جثة المقعد الأخير ـ الجزء الخامس

ثم عاد ليقول: كانت الجثة لرجل يربو عمره على الأربعين... وما أدراك؟؟ قلتها له... وهنا تكشف لي سر الرأس هل تهشَّمت تمامًا أم أنها اقْتلعت.. وتبين ذلك حين قال: إني رأيت شعرًا أبيض في الجهة الخلفية... حيث تهشَّمت نصف الرأس وتبقى النصف الآخر...
فنصف الرأس تهشَّم بينما بقي النصف الآخر متدليًا... يا له من مشهد مروع...
الجثة ذهبت بعدها عبرة لترقُد حيث «مشرحة زينهم» وما أدراك ما مشرحة زينهم...

أعاود بكم لقصر العيني...

سيارتا إسْعاف توقفتا فجأة أمام قصر العيني بفاصل زمنيّ يقل عن الدقائق الثلاث بقليل...
نهرول بالترولي لنصل إلى حجرة إسعاف الحالات الحرجة «المدبح»... هكذا أسميتها... نصل ببقايا الرجل الذي نحمله لنقبع داخل هذه الحجرة معطين الضوء الأخضر للأطباء بأن يفعلوا اللازم... فقد أنهينا مهمَّتنا..

وضع الترولي الأول إلى جوار الثاني... ومع أن الحالة التي صحبناها كانت أشدّها جراحًا إلا أنها كانت ما تزال حية ترزق، بينما الأخرى بين الحياة والموت...

سارع الطبيب بإحضار منظار حنجريّ وقام بتركيب أنبوبٍ حنجري يصل إلى الرئة مباشرة... كان هذا ما اتخذه الأطباء مع الحالة الأخرى... بينما وقفت ممرضة تمسك بمضخة الهواء تضغطها تارة وتدعها لتمتلئ بالهواء تارة أخرى في عمل روتيني لا أظنه مجديًا...

كنت جالسًا بجوار أحد الأطباء المتابعين للحالة، نظر للممرضة مشيرًا لها بما يعني «أن ما تفعلين ليس مجديًا»... نظرت للطبيب في إشارة استفهامية... ثم سألته الحالة «أرست» ولا خلاص؟

«أرست»... كلمة تعني أن الحالة بين الحياة والموت، بل بين الموت والموت... بما يعني أنها قاربت مفارقة الحياة... أشار إلى أن الحالة قد ماتت بالفعل... وضعت بعدها الممرضة يدها بفم الرجل مستخرجة الأنبوب الحنجري، كان كأنما قد غمس في دلو من الدم... على الجانب الآخر وخارج هذه الغرفة جلس الأهل ظانين أن أباهم ما يزال بين الأحياء.

جثة المقعد الأخير، الجزء الرابع

 

بقلم الكاتب


محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .