتجة عن الإجراءات العامة؛ وهو  يطلق أربعة عناصر، ويعدُّ وجودها من الفلسفة ضرورياً لهذا الغرض، وهي: (السياسة العلوم والفن والحب )، والتي تجلب إلى الذهن فلسفة الحقائق التي يخلقونها.

بالطبع للسينما مكانها في الإجراء الفني، حتى أنها تحمل، في عمل آلان باديو، وهو المركز الثاني إذ هي (تعادل المسرح)، وهو قريبٌ جداً من الأول، وهو الذي عقدته القصيدة. إذ  كان لديه حدس مبكر جداً على السينما، لعل هذا يعود الى إشرافه على ( المجموعة التي نشرت ورقة البرق "مجموعة التدخل الماوي في الفن والثقافة" - وهي واحدة من الأنشطة الفنيّة والثقافيّة  وكانت أهم الموضوعات الرئيسيّة، التفكير في السينما والتنظير معاييرنا: ما هو موضح في المواد الموضوعيّة المنشورة في عامي (1977م و 1978م)، على التتالي في السينما "الرجعيّة" (أي ما يُطلق عليه اسم "الروايَة اليساريّة") والمعايير من التقدميّة إلى السينما. وهي تعكس تحولات .... وانتقل من "ستالينيّة مفترضة" إلى "ماويّة ثوريّة"، ليست أقل افتراضاً، إذ أسّس حزباً يرغب في تغيير العالم، إلى أن تساقط جزءٌ من وهمه، وانصرف إلى «الفلسفة البحتة» ومواضيع مختلفة  مثل : (الشعر، المسرح، جماليّات الحب)... غير أنّ انصرافه إلى قضايا فلسفيّة، متعددة الأشكال، لم يمنع عنه شغف سياسي مستمر دفعه، لاحقاً، إلى عودة ملتبسة إلى الفيلسوف اليوناني القديم: أفلاطون. (قد برّر البعض أن اهتمام باديو بالسينما يعودُ تارةً الى عجزه (عن معالجة الراهن فلسفياً)، وهو ما دعاه إلى العودة إلى سقراط وهوميروس والإلياذة ومالارميه والسينمائي الياباني ميزوغوشي وفيلمه الشهير "العشّاق المصلوبون"، ودعاه أكثر إلى مداخلة نظريّة مجرّدة طويلة عن معنى: الكوني والخاص، من دون أن ينزل من جماليات الشعر والسينما إلى عوالم القتل الجماعي، والعصبيّات العنصريّة المستعادة، وإخفاق الإنسانيّة في حمايّة الضعفاء)

لكن لا يبدو هذا الرأي وجيهاً؛ لكون باديو لم ينزاح عن نهجه الشعبوي بل وجد له منفذاً آخر في السينما والأدب ولعل هذا يثير أشكال متعددة مثل: المحاضرات الشفاهيّة والبحوث المتنوعة منها ماجاء بهذه المحاضرة بعنوان: السينما وكهف أفلاطون "السينما كأفق للفلسفة" يقول باديو: لماذا نقول بوجود علاقة بين الفلسفة والسينما؟

يأتي الجواب: حتميّة؛ لأنّه يوجد اختلاف وتباين وتناقض بين الفلسفة والسينما، لو قلنا بأن السينما مكوّنةٌ من صور، لو أن السينما هي شكل من أشكال العلاقة الصوريّة (الوهميّة) مع العالم، ستكون السينما حينها عرضةً لنقد مبدئي وجذري، وهو نقد قديم جداً من منظور الفلسفة، وهو الارتياب فيما يتعلّق بالصورة .وبمعنى من المعاني، و الوقوف على الضد من سلطة الصور. باسم المفاهيم و التفكير والعقلانيّة.

وعلى كل حال، نجد نقداً للسينما عند أفلاطون؛ إنّ أمثولة الكهف المعروفة، وهي أهم عرض في التاريخ عرض في تاريخ فلسفة السينما، التي لم تكن موجودة [في ذلك الوقت] بطبيعة الحال.

النقد الفلسفي للسينما ظهر قبل قرون من وجود السينما إنها قوة الفلسفة، نفوذ حدسي، الفلسفة، في ترجمتي إلى .جمهوريّة أفلاطون، حولت ترجمة) الكهف إلى السينما المعاصرة، دليلاً، لقد كانت عرضاً للصور، ومكاناً للحقيقة، وكانت البشريّة ترى في الكهف بعض الصور، وهي على قناعة بأنّ هذه الصور هي الحقيقة الفريدة، وإنّ مهمّة الفلسفة هي تدبير إمكانيّة الخروج من الكهف، والهروب من دكتاتوريّة الصورة، وبمعنى من المعاني، وهذا الشيء أكثر صدقيّةً اليوم منه عندما كنا في الكهف، أي في زمن أفلاطون؛ لأنه لدينا اليوم عالم متشابك من الصور، وهو أمر أبعد مما كان يتخيله أفلاطون .

أذن أمثولة الكهف ليست إلا تناقضاً بين الفلسفة والسينما .ثمة علاقة وطيدة بين الفلسفة والسينما ، وهي علاقة [غير مسموع] بها، في النهاية الفلسفة شيء ضد سلطة الصورة، وضد السينما، هذا هو الاحتمال الأول،وهو ليس لي [لا تبني هذه الفرضيّة ]؛ لسبب أساسي واحد . ألا وهو جوابي على السؤال الأول [مضمونه أجانبه كان : يستحيل تعريف الفلسفة.]، أعتقد بأنه لا يمكننا اختزال السينما إلى [مجرد] صورة، إذن في النهاية السينما ليست كهف أفلاطون، إنّها غامضة، ومبهمة، وهي ضوء الصور،إذن يوجد شيء مثل الوهم؛ لكن هذا الوهم، وهم السينما،ليس هو [ولا يؤدي ] الوظيفة السلبيّة للصور بالمعنى الأفلاطوني؛ لأنّ الصور بالنسبة لإفلاطون عبارة عن دافع زائف، لكنّ السينما ليست واقعاً زائفاً؛ السينما هي علاقة جديدة مع الواقع نفسه .

يمكن أن نوضح [أكثر]: السينما مكوّنة من صور مركبة؛ لكن هذا التركيب لا يقول : أما أنّ الحقيقة الواقعيّة عن سجناء الكهف تاماً، إذ تكون [ في الكهف] على قناعة بأن الصور هي الشكل الوحيد للحقيقة، السينما على خلاف ذلك، شيء أشبه ما يكون بالصور التعليميّة.(Didati of lmages) شيء يقول بأن الصورة توجد لا كبديل لما هو حقيقي وواقعي، بل كشيء يقول جديداً عن الواقع الحقيقي نفسه؛ لكن بشكل جديد للمعرفة، إذن فرضيتي هي : (لا وجود للتناقض بين الفلسفة والسينما بالعكس السينما اليومبمعنى من المعانيشرطٌ للفلسفة وبمصطلحي " شرط الفلسفة " [اقصد]: نشاط ونمط أي : (نشاط من الإبداع ونمط من التفكير)، يُعدبمعنى من المعانيأفق التفلسف،إذن الشرط : ما هو حاضر في العالم، وما هوبحق - إمكانيّة جديدة للتفكير الفلسفي وفي هذا الاتجاه موقفي هو : لايمكننا التفلسف من دون أيّة علاقة مع السينما، ويمكننا القول بأنه منذ أي علاقة مع السينما، ويمكننا القول بانه منذ برعسون حتى اليوم ....[لوقبلتم / متى هذا الاعتبار النرجسي .] منذ يرغسون إلى اليوم  لانجد اهتماماً متنامياً من الفلاسفة بالسينما، مثل كتب دولوز بالسينما و هذا؛ لأنّ من الفلاسفة المعاصرين المتعلقة بالسينما . وهذا إلى الآن السينماالتي هي عنصر جوهري بدرس جديد للإمكانيّة الفلسفيّة  .

 

وعن علاقة السينما بالحقول الأخرى يقول باديو في مقال له (Cinema as Democratic Emblem):

أعتقد أنه كانت هناك خمس محاولات رئيسيّة لمثل هذا النزوح. أو بالأحرى، خمس طرق مختلفة للدخول في المشكلة: ( التفكير في السينما كفنون جماعيّة". أولاً، من مفارقة الصورة. هذا هو المدخل الكلاسيكي: الفن الوجودي. والثاني يدلل على مفارقة الزمن، من الرؤية البصريّة للوقت. أما المرحلة الثالثة فتتناول الفرق بين السينما واتصالها الغريب بالنظام الرّاسخ للفنون الجميلة. بعبارة أخرى: مفارقة الفن السابع. الرابعة تنشأ السينما على الحدود الفنيّة وغير الفنيّة) . ثم أنّه يقدم توصيفاً لهذه العلاقة بالنقاط الآتيَة :

1- أما مفارقة الصورة:

  سوف نقول أن السينما هي "فن جماعي"؛ لأنها تمثِّل قمّة الفن القديم للصورة، وأن الصورة، بقدر ما نعود في تاريخ البشريّة، كانت دائماً رائعةً. السينما هي قمّة المرآة المعروضة كمظهر. وبما أنه لا يمكن تحديد الهويّة من دون دعم من المظهر، سنقول إن السينما هي السبيل النهائي للدورة الميتافيزيقيّة لتحديد الهويّة. تفاجئ دور السينما :(غرف الطعام، غرف النوم، وحتى الشوارع  والجماهير) من خلال شبكة خادعة من تحديدات متباينة، لأنّ تقنيّة المظهر تفوق الخيال الديني وتوزع التغيير الفضفاض للمعجزة. جماهير السينما هي في قاعدة الجماهير الورعة. هذا هو التفسير الأول.

2- مفارقة الزمن:

هذا النهج أساسي عند " دولوز "، كما هو الحال بالنسبة للعديد من النقاد الآخرين. من المغري الاعتقاد بأن السينما فن ضخم؛ لأنّه يحول الزمن إلى تصور. لدينا عنصر آخر مع السينما يعدُّ أقوى من الزمن. يخلق شعورًا زمنيًا متميزًا عن وقت العيش. بتعبير أدق، فإنه يحول "المعنى الحميم للوقت" إلى تمثيل. إنها الفجوة التمثيليّة التي تدمِّر السينما للجمهور الهائل من أولئك الذين يرغبون في تعليق الوقت في الفضاء من أجل دفع المصير جانباً.

هذه الفرضيّة تحرِّك السينما لتقربها من الموسيقى، والتي، في شكلها الأساس، هي أيضاً إنتاج ضخم. لكنّ الموسيقى - وموسيقى "رائعة" أكثر من الموسيقى الشعبيّة - هي أيضًا منظمة بعيدة عن الزمن. يمكننا أن نقول ببساطة إنّ الموسيقى تجعل الوقت مسموعًا، بينما تجعل السينما الوقت مرئيًا. ومن المؤكّد أن السينما تجعل الوقت مسموعًا أيضًا؛ نظرًا لأنّ الموسيقى مدمجة في السينما. ومع ذلك، ما هو مناسب للسينما، والذي استمرّ لحقبة طويلة من الصمت، وهو بالتأكيد جعل الوقت مرئيًا.  ويعدُّ إنتاج هذه الرؤيّة هو ساحر عالمياً.

3- أما المرحلة الثالثة فتتناول الفرق بين السينما واتّصالها الغريب بالنظام الراسخ للفنون الجميلة " سلسلة من الفنون"،

من الواضح أنّ السينما تأخذ من الفنون الأخرى كل ما هو شعبي، كل ما كان يمكن عزله، بعد عزله، وفصله عن متطلباتهم الأرستقراطيّة، وتوزيعها على الجماهير. يستعير الفن السابع من الستة الآخرين ما هو أكثرها صراحةً يهدف إلى الإنسانيّة العامّة.

على سبيل المثال، ما الذي تحتفظ به السينما من الرسم؟ الاحتمال النقي لتغيير الجمال المعقول للعالم إلى صورة قابلة للاستنساخ. لا يأخذ التقنيّة الفكريّة للرسم. لا يأخذ في صيغ معقدة من التمثيل وإضفاء الطابع الرسمي. إنه يحتفظ بعلاقة معقولة ومؤطّرة مع الكون الخارجي. بهذا المعنى، السينما هي لوحة  من دون لوحة. عالم رسمت من دون طلاء.

ماذا تحتفظ السينما من الموسيقى؟ ليس الصعوبات الاستثنائيّة للتأليف الموسيقي، وليس الترتيب الخفي العمودي التوافقي والأفقيّة المواضيعيّة، ولا حتى كيمياء الجرس. ما هو مهم للسينما هو أن الموسيقى، أو شبحها الإيقاعي، يرافق الأحداث المرئيّة. ما يفرضه في كل مكان - اليوم حتى في الحياة اليوميّة - هو جدليّة معيّنة من المرئي والمسموع. لإخفاء كل الوجود الذي يمكن تمثيله مع عجينة موسيقيّة هو العمل الهائل للسينما. نحن نستسلم بشكل منتظم للعواطف التي يثيرها مزيج غريب من الوجود والموسيقى، والطبقات الموسيقيّة، والمرافقة الشجيّة للدراما، وعلامات الترقيم الأوركسترا للكارثة. كل هذا يدخل في تمثيل موسيقى من دون موسيقى، وموسيقى تحرّرت من مشاكل موسيقيّة، واستعارت موسيقى وعادت إلى ذرائعها الذاتيّة أو السرديّة.

ماذا تحتفظ السينما من الروايّة؟ لا تحتفظ بتعقيدات التشكيل الذاتي، ولا الموارد اللانهائيّة للمونتاج الأدبي، ولا البطيء و لا الأصلي لاستعادة طعم عصر ما.، ذلك أنّ للسينما حاجةً سوسيّة ونهمة، وبأسلوبها الذي يفرغ الأدب العالمي من دون توقف، هو الخرافة، السرد، الذي يعيد تسمية "سيناريو". إنّ حتميّة السينما - الفنيّة والتجاريّة-، غير قابلة للتجزئة، لأنّها فن ضخم - هي قصة لقصص عظيمة، قصص يمكن أن تفهمها البشريّة جمعاء. ماذا تحتفظ السينما من المسرح؟ الممثل والممثلة والسحر، وهالة الممثل والممثلة. في فصل هذه الهالة عن صلاحيّات النص الأدبي، وهو أمر أساس للمسرح، حوّلت السينما الممثلين والممثلات إلى نجوم. هذا هو أحد التعريفات الممكنة للسينما: وسيلة لتحويل الممثِّل إلى نجم.

4- أمّا الحالة الرابعة تنشأ السينما على الحدود الفنيّة وغير الفنيّة : - ويقول في هذا -

دعونا ننظر مباشرة في العلاقة بين الفن وغير الفن في السينما. وبذلك نكون قادرين على تأكيد بأنّه فن ضخم؛لأنّه دائماً على حافّة الفن، وغير الفن.

تستكشف السينما الحدود بين الفن وما هو ليس فنًا. إنها تقف على هذه الحدود. وهيتتضمّن الأشكال الجديدة للوجود، سواء كانت فنيّة أم غير فنيّة، وتجعل ذلك اختيارًا معينًا، وإن كان اختيارًا لا يكتمل أبدًا. إذ أنه في أي فيلم، حتى، وإن كان تحفةً نقيّة، يمكنك العثور على عدد كبير من الصور المبتذلة، والمواد المبتذلة، والصور النمطيّة، والصور التي تُرى مائة مرة في مكان آخر، أشياء لا تهمك على الإطلاق.

يمكننا القول أنه من الممكن أن ترتفع السينما . ويمكنك البدء من أكثر تمثيلاتك شيوعًا، من عاطفتك الأكثر غثيانًا، من ابتذالك، حتى من جيلك. يمكنك أن تكون متفرجًا عاديًا تمامًا. يمكن أن يكون لديك ذوق سيئ في الوصول الخاص بك، في دخولك، في التصرف الأولي الخاص بك. هذا لا يمنع الفيلم بأن  يسمح لك بالارتفاع. ربما ستصل إلى أشياء قويّة وراقيّة. ولكن لن يطلب منك العودة. بينما في الفنون الأخرى لديك دائما الخوف من السقوط. هذه هي المزيّة الديمقراطيّة العظيمة لفن السينما: يمكنك الذهاب إلى هناك في مساء السبت للراحة والارتفاع بشكل غير متوقع.

قال أرسطو أنه إذا قمنا بعمل جيد، ستأتي المتعة "كهديّة". عندما نشاهد فيلمًا، عادةً ما يكون العكس هو الصحيح: نشعر بسرور فوري، غالبًا ما نشتبه((بفضل الفن غير المتواجد في كل مكان))، ويأتي الخير (للفن) كمكافأة غير متوقعة.

في السينما نسافر إلى النقي. هذا ليس هو الحال في الفنون الأخرى. هل يمكن أن تذهب عمداً إلى المرسم ورؤيّة لوحة سيئة؟ اللوحة السيئة هي لوحة سيئة هناك أمل ضئيل أن يتغير إلى شيء جيد. لن ترتفع. من حقيقة بسيطة أنك كنت هناك، فقدت في اللوحة سيئة، كانت بالفعل السقوط، كنت الأرستقراطي في محنة. بينما في السينما أنت دائماً أكثر ديمقراطيّة أو أكثر ارتفاعاً. وهنا تكمن العلاقة المتناقضة. العلاقة المتناقضة بين (الأرستقراطيّة والديمقراطيّة)، والتي هي في النهاية علاقة داخليّة بين (الفن وغير الفن). وهذا هو أيضاً ما يسييس السينما: إنّه يعمل على تقاطع بين الآراء العاديّة وعمل الفكر. مفرق خفي لا تجده بالشكل نفسه في أي مكان آخر.

هذه هي الفرضيّة الرابعة: فالسينما هي فن جماعي؛لأنّها تدمِّر الحركة التي يتدحرج بها الفن من غير الفن عن طريق السحب من هذه الحركة بحدود، عن طريق جعل الشوائب من الشوائب نفسها.

5- أمّا الفرضيّة الخامسة :

"الشخصيّات الأخلاقيّة" السينما فن من الشخصيات. ليس فقط أرقام الفضاء المرئي والأماكن النشطة. هو في المقام الأول فن من الشخصيات العظيمة للإنسانيّة النشطة. يقترح نوعًا من مرحلة العمل العالميّة ومواجهة القيم المشتركة. بعد كل شيء، السينما هي المكان الأخير الذي يسكنه الأبطال. عالمنا هو تجاري جداً، وعائلي، وغير مرتاح. ومع ذلك، حتى اليوم لا يمكن لأحد أن يتخيل السينما من دون الشخصيّات الأخلاقيّة العظيمة، من دون المعركة الأمريكيّة الكبرى بين الخير والشر.

نحن نعلم بأنّ الفلسفة بدأت كمناقشة واسعة مع المأساة، مع المسرح، مع شائبة الفنون المرئيّة والفنون المسرحيّة. كان المحاورون الأساسيون لأفلاطون على المسرح، وكانوا مدرجين في هذه الرؤيّة الخطابيّة الأوسع هي: ( المسرح العام، والتجمع الديمقراطي، وأداء السفسطائيين).

يبدو باديو في هذه المقاربة يدرك دور السينما في التأثير الشعبوي ويقارب الأمر مقاربةً تكشف عنأنّه يحاول إعادة الإمساك بثغرات الخطاب وما يتيحه من إمكانيّةأن يكشف عن ثغراته التي يحاول تشخيصها باديو بالتحليل إذ يحاول التقليل من الدهشةأمام هذا الاهتمام من قبل الفلاسفة والنقاد بالسينما؛لأنه يؤكد علىإن مرد هذا الاندهاش لما في السينما ومشتقاتها من التلفزيون اصبحت اليوم ( تمثل أعلى مقياس إنساني، بعد المأساة والدين، المحاولة التاريخيّة الثالثة في الاستعباد الروحي للوجوه المرئيّة والمتاحة للجميع، من دون استثناء أو قياس. كما حضر الاجتماع السياسيون الديمقراطيون ومستشاروهم الساديون، وأطلقوا عليه اسم "مستشارو العلاقات العامة". إذ أصبحت الشاشة اختبارهم الأعلى.)

إذاً هو ينتقد هذا التوظيف الذي أدرك اثر التقنيّة في السينما وأراد إن يمارس توظيفها في إشاعة تأويل معين  .إنّه يربط الأمر بنقد الفلسفة المتعاليّة وادعاء امتلاك الحقيقةوكيف هي اليوم بالتحالف مع السلطة تمارس توظيف الإعلام في السينما والتلفزيون من أجل  الغرض نفسه؛ فهو يصف الظاهرة ويقترح حلاً لها، بقوله :(  تم تغيير السؤال في الوجهة فقط. وغني عن القول: "إذا كانت هناك تقنيّة ذات مظهر مشابه، وإذا كانت هذه التقنيّة، عندما تكون السينما، قادرة أيضًا على إنتاج فن ضخم، ما الالتواء، وما هو التحول الذي يفرضه هذا الفن على ذلك الذي تدعمه الفلسفة نفسها، و الذي يحمل اسم "الحقيقة"؟ بحث أفلاطون عن الجواب في تحريف متعالٍ. بالنسبة للمظهر الرمزي، سنعارض كل شيء يظهر على الفكرة التي لا تظهر نفسها. ....  إذ يحتاج المرء أيضا إلى رياضيات الكمال اللامتناهي: مجموعات، طيولوجيا .

لكن هناك من يرى هذه الفلسفة التي يطرحها باديو بشكلها العام فهي فلسفة يهيمن فيها الرياضي كما تتجلى في فكرته عن الوجود والحقيقة التي يقيمها من ( خلال أحداث علميّة محدّدة. ومع ذلك، فإن الحدث بحد ذاته لا يتم الاعتداد به من خلال الرياضيّات، بل من خلال الفن. ومع ذلك على الرغم من الدور الأساسي الذي يؤديه الفن في فلسفته، فإن كتاباتباديوتبدو غير ملائمة، التطبيقعلى الفنون مما جعل من كتابات باديو المثيرة للجدل في السينما هي عرضيّة للنقد؛لأنها تشكل المثال الأكثر تطرفاً على هذا الموقف )

فهو بروح شعبويّة يرى أن محاربة هذا التصور للفلسفة يحول من دون الهيمنة على السينما التي يرى فيها الأمل في التحول؛لأنها بالأساس جماهيريّة بقوله :(وهكذا، وكما سيطر أفلاطون على صورة رمزيّة، أنقذوا الصورة في مكان الحقيقة مع "خرافات" خالدة، يمكننا أن نعمل بالطريقة نفسها في أن يتم التغلب على السينما بالسينما نفسها. بعد أن تأتي فلسفة السينما - تأتي بالفعل - فلسفة السينما، والتي لديها بالآتي فرصة لكونها فلسفة جماهيريّة.

الخاتمة :

إن المتأمل في علاقة السينما بالواقع لا يلبث أن يتبين أن هناك أسلوبين لمقاربتها: الأوّل يؤمِّن أن بوسع الصورة أن تعكس الواقع وأن تطبق صورة طبق الأصل له؛ والثاني يضع الواقع موضع إشكال. وبالمثل هناك منهجان لمقاربة السينما في علاقتها بالحقيقة: أولهما يدّعي أن ما تلتقطه عين الكاميرا هو الحقيقة العاريَة من كل الشوائب، في حين أن الثاني يقوم باستشكال الحقيقة ومسائلتها.

في تغير الأحداث من خلال فهم خاص للبطل والبطولة فهي بنظرهِ :" فعلً مضيء، يقهر في الإنسان جوانبه الحيوانيّة ويكشف عن إمكاناته المبدعة، فعل منفتح على اللامتناهي، طالما أنّ في الأنسان عطباً يجب التحرر منه، وهي إمكانيّة إنسانيّة أكيدة ترجمتها الثورات بلغات متعدِّدة".

ان باديو هو أحد آخر عظماء جيل ثورة الـ 1968م، وأحد أشرس منتقدي رطانة الشعارات الفرنسيّة وتقلّبات مفكّريها، وأحد أكثر «المتخشّبين» عناداً في الإصرار على أهميّة الشيوعيّة والماويّة والماركسيّة حتى لو بقي وحيداً بعد رحيل معظم مجايليه، وارتداد معظم من تبقّى. لا يستطيع أشدّ منتقديه إنكار أهميّته في الحقول الفلسفيّة والسياسيّة، ومن هنا تنبع خطورة أفكاره وأهميّتها في زمن الرأسماليّة والاستهلاك.

" نعم، نحتاج إلى تغيير العالم من أجل أن نكون سعداء...

 

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

Guest Guest - May 14, 2020 - أضف ردا

شكرا أنا فرح

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة