كيف ظهرت ثورة يوليو في الرواية؟ 5 أعمال مصرية تجيبك

مثّلت ثورة يوليو 1952 محورًا رئيسيًا في الرواية المصرية؛ إذ تناولت أعمال مثل «رد قلبي» و«في بيتنا رجل» و«غروب وشروق» التحولات الاجتماعية والسياسية قبل الثورة وبعدها، بينما قدّمت «الكرنك» نقدًا لممارسات السلطة في العهد الناصري، لتوثق هذه الروايات اختلاف الرؤى بين الاحتفاء بإنجازات الثورة ومراجعة آثارها على المجتمع المصري.

تلك الثورة التي قام بها الضباط الأحرار للتخلص من الحكم الملكي في مصر عام 1952، والتي حظيت بمساندة شعبية كبيرة، كان لها تأثير كبير في الأدباء الذين اندفعوا للكتابة عن تفاصيل ثورة 23 يوليو، وعن أحوال البلاد قبل 1952، وكيف تغيَّرت بعد قيام الثورة، وهو ما ظهر في كثير من الروايات الشهيرة التي تحوَّل بعضها إلى أفلام سينمائية.

ورغم أن كثيرًا من الأدباء قد انتقدوا الثورة بعد ذلك، أو على الأقل انتقدوا أفعال رجال الثورة، فإن الروايات التي كُتبت بعد قيام الثورة حملت كثيرًا من المشاعر الصادقة والآمال في تغييرات هائلة في المجتمع المصري، وجعلت هذه الروايات تصنع حالة ذات متعة وحميمية كبيرة لدى القراء.

في هذا المقال نشير إلى بعض الأعمال الروائية التي تناولت ثورة 1952، ورصدت التغيرات التي شهدها المجتمع المصري، وتوضح الفوارق الكبيرة بين الحال قبل الثورة وبعدها، والتي يعدها كثيرون ضمن أفضل الروايات عن تاريخ مصر الحديث.

رواية (في بيتنا رجل)

في عام 1957 وبعد ثورة يوليو بخمس سنوات صدرت رواية (في بيتنا رجل) للكاتب المصري إحسان عبد القدوس، وحققت نجاحًا كبيرًا وانتشارًا هائلًا، وكانت إحدى المحطات الفارقة في تاريخ إحسان عبد القدوس، ووضعته بين أكبر أسماء الكُتاب والروائيين في مصر والعالم العربي.

اختار إحسان عبد القدوس في روايته (في بيتنا رجل) أن يرصد ما قبل قيام ثورة 1952 بذكاء شديد، ليُوضح للمتلقي كيف كانت مصر، وكيف كانت الأحوال السياسية في البلاد، ويدع القارئ يقارن بنفسه بين ما كان وما هو كائن في جو من التعقيد المليء بالإثارة والرومانسية والمغامرة.

وتتناول الرواية، التي تحولت بعد ذلك إلى فيلم سينمائي ناجح، قصة أحد الطلاب الجامعيين الذين يشاركون في المظاهرات والحركات الطلابية، ويغتال رئيس الوزراء المتعاون مع قوات الاحتلال الإنجليزي، وينخرط بعدها في مجموعة من الأحداث التي تجبره على الهرب والعيش في منزل أسرة بعيدة تمامًا عن السياسة، فتحتضنه هذه الأسرة، وتعاني وتدفع ثمن هذا الاحتضان، حيث الجميع متورطون في هذه الحالة التي تعيشها البلاد والتي يجب أن تتغير.

رواية (غروب وشروق)

تأتي رواية (غروب وشروق) ضمن أهم الأعمال التي كُتبت بعد ثورة 1952، والتي كتبها اللواء أركان حرب (جمال حماد) أحد أعضاء حركة الضباط الأحرار، وأحد الذين شاركوا في ثورة يوليو 1952، وهو كاتب بيان ثورة 23 يوليو، وأُطلق عليه مؤرخ الثورة.

تتناول الرواية المدة القصيرة التي سبقت ثورة يوليو في عام 1952، والتي تركزت فيها الأحداث على الفساد السياسي من خلال قصة ابنة عزمي باشا، رئيس البوليس السياسي، والتي تعيش حياتها بمنتهى الحرية ودون أي ضوابط أخلاقية، تحت غطاء من الحماية الكبيرة التي يوفرها منصب والدها، الذي يفعل كل ما يحلو له في البلاد. حتى إنها تتورط في خيانة زوجها مع صديقه، وهو ما يؤدي إلى قتله عن طريق رجال والدها عزمي باشا، رئيس البوليس السياسي.

وتتطور أحداث الرواية، حيث نرى أصدقاء الزوج القتيل الذين كانوا غارقين في الملذات وبعيدين تمامًا عن المشاركة السياسية ينضمون للمقاومة ويعملون على فضح جرائم عزمي باشا، حتى وصلوا إلى الإطاحة به من السلطة وسجنه بالطريقة نفسها التي كان يلفق بها القضايا للأبرياء. ونرى من خلال الرواية ملامح حركات المقاومة، وعلامات الأمل في تغيير الأحوال وانتهاء النظام الملكي في مصر.

تحولت رواية (غروب وشروق) إلى فيلم سينمائي عام 1970، وعُدَّ ضمن أفضل 100 فيلم مصري في التاريخ، ولاقى نجاحًا كبيرًا، كما لاقت الرواية نجاحًا وانتشارًا كبيرًا، وعُدَّت من أهم الأعمال الروائية المصرية على الإطلاق.

رواية (صح النوم)

رواية الكاتب المصري الكبير يحيى حقي، التي يمكن اعتبارها مجموعة من القصص الصغيرة تدور في نسيج واحد في إحدى قرى الريف المصري، كتبها يحيى حقي بعد أحداث ثورة 1952 ونشرها في كتابين هما (كتاب الأمس) و(كتاب اليوم).

ورغم أن رواية (صح النوم) تُعد من الأعمال الرمزية التي تحمل كثيرًا من الفلسفة، وتحتاج إلى قارئ مبدع من أجل التعامل معها، فإنها حققت نجاحًا كبيرًا، وكتب عنها كثير من النقاد، بمن فيهم الدكتور طه حسين.

ويحق لي أن أقول إن الكاتب قد كتب رواية (صح النوم) بشكل أشبه بكتابة اليوميات، ووضع نفسه موضع الراوي الذي يعرف كل شيء في القرية، والتي كانت بدورها رمزًا لمصر، وأطلق الأحكام دون أن يعتمد على الأحداث والتطورات والصراعات داخل الرواية، وجعل الرواية تنقسم إلى زمنين، وبينهما حد فاصل، مصر قبل الثورة، ومصر بعد الثورة. وفي الرواية كان الحد الفاصل هو إنشاء محطة للسكك الحديدية تمر بها القطارات.

وهكذا تغير حال القرية بعد إنشاء محطة السكة الحديد، كما تغيرت أحوال مصر بعد قيام الثورة، وأصبحت على الطريق حيث تمر بها القطارات ذهابًا وإيابًا، وهو ما وصفه كثير من النقاد والمبدعين بأنه طرح شديد الرمزية والفلسفة والتعقيد، إلا إنه يمثل جانبًا من جوانب رؤى الأدباء وأطروحاتهم حول ثورة يوليو عام 1952.

رواية (الكرنك)

أما الكاتب العالمي نجيب محفوظ، فقد كانت له عدة روايات تناولت ثورة يوليو التي كان مؤيدًا لها في البداية، لكنه انتقد كثيرًا من مظاهرها بعد ذلك في أعماله وحتى في آرائه المعلنة ومقالاته الصحفية التي كتبها.

وتُعد رواية الكرنك التي كتبها نجيب محفوظ في بداية السبعينيات، ولم تُنشر إلا عام 1974 بسبب المناخ العام، من الروايات التي انتقدت العهد الناصري وممارسات رجال الثورة في الفترة ما بين عام 1967 وعام 1973، وتحولت إلى فيلم سينمائي عام 1975 بعد نجاحها الكبير.

وتدور أحداث رواية الكرنك حول مجموعة من رواد مقهى شعبي في وسط القاهرة يسمى الكرنك، وكيف يعانون من الاستبداد والظلم من قبل الأجهزة الأمنية التي كانت تسيطر على البلاد في فترة حكم جمال عبد الناصر، والتي كانت قائمة على الفساد، وهو ما يظهر في اعتقال الطلاب دون سبب واضح والعديد من مظاهر التعذيب داخل المعتقلات.

ونشاهد في مقهى الكرنك مجموعة من المثقفين والمفكرين الذين يتحدثون عن الثورة وينتقدون أخطاءها، وتدور بينهم نقاشات قوية يطرح من خلالها الكاتب الآراء المختلفة التي تمثل الأطياف الفكرية المتباينة في الشعب المصري في ذلك الوقت، وموقفهم من ممارسات رجال الثورة.

وقد واجهت الرواية كثيرًا من الهجوم والنقد من قبل الناصريين، لكن نجيب محفوظ اعتبر أن مهمة الأدب هي التعبير عن الواقع وليس تزييفه، وأن الثورة التي حملت آمال المصريين في التغيير يجب أن تتحمل النقد حتى يمكن تصحيح الأوضاع في السنوات التالية.

رواية (رد قلبي)

تُعد رواية (رد قلبي) للكاتب الكبير يوسف السباعي هي العمل الأهم الذي تحدث عن ثورة يوليو من وجهة نظر مؤيدي الثورة الذين أطلقوا عليها أيقونة ثورة يوليو، فقد أظهرت الرواية ثورة يوليو باعتبارها حلمًا رائعًا تحقق للمصريين.

وجاءت رواية (رد قلبي) التي صدرت عام 1955 وتحولت بعدها بعامين إلى فيلم سينمائي ناجح لتجسد حال الطبقية والإقطاع في مصر قبل الثورة، وكيف يظهر ذلك في العلاقات الإنسانية، حيث بطل الرواية ابن الفلاح الفقير الذي يقع في حب الأميرة الجميلة ابنة الباشا وصاحب الأراضي والممتلكات، وكيف يكون الارتباط بينهما مستحيلًا رغم تفوق ابن الفلاح ووصوله إلى أن يكون ضابطًا في الجيش المصري.

وتنتهي الرواية بقيام ثورة يوليو ومساندة الشعب المصري ومباركته للضباط الأحرار، وكيف تحقق الحلم وارتبط ابن الفلاح الفقير بالأميرة الجميلة بعد زوال الطبقية والفروق في الجمهورية الجديدة.

وهكذا كانت الأعمال متباينة في رصد ثورة يوليو عام 1952، وفي الطرح الفني والأدبي للآراء والأفكار التي تحملها هذه الروايات، وهو ما خلق حالة من الزخم والثراء التي صبت في مصلحة القارئ.

وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

في الختام، يتبين لنا أن ثورة يوليو 1952 كانت زلزالًا اجتماعيًا وفكريًا أعاد تشكيل وجدان المبدعين المصريين. وبتنوع الرؤى بين صفحات "رد قلبي" التي احتفت بالخلاص من الإقطاع، و"الكرنك" التي واجهت ممارسات الاستبداد بشجاعة، يظل الأدب الروائي هو المرآة الأصدق التي حفظت تاريخ مصر الحي بعيدًا عن جفاف كتب التاريخ التقليدية؛ ليترك للمتلقي مساحة حرة للقراءة والمقارنة واستخلاص العبر.

أيّ من هذه الروايات الخمس قرأتها أو شاهدت فيلمها السينمائي؟ وهل ترى أن الأدب نجح في نقل الواقع المصري بإنصاف؟ لا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من عشاق الأدب والسينما لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة