تُعد شخصية جحا مزيجًا فريدًا بين الواقع والتخيلات الشعبية؛ فهو تاريخيًّا أبو الغصن دُجين بن ثابت الذي عاش في العصر الأموي، لكن الذاكرة الجمعية دمجته مع شخصيات أخرى مثل نصر الدين خوجة التركي. وتُعد قصة جحا وزوجته العنيدة من أشهر النوادر التي تُبرز دهاءه في استخدام علم النفس العكسي، فبحث عن جثتها عكس التيار في إشارة فلسفية ساخرة لطبيعتها المتمردة التي خالفت المنطق في حياتها ومماتها.
يرتبط اسم جحا بعددٍ كبير من المرويات الثقافية الشفوية في المجتمع العربي؛ لأنه تُنسب إليه أحداث كثيرة ومُلَحٌ طريفة تناقلتها الألسن جيلًا بعد جيل. ويُصوَّر تارةً على أنه صاحب دهاء ومكر وخديعة، وتارةً أخرى يُجعل في صورة الساذج الذي لا يعرف ما يُقدِم ولا ما يُؤخِّر.
وكل ما نُسب إليه إنما هو من باب الخرافة والطرافة التي كانت تنسجها خيالات أولئك الذين كانوا يُسامرون أبناءهم في أزمنة غابت فيها وسائل الترفيه؛ فلا يجدون ما يُلهون به أبناءهم في ليالي البرد أو الليالي الطويلة، فيضطرون إلى نسج هذه الحكايات والأساطير ونسبتها إلى أشخاص كجحا وغيره.
أما عن جحا: هل كان شخصًا حقيقيًا أم خرافة؟
فتحكي لنا بعض كتب الآداب والتاريخ أنه كان شخصًا حقيقيًا، واسمه عند العرب هو أبو الغُصن دُجَيْن بن ثابت الفزاري. ويحكي بعض المؤرخين أنه عاش في القرن الأول الهجري أو الثاني، في عصر الدولة الأموية، في زمنٍ كان فيه القص والحكاية وسيلتين للتعليم والتسلية معًا.
وينقلون عنه أنه كان ذكيًا فطنًا خفيفَ الظل، بعيدًا عن الصورة المشوَّهة التي تصوِّره كثيرٌ من القصص على أنه كان أبلهَ أحمقَ.
أما جحا في الثقافات الأخرى، فيُحكى أن جحا في تركيا يُسمى نصر الدين خوجة، وفي بلاد فارس يُسمى ملا نصر الدين. وكل ثقافة نسجت حوله خرافات وأساطير لا تمتُّ إلى الواقع بصلة، بل هي من خيالات الكُتَّاب والقصَّاص، تُسقِط تصوراتها الاجتماعية على شخصية واحدة جامعة.
وصاحبنا اليوم الذي نستعرض قصته هو بطلنا الشهير جحا، في واحدة من أشهر الحكايات المتداولة عنه، مع زوجته العنيدة المتمردة عليه.
قصة جحا وزوجته العنيدة
يُحكى أنه في يومٍ من الأيام كان جحا يعيش مع زوجته في قرية نائية، يملك أبقارًا وأغنامًا وفرسًا وبغلة، وكان يعمل في الفلاحة، يقضي نهاره كله في الحقول يحرث ويسقي، ويُزيل الأعشاب والحشرات عن زرعه، مكدودًا لا يعرف للراحة سبيلًا. أما زوجته فكانت ترعى الأبقار والأغنام والفرس والبغلة، ولم يكونا يلتقيان إلا في الليل، بعد يومٍ طويل من العناء.
وكانت المرأة سليطة اللسان، دنيئة الخُلُق، عنيدةً متكبرةً متعجرفة. أما جحا فكان حسن السمت، طيب الأخلاق، ذا سيرة حسنة يشهد له بذلك كل من عامله أو سافر معه أو باع له أو اشترى منه.

وكان صبورًا صبرًا عظيمًا، حتى إن صبره كان يُغيظ زوجته؛ فتتمنى لو أنه يُعارضها أو يُخاصمها يومًا، لكنه لم يفعل رغم مشاكساتها المتكررة، بل قابل إساءتها بالحِلم، فكان صبره عليها صبرًا جميلًا، وحِلمه حلمًا كبيرًا.
وفي يومٍ من الأيام بلغ مسامع المرأة أن أباها مريض، فعزمت على زيارته، لا سيما أنه يسكن في منطقة نائية لا يُوصَل إليها إلا على بغلة أو فرس. فتهيأت للسفر، وأعدَّت أمرها، وانتظرت جحا حتى يعود من الحقل لتأخذ رأيه، لا طلبًا للمشورة، بل لتُخالفه كعادتها.
فقالت له: «بلغني أن أبي مريض، وأنا عازمة على الذهاب لزيارته، فما رأيك؟».
فقال لها جحا طيب القلب الحنون: «لا بأس بذلك يا زوجتي، هل أعددتِ العُدَّة؟».
فقالت بلسانٍ حادٍّ وصوتٍ مرتفع: «نعم، لقد أعددتُ كل شيء، لكني أنتظر رأيك، فلا تُبطئ. لقد سئمتُ مماطلتك، فأنت دائمًا تُعقِّد الأمور. لو كان الأمر يهمك لما تأخرتَ، ولكن ما دام يخصني فإنك تُسوِّف وتُماطل. لقد ندمتُ على اليوم الذي تزوجتك فيه، تبًا لك وللزمان الذي جمعني بك!».
وكان جحا ينظر إليها مبتسمًا، ساكنًا في هدوئه، وهي تصرخ وتُولول.
فقال لها بهدوء: «يا زوجتي، إن أردتِ رأيي فاستمعي».
فقالت: «قل، وأنا أسمع».
فقال: «اصطحبي معك البغلة، ولا تركبي الفرس».
فلم تُمهله، وقالت: «لا، سأذهب على الفرس، وما لي وللبغلة!»
فقال: «حسنًا، إن أبيتِ إلا الفرس، فلا تأخذي معك البنداير».
فقاطعته غاضبةً وقالت: «بل سآخذها معي!»
فقال: «لا بأس، ولكن رجاءً، إذا دخلتِ الوادي فلا تضربي في البنداير، حتى لا ينفر الفرس وتسقطي».
فقالت ساخرةً: «أنت تريد التحكم في كل شيء! منذ عرفتك وأنا أجد سعادتي في مخالفتك، وسأضرب في البنداير وسط الوادي نكايةً فيك!».
ثم جمعت متاعها، وركبت فرسها، وانطلقت. ولما وصلت إلى الوادي، وكان ممتلئًا بالمياه، ضربت في البنداير، فنفر الفرس وسقطت، فجرفتها مياه الوادي، لتكون نهايتها ثمرة عنادها.
ووصل الخبر إلى جحا، فخرج مع بعض المتطوعين يبحثون عنها. وأخذ الناس يبحثون في اتجاه مجرى الوادي، في حين كان جحا يبحث عكس التيار.
فقالوا له: «ما هذا يا جحا؟ من المستحيل أن يحملها الماء عكس التيار!».
فقال جحا: «إن كانت هذه زوجتي حقًا، فلا بد أنها سارت عكس التيار؛ فهي هكذا تربَّت، وعنيدةٌ لا تسير إلا عكس كل شيء!».
وهكذا ماتت المرأة، وعاش جحا بعدها وحيدًا، وفيًا لذكراها، فوفى لها بالعهد، ولم يتزوج بعدها، ورعى حقها وهي تحت الثرى.
مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في صفحتي المتواضعة فضلاً وليس أمرا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.