جبل موسى

جبل موسى ... عن تجربة الصعود لمجرد الوصول و الانتظار لبرهة ثم الهبوط..

 (موسى -1 )

لفترة تقترب من ثمانية عشر عاما، وطوال فترات وقوفي أمام جمهور لنقل خبرة ما إما عن طريق ممارسة المسرح أو التدريس، كان أكثر ما يرعبني أن يُبتَذَلَ ما أحاول إيصاله في قالب العبارات النظرية المستهلكة التي تآكل فحواها ومضمونها من فرط الإسراف في استخدامها، ففقد الجميع إيمانهم بجدواها، حتى وإن كانت صحيحة، بل حتى لو اصطبغت كليًا أو جزئيًا بصفة قداسة ما..

(موسى – 2)

و أنا على مشارف الأربعينات – على بعد ثلاث سنوات – قُدّر لي للمرة الثانية في حياتي أن أُمارس رياضة الصعود الحر للجبال، والتي لا تعتمد على الحبال أو الأدوات المعقدة بشرط اعتدال ميل الصعود لأعلى الجبل، بل تعتمد فقط على اللياقة البدنية وقوة تحمل المتسلق.. كانت تجربة بغرض المرح و كانت مع مجموعة رائعة، بيد أني لم أتوقع أن يغادر عقلي لفترات تيار المرح الرائع، في التجربة ليربطه برعبي الأزلي المذكور في الفقرة الأولى، وليلهمني من خلال تدريب عملي إسقاطا عمليًا بالغ المباشرة لكل القيم التي كنت أحاول تعلمها أو فهمها أو حتى إيصالها من خلال ممارسة حقيقية تضع الحياة نفسها على المحك..

(موسى – 3)

العبارة الأولى.. لا يوجد مستحيل. المستحيل - فقط - تفاعلٌ ذهني يفرضه العقل لاستسهال العجز. وأسوأ الحواجز هو حاجز العجز النابع من الداخل، ورفض خوض لحظة البداية. كان إغراء العجز رهيبًا عند رؤية الجبل من القاع، وكان التفاعل العقلي يدفع للإيمان باستحالة وصولي للقمة التى أراها من أسفل، ناهيك عن فرضية أن الوصول سيكون بيدي العاريتين. لو اكتمل هذا التفاعل لانتهت التجربة قبل أن تبدأ و لما كتب حرف واحد مما سيلي..

جبل موسى. 850 متر إرتفاعا

مجموعة الصعود 9 أفراد من المغرب، إيطاليا، إنجلترا ومصر

02 Apr 2017, 10:00 am

شمال المغرب

(موسى – 4)

العبارة الثانية.. هل من الممكن و المحتم أن يرتبط الإنجاز بالاستمرارية..؟ أو أن يُمارس الشغفُ لغرضٍ منطقي..؟ وأسباب محددة وأهداف طويلة الأمد وقصيرة الأمد..؟، هل هناك عمل أبدي بلا نقطة نهاية..؟

لو فكرت للحظة لوجدت أن هناك لا منطقية صارخة في الصعود. لأننا سنصعد لا لشئ إلا لنرتاح قليلا ثم نهبط من جديد، أي أننا سنمارس محو استمرارية الإنجاز فور تحقيق الإنجاز. ببساطة منطق جارتنا في حيينا الشعبي منذ ثلاثين عاما عندما طلبت منها أمها غسل الملابس فأجابت "ولماذا أغسلها ما دامت ستتسخ مرة أخرى..؟". ما مارسناه على الطبيعة هو مبدأ أن كل عمل لابد له من نقطة نهاية، قد تُتبَع بمحو آثاره لأنه لا مجال للبقاء في نقطة النهاية، والاعتماد على ما أُنجِز.. و أن الكثير من الإنجازات التي تتطلب جهدا استثنائيا يمكن أن تمارس لمجرد ممارستها فقط.

(موسى – 5)

العبارة الثالثة.. قد يكون أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم، تلك هي الحقيقة النظرية التي أنتجها علماء الرياضيات في معاملهم للتعامل مع الأشكال الهندسية و القياس. لكننا في الحقيقة و على أرض ممارسة الحياة - التي هي استمرارية الانتقال من نقطة لأخرى مادام النفس يتردد – لا نبحث عن أقصر الطريق عادة، وإنما عن أفضل الطريق وأسلم الطرق.. مع صعود الجبل أنت ترى الهدف، وقد تعتقد للحظة أنك ترى أقصر الطرق إليه، لكنك في العادة لا تسلكه لأن هناك طريقا طويلا ملتفًا آخر سنسلكه للوصول لأنه الأسلم. رسخ الصعود أيضا حقيقة أن معرفة الاتجاه لم ولن تكون أبدا وحدها ضمانًا للوصول.

(موسى – 6)

العبارة الرابعة.. اختيار موضع القدم الصحيح حيث ترتكز أثناء الصعود يساوي ببساطة وبدون مبالغة البقاء حيا.. وكذلك في كل عمل نمارسه.. اختيار موضع القدم الثابت حيث ترتكز يساوي ببساطة البقاء حيا..

 (موسى – 7)

العبارة الخامسة.. الصعود وحيدًا معتمدًا عى المهارات الشخصية فقط، وتحدي الذات الأرعن الممتزج بالعناد الأعمى، وزعم عدم الحاجة للعمل الجماعي في مهمة حرجة في معظم الأحيان يساوي الموت. (نقطة)

(موسى – 8)

العبارة السادسة.. اتضح لي أن اليأس ليس خيانة. لم يكن اليأس أبدا عيبًا. في كل الحالات اليأس خيار مطروح.. اليأس يحدث والرغبة في التراجع تمر على الذهن عشرات المرات. تفاعلنا معها هو ما يحدد ما يلي ذلك من تبعات. كلما تورطت أكثر في العمق - كما تورطت أنا في الصعود - كانت تبعات اليأس هي ما تدعوا للمتابعة.. إيأس كما تريد، وتوقف قليلًا لتستمتع بيأسك، ثم اتخذ القرار الصحيح.

(موسى – 9)

العبارة السابعة.. الأضعف دومًا يحكم في النشاطات الجماعية البشرية، و يُترَكُ أو يُؤكَلُ في التجمعات الغير بشرية. يجب أن يُحتَرم الأضعف، وعليه فإن العبارة القائلة أن القافلة تسير بقدر أضعفها صحيحة تماما، حال تعلق الأمر بتسلقنا للجبل في مجموعة، إذا كنا نريد الوصول يجب أن يُحتَرم الأضعف لأن الحل الأسهل وهو تركه ببساطة ليس بشريًا، وليس الاحترام هنا بأن يُلغى الصعود من أجله ولكن بأن تدعمه كي يصل.

(موسى – 10)

العبارة الأخيرة... الإحساس بالإنجاز ليس عيبًا. ولا يُنقِصُ إنجاز أحدهم أن آخرا يمارس نفس هذا الإنجاز كنشاط يومي.. في تسلقي شاهدت مجموعة من التيوس بالفعل تمارس نشاطها اليومي وهو صعود نفس الجبل، ولم يشعرني ذلك بأي ضآلة لما نفعل وأفعل. ولم أشعر حتى برغبة في المقارنة لأنني لا أملك حوافر ولا أتغذى على العشب. نحن مجموعة تحدت تركيبتها البشرية ومارست عملًا بغرض الإنجاز، وأنجزناه فيحق لنا الاستمتاع بهذا الإنجاز والفخر به. تماما كأي شخص يحقق إنجاز.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية