ثورة الملاكمين.. انتفاضة الصين ضد النفوذ الغربي (1899-1901)

ثورة الملاكمين أو ما يُعرف عالميًا بـBoxer Rebellion، فصل عنيف ومحوري في تاريخ الصين الحديث، لم تكن تمردًا فقط بل كانت الثورة الصينية ضد الأجانب التي عكست عقودًا من الغضب الشعبي ضد الاحتلال الأجنبي في الصين والنفوذ المتزايد للقوى الغربية.

هذا المقال يستعرض تاريخ ثورة الملاكمين بالتفصيل، من جذورها وأسبابها، مرورًا بأحداثها الدامية، وصولًا إلى نتائجها التي ساهمت في تغيير وجه الإمبراطورية الصينية إلى الأبد.

قد يبدو مصطلح ثورة الملاكمين غريبًا إلى حد ما، لكن الأحداث كانت أكثر غرابة في تمردٍ مثل نقطة مفصلية في تاريخ الصين الحديث، حينما قامت جماعة يطلق عليها (الملاكمون) بثورة أدَّت إلى احتلال العاصمة الصينية، ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين العزَّل. فكانت (ثورة الملاكمين) هي القشة التي أدت إلى نهاية عهد الإمبراطورية الصينية بعد 2000 عام من الازدهار والصعود.

فما ثورة الملاكمين؟ كيف بدأت ثورة الملاكمين ولماذا اندلعت؟ وكيف تصاعدت الأحداث حتى قُتل 30 ألف مسيحي، وحصار العاصمة الصينية، وكثير من الإجراءات الحادة التي أدت في النهاية إلى سقوط الإمبراطورية الصينية؟ سنناقش كل هذه التفاصيل في السطور التالية.

أسباب ثورة الملاكمين

لفهم أسباب اندلاع ثورة الملاكمين في الصين، يجب النظر إلى حالة الإمبراطورية في أواخر القرن التاسع عشر، لا شك أن الإمبراطورية الصينية شهدت قرونًا طويلة من الازدهار والتفوق، وعاشت أيامًا رائعة، وقدَّمت للعالم اكتشافات هائلة مثل البارود والورق والأنظمة الحكومية. لكنها أيضًا شهدت كثيرًا من الحروب الأهلية والصراعات والمجاعات، وهي الأمور التي كانت تحت سيطرة مجموعة من السلالات الحاكمة التي كان آخرها سلالة تشينغ.

الغريب في الأمر أن الإمبراطورية الصينية لم تكن تختلط بالعالم الخارجي كثيرًا إلا بواسطة بعض القوافل التجارية التي كانت تخرج من الصين، ولم تكن تستقبل كثيرًا من التجار، فقد كان الصينيون دائمًا مؤمنين بأنهم لا يحتاجون إلى أحد، وبذلك فهم لا يرغبون في الاتصال الخارجي. وفي ذلك الوقت، وصلت قارة أوروبا إلى أفضل عصورها ما بين عصر النهضة وعصر التنوير وعصر ما بعد الثورة العلمية، حتى وصلت إلى قمة التقدم العلمي والحضاري في القرن التاسع عشر.

وكان من الطبيعي أن توجه قارة أوروبا أنظارها نحو السوق الآسيوي الكبير الذي استفادت منه أوروبا كثيرًا، لكنها نظرت إليه بعين الاستعمار والرغبة في الحصول على المزيد. فعلى سبيل المثال، كانت بريطانيا تستورد الحرير والشاي من الصين في القرن الثامن عشر، لكنها لم تكن تصدر أي شيء إلى الصين، وهو ما أدى إلى خلل كبير في الميزان الاقتصادي التجاري.

وعندما قررت بريطانيا أن تتدخل في الصين، كان التدخل عن طريق استخدام مخدر الأفيون الذي زرعته بريطانيا في البنغال وهرَّبته إلى الصين بمساعدة بعض التجار؛ وهو ما تسبب في قلق كبير للحكومة الصينية، وأدى إلى أن الإمبراطور الصيني أرسل إلى الملكة فيكتوريا يطلب منها وقف تجارة الأفيون.

ساعد التدهور الاقتصادي بسبب المجاعات والجفاف وفساد المحاصيل على تكوين بيئة مناسبة لقيام جماعات سرية متطرفة

اتخذت الصين إجراءات قوية ضد كل من يحمل الأفيون، وكل من يتاجر في المخدرات، حتى في حالات التعاطي وصل الأمر إلى أحكام الإعدام، وقامت السلطات الصينية بإحراق كميات كبيرة من الأفيون، وهو ما جعل بريطانيا تتدخل عسكريًا في الصين، وهو ما عُرف بعد ذلك بحرب الأفيون، التي انتصرت فيها بريطانيا على الصين، وأرغمتها على فتح الموانئ وبسطت يديها على هونغ كونغ، وكان هذا بداية التدخل الأجنبي في الصين الذي أشعل فتيل الغضب.

وفي تلك المدة، خسرت الصين سيطرتها على المناطق الآسيوية عندما هُزمت في الحرب الصينية اليابانية في نهاية القرن التاسع عشر، وتنازلت الصين أيضًا عن شبه الجزيرة الكورية لمصلحة اليابان، وهو ما أدى إلى تغيير كبير في شكل الإمبراطورية الصينية العظيمة التي صارت تحت سيطرة الدول الأوروبية من ناحية، واليابان من ناحية أخرى، والولايات المتحدة من ناحية ثالثة. وكان للأمر آثار وتداعيات داخلية في صورة سخط عام من الشعب الصيني.

أحداث ثورة الملاكمين

كانت الأحداث المتتالية سببًا للغضب الشعبي الصيني ضد الأجانب، وهو الأمر الذي انسحب إلى المسيحيين الصينيين، خاصة مع تزايد نشاط الإرساليات التبشيرية في الصين، فقد عدَّهم الشعب الصيني عملاء للغرب وخونة للبلاد. وساعد التدهور الاقتصادي بسبب المجاعات والجفاف وفساد المحاصيل على تكوين بيئة مناسبة لقيام الجماعات السرية والمتطرفة، وكان أبرزها جماعة (القبضات الصالحة) التي أطلقت على نفسها بعد ذلك اسم (الملاكمون) وكان اسمها الرسمي جمعية القبضة الصالحة والمتناغمة.

كان الملاكمون في الأساس جماعة دينية تطالب بمنع دخول الأجانب إلى البلاد، وعودة الصين إلى عزلتها مرة أخرى، بالإضافة إلى الحفاظ على التقاليد الصينية القديمة. وجاء اسم (الملاكمون) بسبب اهتمام هذه الجماعات بالفنون القتالية، واستخدامها في الاستعراضات العامة التي أعجبت الناس كثيرًا.

ومع الوقت زاد نفوذ الجماعة، وزاد عدد أفرادها، واستغلوا الظروف التي تمر بها البلاد، فاستهدفوا العاطلين عن العمل والأشخاص الذين ينتقدون الحكومة، لكن الجماعة لم تكن تعمل ضد الحكومة الصينية، بل على العكس كانت الإمبراطورة الصينية في ذلك الوقت تساندهم بصورة غير رسمية؛ ما جعلهم يستغلون هذا الأمر ويرفعون شعار مساعدة الإمبراطورة وتدمير الأجانب.

دور الإمبراطورة تسي شي في ثورة الملاكمين

في الوقت نفسه الذي بدأت فيه (جماعة الملاكمين) تكسب أرضًا جديدة كل يوم بين الشعب الصيني، كان المبشرون الأوروبيون يمارسون كثيرًا من التجاوزات تحت حماية السلطة المطلقة التي حصلوا عليها من حكوماتهم؛ وهو ما جعل كثيرًا من الصينيين يدخلون المسيحية من أجل الحصول على الامتيازات اللاحقة.

بدأت (جماعة الملاكمين)  في مهاجمة المسيحيين الصينيين وتدمير الكنائس واتجهوا الى العاصمة بكين

وحينئذ بدأت (جماعة الملاكمين) في مهاجمة المسيحيين الصينيين وتدمير الكنائس، واتجهوا الى العاصمة بكين، ودخلوا أيضًا مدينة تيانجين التي كانت مقرًا لبعض البعثات الأجنبية وسفارات الدول، إضافة إلى كونها تحت سيطرة اليابان. وفي طريقهم هاجموا كلًا من المسيحيين الصينيين والأجانب، ودمَّروا السكك الحديدية، والغريب أنهم حظوا بتأييد شعبي كبير، وكانت أعدادهم تزداد في الطريق.

ويجب ألا نغفل أن الإمبراطورة الصينية الأرملة تسيشي كانت تساند الملاكمين، وتحاول استغلالهم في التخلص من النفوذ الأجنبي. وعلى الرغم من أن مساندة الملاكمين تعد أمرًا شديد الخطر؛ فإن الإمبراطورة الصينية كانت تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف، فقد كانت تساند (جماعة الملاكمين) سرًا، وتقف في صف البعثات الأجنبية على الصعيد الرسمي، وهذا يوضح العلاقة بين سلالة تشينغ وثورة الملاكمين بأنها كانت علاقة معقدة ومتذبذبة.

حصار بكين 1900.. القتال في الحي الدبلوماسي

كانت مدينة بكين العاصمة الصينية التي تحتضن مقر البعثات الأجنبية، ويجتمع فيها السفراء الذين طلبوا الحماية من الإمبراطورة الصينية في مايو عام 1900 عندما كان الملاكمون يستعدون لاقتحام المدينة. وافقت الإمبراطورة على قدوم قوات أجنبية، فوصل إلى بكين 400 جندي أجنبي من الأساطيل المتمركزة بالقرب من الصين، في انتظار وصول قوات أخرى.

أما (جماعة الملاكمين) فقد قاموا بأعمال تخريب واسعة، وقتلوا أعدادًا كبيرة من الأجانب، وقطعوا الطرق أمام التعزيزات، ودمَّروا خطوط السكك الحديدية، واغتالوا السفير الياباني؛ وهو ما دفع السفير البريطاني المذعور إلى جمع أكثر من 2000 جندي أجنبي لحمايته، لكنهم لم يصلوا إلى مدينة تيانجين التي يوجد بها السفير نتيجة قطع السكك الحديدية وحدوث مناوشات مع جماعة الملاكمين؛ ما أدى إلى انسحابهم.

وحينئذ بدأ التحول الغريب في الموقف الرسمي لإمبراطورة الصين التي عقدت اتفاقًا مع (جماعة الملاكمين) ضد القوات الأجنبية، وأعلنت رسميًّا الحرب على كل الدول الغربية، وأخبرت السفراء والرعايا الأجانب بضرورة مغادرة البلاد في خلال مدة قصيرة، إضافة إلى مغادرة البعثات الدبلوماسية خلال 24 ساعة.

وصلت القوات الدولية المشتركة التي تمثل تحالف 8 دول "التحالف الدولي ضد الملاكمين" وسحقوا المقاومة الصينية

ومع رفض أو عدم استطاعة البعثات الدبلوماسية مغادرة البلاد بعد 24 ساعة، فتحت القوات الصينية نيرانها على مقرات البعثات الأجنبية، وهو ما أدى إلى مقتل السفير الألماني، وفُرض الحصار على مدينة تيانجين، وبدأ الحصار والقتال في دار المفوضيات ببكين خلال الثورة، وشهد الأجانب والمسيحيون فصولًا من التهديد والرعب في انتظار المساعدة.

وفي أثناء الحصار الذي استمر 55 يومًا، كانت هناك مجموعة من قطاعات الجيش الصيني رفض قادتها المشاركة في الهجوم، وأعلنوا عصيانهم ضد الإمبراطورة، في حين أعاق البعض الآخر الهجوم وماطلوا في تنفيذ الأوامر، وهم القادة الذين كان لهم الفضل الكبير في إنقاذ أرواح المدنيين والأجانب في هذه المغامرة الخيالية.

وبعد 55 يومًا، وصلت القوات الدولية المشتركة التي تمثل تحالف 8 دول، فيما يُعرف بالتحالف الدولي ضد الملاكمين، وكان عددها نحو 50 ألف مقاتل معظمها من روسيا والهند البريطانية واليابان، وهي الدول القريبة من الصين، فقامت القوات المشتركة بسحق المقاومة الصينية وإسقاط المدن سريعًا، حتى وصلت القوات إلى مدينة بكين يوم 14 أغسطس عام 1900.

نتائج ثورة الملاكمين على التاريخ الصيني

انتهت ثورة الملاكمين التي تشبه أحد أفلام السينما الخيالية، وكان دور القوى الأجنبية في قمع ثورة الملاكمين حاسمًا، وهو ما أدى إلى هروب العائلة الإمبراطورية من العاصمة قبل وصول القوات المشتركة.

وهرب أيضًا معظم القادة الكبار والمسؤولين الحكوميين وقادة الجيش، وتولى الدفاع عن العاصمة مجموعة كبيرة من جماعة الملاكمين ومعهم مجموعة من جنود الجيش الصيني، لكن القوات المشتركة سحقت هذه المقاومة.

وكما فعل الملاكمون فعلت القوات الأجنبية المشتركة، فقد قامت بحملة انتقامية شرسة تضمنت أعمال النهب والسلب والتخريب في المدينة، إضافة إلى عمليات الإعدام الجماعي وجرائم الاغتصاب؛ وهو ما أدى إلى مزيد من أعداد القتلى ومزيد من الخسائر المادية والبشرية نتيجة ثورة الملاكمين وما بعدها.

وصل عدد القتلى منذ بداية ثوره الملاكمين حتى انتهاء الأحداث تمامًا إلى 100 ألف شخص مدني، من بينهم نحو 30,000 مسيحي صيني، ولم ينتهِ القتال سريعًا بل استمر عدة أشهر في أرجاء الصين حتى تم القضاء تمامًا على جماعة الملاكمين، واستمر احتلال العاصمة الصينية لنحو عام كامل تحت سيطرة القوات الدولية المشتركة.

معاهدة بوكسر بروتوكول والعقوبات

كيف انتهت ثورة الملاكمين؟ في 7 سبتمبر عام 1901 تم توقيع معاهدة عُرفت باسم معاهدة الملاكمين، أو بروتوكول بوكسر (Boxer Protocol) التي كانت نهاية للصراع وبداية لكثير من الخسائر الصينية والتعويضات التي يجب أن تقدمها الصين للدول الأوروبية، فقد تقرر دفع 330 مليون دولار تعويضًا عما حدث، إضافة إلى منع تصدير الأسلحة إلى الصين لمدة عامين، وتدمير كل التحصينات الموجودة حول العاصمة الصينية.

وضمت المعاهدة بنودًا تفرض بقاء بعض القوات الأجنبية من أجل حماية البعثات الأجنبية في الصين. ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، وإنما أُعدمت أعداد كبيرة من المسؤولين الصينيين، وكان بينهم عدد من الأمراء، لكن الحكومة الصينية تراجعت ورفضت أحكام الإعدام، وهو ما أدى إلى جولة جديدة من المفاوضات للوصول لعقاب مناسب.

وعلى الرغم من انتهاء ثورة الملاكمين؛ فإن أثرها لم ينتهِ، فقد أصبحت الصين بعد تلك الأحداث في حالة يُرثى لها، وفقد الشعب الصيني احترامه وتقديره التاريخي للحكومة الصينية وللأسرة الحاكمة.

أيضًا أدخلت التعويضات الصين في موجة طاحنة من الأزمات الاقتصادية، على الرغم من المحاولات المستمرة للإصلاح والتطوير؛ وهو ما أدى في النهاية إلى انتهاء حكم سلالة تشينج بعد 250 عامًا، وشهد عام 1911 قيام الثورة الصينية التي أسست لقيام الجمهورية الجديدة، ونهاية عهد الإمبراطورية الذي حكمت البلاد أكثر من ألفي عام، وهكذا كان أثر ثورة الملاكمين في العلاقات الصينية الغربية وفي الداخل الصيني عميقًا وممتدًا.

ما هي نتائج ثورة الملاكمين على الصين؟

أدت الثورة إلى فرض تعويضات مالية ضخمة على الصين، ووجود عسكري أجنبي دائم، وإضعاف سلالة تشينغ، ما مهد الطريق لثورة 1911 وسقوط الإمبراطورية.

أدت الثورة إلى فرض تعويضات مالية ضخمة على الصين ووجود عسكري أجنبي دائم وإضعاف سلالة تشينغ

كيف أسهمت ثورة الملاكمين في تكوين القومية الصينية؟

على الرغم من فشلها العسكري؛ فإن انتفاضة الملاكمين أيقظت شعورًا قويًا بالهوية الوطنية والقومية لدى الصينيين، ورفضًا للتدخل الأجنبي، وهو ما أصبح قوة دافعة في الثورات والتغييرات اللاحقة في القرن العشرين.

كانت حرب الملاكمين أكثر من تمرد فاشل؛ لقد كانت صرخة يأس وغضب من أمة عريقة في مواجهة الإمبريالية في الصين. وعلى الرغم من قمعها بوحشية، فإن ثورة الملاكمين في الصين كانت الشرارة التي أدت إلى انهيار آخر السلالات الإمبراطورية، وبداية رحلة الصين الطويلة والمؤلمة نحو بناء هويتها كدولة قومية حديثة.

وفي نهاية هذا المقال الذي تناول (ثورة الملاكمين) وأحداثها الساخنة والغريبة وتوابعها الكارثية على الإمبراطورية الصينية، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.