جثة المقعد الأخير ـ الجزء التاسع

وقفت أمام الباب بصحبة الرفيق الآخر، بينما تقدم الزميل الذي يدفع الترولي ليدخل المشرحة وحده إلى جوار رجل المشرحة والعامل... وما هي إلا لحظات حتى أخذني الفضول... فهي المرة الأولى التي أرى فيها المشرحة عن كَثَب.

أخذت أتحسس الخطى وأنظر يمينًا ويسارًا متوخيًا الحذر... منتظرًا أن أجد يدًا هنا أو قدمًا هناك أو بضع أعضاء منتزعة ملقاة هناك أو أي شيء آخر... آثرت البطء الحَذِر على المفاجأة المفزعة... خاصة وأن الرجل أخبرني أنه لربما أتعثر في عضو مقطوع أو جثّة بالغ الأطباء في تشريحها.

حتى أنه أردف قائلاً: «أهم نايمين هناك أهم»... فنظرت فإذا بجثّة مغطاة بملاءة بيضاء ترقد هناك حيث منضدة خشبية.

دخلت فإذا بغرفتين عن يمين وشمال... نظرت فيهما متوجسًا علّني أجد شيئًا... عبرت الباب مدققًا للجثة التي تناظرني... دخلت خلف العامل ورجل المشرحة والصديق... ورفعت رأسي أتطلع خبر المشرحة «فأنا بداخلها الآن..» فوجدت مناضد متراصة عن يميني وأمامي... وضع عليها الموتى وقد غُطوا بملاءات بيضاء، لا يرى على أي منهم أثر حادث أو أي شيء بشع، بينما هناك حيث الركن لمحتُ المنضدة التي يُغسل عليها الموتى وقد صنعت من «الإستانلس ستيل» المقاوم للصدأ.

جُلت بعدها بنظري في المكان... فرأيت أرجلهم مكشوفة وأيديهم.. ومنهم من انحسرت الملاءة عن شيء من رأسه، كنت أنظر وكأنني أبحث -بلا قصد- عن حدث ما... ولما رأيت أن أصعب الحالات بالمشرحة هي الحالة التي نحمل.

اطمأن قلبي بعض الشيء إلا أن جو المشرحة الساكن... يبعث الخوف والترقب والحذر بين جنبات الغرفة، قال بعدها لي رجل المشرحة في هدوء عجيب: «شيل أنت معاه علشان أنت لابس جوانتي».

وكان الرجل معذورًا، ذاك أن الرجل الراحل كان قد نزف الكثير من الدماء... فسيتعذر عليه حمله من الدماء التي تغطي بعض جسده.

حمل الزميل من جهة الرأس، بينما حملت أنا من جهة القدمين ونقلنا الرجل في سهولة واضحة للمنضدة الوحيدة الخالية من الجثث فقد كان الرجل خفيفًا...

كمية كبيرة من الدماء كانت تغطّي الترولي.. قال العامل للزميل -بسماحة نادرة- :«امسح بالملاية»... فاستغربت أن نمسح الدم بملاءة بيضاء... إلا أن معرفتي بأن المستشفى تضم ما يزيل آثار الدماء جعلني لا أطيل الدهشة...

قمنا بمسح آثار الدم عن الترولي... بعدها وضعنا «الكبوت» مرة ثانية فوق الترولي... ومضينا.

لم تنتهِ الحكاية بعد ...

بقلم الكاتب


محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

محب للتاريخ و الفلسفة و علم النفس ، صدر له كتاب (حكايات من سيارة إسعاف) .