عيناي لا تتوقف عن الدمع كلما تذكرتها. كانت جدتي مثل اسمها، تُدخل السرور على قلب من يراها، كانت هادئة دائمًا، لا تبالي ولا تكترث على الإطلاق بكل ما قد يعكِّر صفوها. كانت دائمًا لديها ما يكفي من الثبات الانفعالي لمواجهة أي شيء تمر به. لم أرَ في حياتي مطلقًا هذه الحالة من السلام النفسي الذي كانت تتحلى به. كنت دائمًا أتعجب وأسأل: «كيف وصلت جدتي لهذه الحالة؟».
طالما سمعت من والدتي مقولة: «أمي لم تكن امرأة عادية، لطالما كنت محظوظة بأنني ابنتها. طريقتها في تربيتي لم تكن مثل بقية الأمهات. كانت صديقتي ومصدر قوتي. لم أرها تتعامل مع أبي بقسوة على الإطلاق. كانت تحبه دائمًا، ولذلك كان بيتنا مختلفًا. به شيء من الدفء الذي لم يكن يكمل إلا بوجود أمي الغالية».
هي من سمتني (فايا). إنني أحب هذا الاسم كثيرًا. وكانت دائمًا لا تملي عليَّ ما يجب فعله في أي موقف، بل كانت تريني ما عليَّ فعله من أفعالها. لطالما رأيتها في مواقف يحق لها أن تظهر عدم التقدير لغيرها لما بدر منه، ولكنها كانت دائمًا تقول «المعاملة لا تجوز أن تكون بالمثل. التمس لأخيك ألف عذر، ولكن بشرط ألا تقبل بأي نوع من الإهانة يصدر عن أي شخص». كنت أقول لها: «ولكنهم يؤذوننا يا جدتي». فكان ردها «كل شخص سيمر بما جعل الآخرين يمرون به، سواء أكان خيرًا أم شرًا».
كانت تقول لي «فايا.. نحن هنا في هذه الدنيا ضيوف. ليست مكاننا. فكوني خفيفة بقدر استطاعتك على كل من حولك». كنت أحيانًا أتهمها بالمثالية، كنت أعبر لها عن هذا الشعور، وكانت تضحك كثيرًا وتقول لي: «أنتِ هنا لكي تفوزي بنفسك في وسط ما ستمرين به من صراعات، وإلا سيكون الخاسر الأكبر هو أنتِ».
كانت جدتي ألطف كائن رأته عيني. كان بها الكثير والكثير من الذوق الذي يجبرك على احترامها. لم أرَ في جمال ضحكتها ولا حيائها. كانت تحب نفسها بحق، كانت تقول لي «مهما حدث حولي لا يجب أن أخسر علاقتي بنفسي، عليَّ أن أحنو عليها، أقوِّمها، لكن لا أكرهها أبدًا».
كانت تقول لي: «اشتغلي على علاقتك بنفسك، فسوف تأخذكِ الحياة في مختلف أنواع الصراعات والمشاحنات التي ستقلل من قيمة حبك لنفسك. قد تجعلين نفسك عدوتك الأولى، لكن عندما يكون بينك وبين نفسك حب وتصالح، فسوف تلتمسين لها الأعذار وتحبينها وتحنين عليها، مع قليل من التقويم لها عند الحاجة لذلك».
كانت جدتي شخصية تجعل من حولها يتوهج من السرور.. اشتقت إليكِ كثيرًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.