منحنى الجرس: لماذا تخلت كبرى شركات التكنولوجيا عن إرث جاك ويلش

ثمة فكرة تغري بصحتها الظاهرة قبل أن يكتشف المرء فداحة خطأ التطبيق الأعمى لها؛ ففي عالم الإدارة، لا تُقاس النظريات بمدى منطقيتها فحسب، بل بمدى مواءمتها لروح العصر. ومن هنا، يبرز اسم «جاك ويلش» المدير التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك فحسب، وصاحب مدرسة إدارية قامت على «منحنى الجرس» الشهير، وهو النظام الذي أحدث ثورة في الثمانينيات ولكنه بات اليوم يواجه محاكمة أكاديمية وعملية شرسة.

من هو جاك ويلش؟ إمبراطور جنرال إلكتريك

يُعد جاك ويلش (Jack Welch) واحدًا من أبرز وأكثر القادة الإداريين إثارة للجدل في القرن العشرين، فهو تولى رئاسة شركة جنرال إلكتريك (GE) بين عامي 1981 و2001، وخلال هذه الفترة حقق طفرة مالية هائلة، حيث ارتفعت القيمة السوقية للشركة من 12 مليار دولار إلى أكثر من 400 مليار دولار.

يُعد جاك ويلش واحدًا من أبرز وأكثر القادة الإداريين إثارة للجدل في القرن العشرين

عُرف جاك ويلش بلقب «نيوترون جاك» (Neutron Jack)؛ تشبيهًا له بالقنبلة النيوترونية التي تقتل البشر وتترك المباني قائمة، وذلك بسبب قراراته الصارمة في تسريح آلاف الموظفين وإغلاق المصانع غير المربحة في بداية عهده، وكان يتبنى قاعدة صارمة تنص على أن أي قطاع داخل الشركة يجب أن يكون «الأول أو الثاني» في مجاله عالميًّا، وإلا فإنه يقوم بإصلاحه، أو بيعه، أو إغلاقه تمامًا.

ابتكر نظامًا لتقييم الأداء يُجبر المديرين على تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات: (20% متفوقون، 70% متوسطون، 10% ضعاف الأداء)، مع الإصرار على فصل الـ 10% الأخيرة سنويًّا، و كان من أشد المتحمسين لتطبيق معايير الجودة الصارمة «سيجما 6» في كافة عمليات التصنيع والإدارة، مما قلل الأخطاء ورفع الكفاءة الإنتاجية بشكل غير مسبوق.

فلسفة «منحنى الحيوية»: نظام 20-70-10

جاك ويلش، ذلك الرجل الذي تسلَّم قيادة شركة جنرال إلكتريك عام 1981 ليُحوِّلها في عشرين عامًا من شركة صناعية تقليدية إلى إمبراطورية قيمتها السوقية تجاوزت 400 مليار دولار، كان يحمل عقلًا يُغري بالإعجاب، لكنه كان يحمل معه أيضًا أدوات إدارية طُبعت بطابع زمانها ومكانها وشرطها الحضاري.

فمنهجه في تقييم الموظفين، الذي صك له اسم «منحنى الحيوية»، أو ما باتت تعرفه أدبيات الإدارة الحديثة بمبدأ 20-70-10 وبنظام «الترتيب والطرد»، كان في جوهره خطابًا مُحكمًا يقوم على فلسفة التمييز الأدائي، وهي فلسفة براغماتية صارمة تقول: لا يستوي من يُنتج ومن يُقصِّر، وعلى الشركات التي تريد البقاء أن تُكافئ الأول وتُجاهر بإقصاء الثاني.

غير أن هذه الفلسفة، بكل ما فيها من قسوة جذابة وحسم عملي، إنما وُلدت في رحم بيئة مُعينة لها خصائصها ومتطلباتها، وحين نسألها أن تعمل في غير تربتها، فقد نكون أمام واحدة من أخطر حالات زرع العضو في جسد يرفضه.

الفكرة في عمقها تبدو منطقية إلى حدِّ الإغراء، ويلش ذهب في كتابه Winning الصادر عام 2005 إلى أن أي شركة، إذا أرادت أن تحلِّل نفسها بصدق، فستجد أن قوتها البشرية تتوزع تلقائيًا وفق التوزيع الطبيعي، أو ما يُعرف بـ«منحنى الجرس» وهي كالتالي:

1. نسبة عشرين بالمئة من موظفيها هم الأكثر إنتاجية وريادة، يُشكِّلون ما أطلق عليه «اللاعبون من الفئة A»، وهم الذين يملكون روح نقل الطاقة إلى من حولهم، ولهم من الحسم ما يكفي لاتخاذ القرارات الصعبة، والقدرة على تنفيذ ما يُقررون، وهم في نظر ويلش كنوز يجب أن تُصان بالمكافآت وخيارات الأسهم وفرص الترقي والاعتراف الصريح.

2. ثم تأتي نسبة السبعين بالمئة في الوسط وهم «اللاعبون من الفئة B»، وهؤلاء العمود الفقري الحقيقي للشركة ومصدر استقرارها التشغيلي، وعليهم يُصرف الاستثمار في التدريب والتطوير لأن كثيرين منهم قادرون على الانتقال إلى الفئة الأولى.

3. وأخيرًا الشريحة التي أثارت العالم من حوله: العشرة بالمئة في الأسفل، «اللاعبون من الفئة C»، الذين رأى ويلش أن إبقاءهم في شركته ليس رحمة بهم بل ظلم مضاعف، ظلم للشركة التي تدفع من مواردها لمن لا يُضيف، وظلم للموظف نفسه الذي تُبقيه في مكان لن ينجح فيه بدلًا من أن تُرسله مبكرًا ليجد مكانًا يستطيع أن يتنفس فيه.

ويُعزز ويلش موقفه بحجة أخلاقية لافتة: إن احتفاظك بضعيف الأداء وهمًا للاستمرار هو في حقيقته قسوة مؤجلة لأن مآله التشريد في مرحلة أصعب من عمره، في حين أن الإقصاء المبكر الصريح الموضوعي يفتح أمامه أبوابًا بديلة وهو لا يزال قادرًا على الانطلاق.

التشقق في جدار «منحنى الجرس»

لكن هذه البنية المنطقية تقوم على مسلَّمات قبلية لا تتزحزح، ومن أمسِّها بالموضوع أن يكون التقييم موضوعيًا وبمعايير مُعلنة ونزيهة، ومن هذه النقطة تبدأ رحلة التشقق الأولى. حتى في البيئات الغربية المتقدمة، التي تمتلك من المؤسسات المستقلة وآليات الرقابة والمساءلة ما يجعل ظلم الفرد أمرًا قابلًا للطعن والمراجعة القضائية.

ولذلك لم يُسلِّم الأكاديميون والمنظِّرون بصحة هذا النهج، فقد نشر إدوارد لولر الثالث، أستاذ الإدارة في جامعة جنوب كاليفورنيا وأحد أبرز خبراء إدارة الأداء، في مجلة Strategy Business دراسته الشهيرة «The Folly of Forced Ranking» معلنًا بصراحة أكاديمية نادرة أن التصنيف القسري في جوهره أداةٌ لقياس التنافسية النسبية بين الأفراد لا قياس الأداء الحقيقي، وأنه ينشئ حرب الكراسي داخل الفِرق ويُدمِّر مبدأ التعاون المؤسسي ويُفضي حتمًا إلى ما وصفه بـ«الاحتكار المعلوماتي»، حين يُحجم الموظف المتميز عن مشاركة معرفته مع زملائه حرصًا على تحسين موقعه النسبي في التصنيف على حسابهم.

وكتب جوش بيرسين، الباحث والمستشار الإداري الأمريكي البارز ومؤسس مجموعة بيرسين للأبحاث، مقاله الثقيل في مجلة Forbes عام 2014 تحت عنوان صارخ: «The Myth of the Bell Curve»، ليُثبت من خلال تحليل بيانات واسعة النطاق أن الأداء البشري في المؤسسات الحديثة لا يتوزع على هيئة منحنى جرس متناسق، بل على هيئة «منحنى الطاقة».

لماذا يفضل الخبراء «منحنى الطاقة» حاليًا؟

يعد «منحنى الطاقة» (Power Law Distribution)، أو ما يُعرف أحيانًا بـ«توزيع لونغ تيل»، البديل العلمي والواقعي الذي طرحه الباحث جوش بيرسين وغيره من علماء الإدارة لتقويض فكرة «منحنى الجرس» التقليدية لجاك ويلش.

مفهوم منحنى الطاقة (الأداء الفائق)

خلافًا لمنحنى الجرس الذي يفترض أن أغلب الموظفين «متوسطون»، يرى منحنى الطاقة أن الأداء البشري في المؤسسات الحديثة (خاصة القائمة على المعرفة والابتكار) يتبع توزيعًا مختلفًا؛ حيث توجد فئة قليلة جدًا من الموظفين تحقق إنجازات هائلة وفائقة التأثير، بينما يتدرج البقية في مستويات أداء متباينة لكنها لا تتجمع بالضرورة في «الوسط الذهبي».

مفهوم منحنى الطاقة

الفرق الجوهري بين المنحنيين

  1. منحنى الجرس (Bell Curve): يقوم على إجبار المدير على تصنيف أغلب الناس كـ«متوسطين»، مما يظلم المتميزين ويخنق الطموح، ويخلق حالة من التساوي القسري في المكافآت بين من يبذل جهدًا عاديًا ومن يبذل جهدًا متميزًا.
  2. منحنى الطاقة (Power Law): يعترف بأن هناك «نجومًا» (Hyper-performers) يساهمون بنسبة 80% من القيمة المضافة للشركة رغم أنهم يمثلون 20% أو أقل من العدد (قاعدة باريتو)، وهذا المنحنى لا يضع سقفًا للأداء ولا يجبر أحدًا على التواجد في منطقة «المتوسط».

لماذا يفضل الخبراء «منحنى الطاقة» حاليًا؟

تكمن الإشكالية الكبرى في «منحنى الجرس» التقليدي في كونه يرسخ لثقافة الخوف والجمود؛ حيث يخشى الموظف اتخاذ أي خطوات جريئة أو المجازفة بالابتكار لئلا ينتهي به المطاف في فئة الـ 10% الدنيا التي تفرض الإقصاء حتميًّا.

وفي المقابل، يفتح «منحنى الطاقة» آفاقًا غير محدودة للأداء البشري، إذ لا يضع سقفًا للنجاح ولا يشترط وجود ضحية لسقوطها مقابل صعود آخر، مما يجعل المجال مفتوحًا للجميع ليكونوا ضمن الفئة الفائقة، ويحول بيئة العمل من «حرب كراسي» داخلية إلى سباق نحو التميز الجماعي.

من ناحية أخرى، يحقق «منحنى الطاقة» نوعًا من العدالة الواقعية التي تعجز عنها النماذج الإحصائية التقليدية؛ فهو يستوعب الفوارق الجوهرية في الإنتاجية، خاصة في المهن القائمة على المعرفة والإبداع.

فإذا كان المبرمج العبقري أو الباحث المتميز قادرًا على تقديم نتاجٍ يوازي أضعاف ما يقدمه غيره، فإن هذا التوزيع هو الوحيد الذي يعترف بهذا الفارق النوعي ويكافئه، بدلًا من محاولة حشر الجميع قسريًّا في منطقة «المتوسط» الذهبي، وهو ما يعزز مبدأ التعاون المؤسسي ويجعل الفريق ينمو ككتلة واحدة نحو مستويات أداء عالية تمامًا.

التطبيق العملي في الشركات الكبرى

الشركات التي تتبنى هذا المنحنى (مثل جوجل ومايكروسوفت في نسختها الحديثة) تركز على الاستثمار الضخم في النجوم، ليس فقط بالمال، بل بمنحهم الحرية والأدوات، بالإضافة إلى تطوير البقية، فبدلاً من طرد الفئات الأقل، يتم البحث عن مكامن «الطاقة» لديهم لنقلهم لمستويات أعلى.

الخلاصة: إذا كان منحنى جاك ويلش (الجرس) هو أداة «المصانع» في الثمانينيات لضبط الكفاءة، فإن منحنى الطاقة هو أداة «عصر المعرفة» لتحفيز العبقرية والنمو غير المحدود.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.