ثورة المختار الثقفي: بين المظلومية الدينية والبراعة السياسية

بعد موت الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، واستخلاف ابنه يزيد بن معاوية، حدث زلزال في أرجاء الدولة الإسلامية بسبب هذا الأمر؛ لأن توريث الحكم خالف اتفاق معاوية مع الحسن بن علي في عام الجماعة، وهو أن يُترك الأمر شورى بين المسلمين. وظهرت حركات تنادي بإلغاء التوريث والعدول عنه، والرجوع إلى ما كان عليه العهد الماضي، وهو اختيار الخليفة بالشورى.

وكانت أول تلك الحركات حركة الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي كان صادقًا كل الصدق في مبادئه؛ لأن الحسين لم يكن يطمع في الحكم، ولكنه كان يرى ضرورة التمسك بما كان عليه الأوائل في اختيار الحاكم. غير أن جنود يزيد بن معاوية قمعوا تلك المطالب البريئة بأشنع الطرق الممكنة، وهو ما فتح عليه وعلى دولته الكثير من الحركات التي رأت عدم شرعيته في الحكم، وأن نظام التوريث ليس من الإسلام في شيء، وأنه يجب الاجتماع على اختيار الخليفة.

ونتج عن ذلك أن الدولة الإسلامية عاشت حالة من التيه والتمزق السياسي؛ فكانت الحجاز تحت يد عبد الله بن الزبير، وكانت الشام تحت يد الأمويين، في حين كانت العراق ساحة الحرب والغنيمة الكبرى. وفي هذه الأجواء المشحونة بزغ نجم المختار بن عبيد الله الثقفي، بأيديولوجيا وفكر لم تعرفه العرب من قبل.

فمن هو المختار الثقفي؟ وكيف استطاع أن يثب على العراق، وأن يجعل من نفسه قوة تخشى أن تواجهه أيٌّ من الفريقين؟

المختار الثقفي: رحلة البحث عن المجد بين الأمويين والزبيريين

كان المختار ينتمي إلى قبيلة ثقيف من الطائف، وكان انتهازيًا يسعى إلى أهدافه الخاصة. فكما يروي ابن كثير في «البداية والنهاية» أنَّ المختار كان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبًا عليها، فلما دخلها الحسن بن علي أيام الفتنة الكبرى أشار المختار على عمه بتسليم الحسن إلى معاوية، ليكون له حظ لديه، فرفض عمه مشورته.

المختار الثقفي

ثم ارتحل المختار إلى الكوفة بعد ما حدث في العراق واستشهاد الحسين على يد جند يزيد بن معاوية، فتحول موقف المختار وأضحى متشيعًا مواليًا لأهل البيت. فوصل خبره إلى عبيد الله بن زياد، فحبسه وأمر بأن يُجلد مائة جلدة، ولكن استشفع له زوج أخته عبد الله بن عمر بن الخطاب، فخرج من محبسه، وارتحل إلى الحجاز ليبايع عبد الله بن الزبير، وقاتل معه ضد الأمويين، وأعلن صراحة أنه يقف مع الزبيريين في قضيتهم.

وطلب من عبد الله أن يأذن له بالرحيل إلى الكوفة، فأذن له.

وكان المختار صاحب حيلة؛ إذ كان يمدح ابن الزبير في العلن، ويسبه في السر، ويدعو إلى محمد بن الحنفية.

فن اللعب على التناقضات السياسية والاجتماعية

كانت الأوضاع في الكوفة لا توحي بالخير؛ إذ كانت منقسمة على نفسها بين زبيريين، وعلويين، وشاميين. استغل المختار ذلك الانقسام، فظهر في البداية متشيعًا لآل البيت، وأنه يسعى للحصول على حقوقهم التي سُلبت، وبدأ بمحاولة ضم الطبقة الأرستقراطية العربية إلى جانبه، تلك الطبقة التي أُهملت حقوقها وحُرمت من الامتيازات التي كانت تحصل عليها بسبب الأوضاع الراهنة.

ولم يكتفِ المختار بذلك، بل عمل على التقرب من الطبقة الشيعية، إذ أظهر الولاء لمحمد بن الحنفية، وهو الابن الثالث لعلي. فبعث إليه المختار بكتاب يوضح فيه أنه عازم على الأخذ بثأر قتلة الحسين، واتخذ شعارًا: «يا لثارات الحسين».

وعلى الرغم من أن ابن الحنفية لم يُظهر الموافقة المباشرة على ما يقوله المختار، بل صرَّح بأن النصر من عند الله على يد أيٍّ من عباده، فإن المختار استطاع تأويل هذا الموقف لصالحه، وبذلك ملك أفئدة الشيعة والناقمين على الأمويين، وكان منهم إبراهيم بن الأشتر النخعي، الذي مثَّل القوة الضاربة في صفوف المختار.

ولم يكتفِ المختار بذلك، بل أراد توسيع شريحة المؤيدين عبر رفع شعارات اجتماعية، تمثلت في المساواة بين العرب والموالي في الفيء والغنيمة والعطاءات، وحتى في المناصب.

«كرسي المختار» وزعم قتال الملائكة في صفه

واعتمد المختار في دعوته بدرجة كبيرة على الدعاية الدينية، ومحاولة تغليف مشروعه بصبغة دينية واضحة. ومن ذلك تقربه من آل البيت، وكذلك ما يُروى أنه عندما أُسر سراقة بن مرداس، وطلب العفو، وادعى أنه أُسر على يد أحد الملائكة التي تحارب في صف المختار، طلب المختار منه أن يقف على المنبر ويحدث الناس بما رأى. ويروي ابن كثير أن المختار كان يعلم بكذب سراقة، ولكنه أراد تقوية موقفه أمام أنصاره، والظهور بمظهر المؤيد من الله.

دعوة المختار الثقفي

ولم تكتمل فصول الدعاية السياسية والدينية للمختار إلا بظهور ما عُرف بـ«كرسي المختار»، وهو كرسي قديم غلَّفه بالديباج والحرير، وأضفى عليه صبغة قدسية حين ادعى أنه أثر من مقتنيات علي بن أبي طالب، مشبهًا إياه بـ«تابوت السكينة» الذي كان يحمله بنو إسرائيل في حروبهم طلبًا للنصر. وكان يخرجه أمام جيشه في المواقع الفاصلة، يحيطه بالقراء والمنشدين، ليزرع في نفوس أتباعه أن نصرهم سماوي ومؤيد بالملائكة، في مثال واضح على مهارته في تحويل رمز بسيط إلى أداة تعبئة أيديولوجية، رغم ما أثاره ذلك من سخرية خصومه.

«يا لثارات الحسين»: كيف اقتص المختار من قتلة آل البيت؟

استطاع المختار أن يستغل أخطاء أعدائه؛ فلما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية لتأخر بيعته، كتب أهل الكوفة إلى المختار يستنصرونه، ويخبرونه أن ابن الزبير توعدهم بالقتل والحريق. فجمع المختار الشيعة وقرأ عليهم الكتاب، فاشتدت شوكته.

وحققت ثورة المختار نجاحات كبيرة؛ إذ اقتصَّت من قتلة الحسين، وعلى رأسهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسنان بن أنس، وعبيد الله بن زياد. واستولى على العراق، ودخل في صراع مباشر مع الزبيريين.

انشقاق الصفوف والسقوط

وحاول تطبيق شعاراته، خاصة المساواة بين العرب والموالي، لكن ذلك أدى إلى شقاق داخل صفوفه؛ إذ غضبت الشريحة الأرستقراطية العربية، وانضمت إلى مصعب بن الزبير، الذي استطاع في النهاية القضاء على المختار ودولته.

وبذلك يمكن القول إن ثورة المختار كانت أول تجربة سياسية استخدمت المظلومية الدينية والعدالة الاجتماعية أداةً للصراع على السلطة، لكنها سقطت حين اصطدمت بالبنية القبلية التقليدية للمجتمع العربي، التي لم تكن مستعدة لقبول هذا التحول العميق في موازين القوة والامتياز.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.