ثورة القرنفل انقلاب عسكري مخطط له بعناية تحول إلى ثورة شعبية سلمية غيَّرت مجرى التاريخ الأوروبي الحديث، من شوارع لشبونة، حيث وضع المواطنون زهور القرنفل في فوهات بنادق الجنود، إلى تحرير مستعمرات برمتها في إفريقيا وآسيا، كانت هذه الثورة لحظة فارقة أزالت ديكتاتورية استمرت عقودًا وأسست لبرتغال جديدة وديمقراطية.
فما حكاية ثورة القرنفل ولماذا تحرك الجيش وأيده الشعب البرتغالي؟ وما توابع تلك الثورة التي وقعت في 25 إبريل 1974؟ أسئلة ستعرف إجاباتها في هذا المقال الذي يتناول الثورة البرتغالية وكثير من المعلومات والأسرار عن ذلك الحدث الذي غيَّر مسيرة الدولة الأوروبية الكبيرة.
انقلاب عسكري اقترن بثورة شعبية وانتهى الأمر إلى تغيير الحكومة ونظام الحكم، وتغيير عدد من الرؤى الاجتماعية والاقتصادية في البرتغال، ومع ذلك، لم يكن ثمة داعٍ لاستخدام البنادق؛ وإنما حلَّت الزهور محل الرصاصات حين وزَّع الناس القرنفل والورود على أفراد القوات المسلحة، ووضعوها على الدبابات وفي فوهات البنادق، وهو ما أُطلق عليه بعد ذلك «ثورة القرنفل» التي أصبحت عيدًا وطنيًا في البرتغال.
ما قبل ثورة القرنفل
منذ انقلاب عام 1926 الذي أدى إلى تولي الحكم نظام استبدادي في البرتغال، وعلى الرغم من إعادة تكوين الحكومة مرة أخرى عام 1933، فإن البرتغال كانت تعيش أسوأ مراحلها التاريخية؛ إذ كان النظام يعتمد على انتخابات صورية مع انعدام معارضة حقيقية، وهو ما عُرف بمصطلح «Estado Novo» أو الجمهورية الجديدة أو حتى الجمهورية الثانية.
وقد عانى الشعب البرتغالي على مدار سنوات من الأيديولوجيات المحافظة التي تتبنى ما يسمى الديكتاتورية الوطنية على يد رئيس وزراء البرتغال «أنطونيو دو أوليفيرا سالازار» الذي تولى المسؤولية منذ عام 1932 حتى عام 1968، وخلفه مارسيلو كايتانو.

وكانت للجمهورية الجديدة تنتهج الأفكار الاستعمارية القديمة نفسها والسياسات التي تعمل على السيطرة على البلدان الأخرى مثل أنغولا وموزمبيق وأراضٍ أخرى في آسيا، وهو ما يمثل الإمبراطورية البرتغالية في زمن بدأت فيه حركات التحرر في معظم بلدان العالم.
إضافة إلى كل هذا، كانت أحوال المواطن البرتغالي هي الأسوأ في أوروبا على مستوى الدخل والخدمات، كما وصل الأمر إلى تدني كبير في مستوى التعليم حتى إن ثلث البرتغاليين في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة. وبذلك تأخرت البرتغال كثيرًا عن ركب الحضارة الأوروبية ليس فقط على المستوى الاقتصادي، وإنما حتى على المستوى العلمي والاجتماعي.
كذلك، بدأت موارد البرتغال من المستعمرات تقل تدريجيًّا، إذ كان يأتيها الكثير من النفط والقهوة والكاجو والقطن والأخشاب وجوز الهند والمعادن والفواكه والأسماك واللحوم، وهو ما ظهر تأثيره في حياة البرتغاليين في السبعينيات من القرن الماضي، وذلك بعد قيام الثورات وحركات التحرر في تلك الدول.
مقدمات ثورة القرنفل.. غليان داخلي ضد الحروب الاستعمارية
قامت ثورة القرنفل يوم 25 أبريل عام 1974، لكن مقدمات الثورة بدأت قبل ذلك بعدة أشهر. ففي فبراير عام 1974، أُقيل الجنرال «أنطونيو دي سبينولا» من الحكومة على يد رئيس الوزراء «كايتانو»، وذلك بعد عددٍ من مواقف سبينولا التي ظهر منها معارضته للسياسات الاستعمارية، إضافة إلى صدور كتابه «البرتغال والمستقبل» الذي رفض فيه السياسة الاستعمارية للبرتغال.
إضافة إلى ذلك، فقد زادت نسبة الضباط العسكريين الرافضين للحروب الاستعمارية، وهو ما مهد لتكوين حركة من هؤلاء الضباط للإطاحة بالحكومة البرتغالية، وهو ما حدث فعلًا يوم 25 أبريل عام 1974 بعد إذاعة الإشارة السرية المتفق عليها في الإذاعة التي كانت أغنية بعنوان «المدينة الداكنة».
تفاصيل يوم 25 إبريل 1974.. ولادة ثورة القرنفل
تحركت القوات المسلحة من أجل السيطرة على النقاط الإستراتيجية في البلاد في الساعة 12:20 صباحًا، وفي غضون ساعات قليلة، كانت القوات المسلحة قد سيطرت على المناطق الإستراتيجية، واستسلمت الحكومة البرتغالية بقيادة كايتانو لطلبات حركة القوات المسلحة، وهو ما تزامن مع نزول الآلاف من البرتغاليين إلى الشوارع من أجل دعم القوات المسلحة والإطاحة بالحكومة. وعلى الرغم من النداءات المتعددة لقادة القوات المسلحة إلى البقاء في المنازل، فإن الشعب البرتغالي كان يعبر عن فرحته ورغبته الكبيرة في تغيير الأوضاع.
ومع السيطرة على الأمور سريعًا، بدأ بعض المواطنين يضعون نبات القرنفل في بنادق الجنود في الشوارع، وهي الصور التي ظهرت على شاشات التلفزيون وتناقلتها وكالات الأنباء في كل مكان في العالم، وهو ما جعل باقي المواطنين يكررون الأمر نفسه، حتى إن تجار الزهور وزعوا الزهور مجانًا؛ لذا أُطلق عليها «ثورة القرنفل». وعلى الرغم من أنه انقلاب عسكري في المقام الأول، فإن التأييد الجماهيري جعل منها ثورة شعبية.

ومع تسارع الأحداث، تنازل رئيس الوزراء «كايتانو» عن السلطة إلى الجنرال «سبينولا»، وهرب إلى البرازيل مع رئيس البلاد «أميركو توماس»، إذ قضى رئيس الوزراء «كايتانو» ما تبقى من حياته في البرازيل، في حين عاد الرئيس السابق «توماس» إلى البرتغال بعد سنوات عدة.
ما بعد ثورة القرنفل مرحلة انتقالية وبناء جديد
استغل البرتغاليون ثورة القرنفل في إحداث تغييرات هائلة في بلادهم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما أدى إلى تحولات عدة على المستوى الإقليمي والديموغرافي والسياسي بعد ذلك، إذ دخلت البرتغال في مدة انتقالية مدة عامين أطلق البرتغاليون عليها «العملية الثورية المستمرة»، وهي مدة مضطربة متوقعة نتيجة النزاعات بين القوى السياسية على تولي الأمور.
كذلك، اتجهت البرتغال إلى إنهاء حقبة الحروب الاستعمارية وبدأت في التفاوض مع الدول التي كانت تسيطر عليها ومع حركات الاستقلال فيها وسحبت قواتها من تلك البلدان في إفريقيا وآسيا، وهو ما أدى إلى استقلال عدد من الدول مثل تيمور الشرقية، إضافة إلى انحسار المشكلات في موزمبيق وأنغولا والرأس الأخضر وساو تومي.
وتفككت الإمبراطورية البرتغالية، وأُعيد بناء دولة البرتغال من جديد على مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ عمل البرتغاليون على إعداد دستور جديد يسمح بحرية التعبير ويحظر الرقابة، إضافة إلى إطلاق سراح عدد كبير من السجناء السياسيين، وهو ما كان له تأثير كبير على انخراط البرتغال في أوروبا الجديدة بعد ذلك.
أسباب ثورة القرنفل
توجد أسباب عدة أدت إلى قيام «ثورة القرنفل» التي بدأت بحركة عسكرية، لكنها حظيت بتأييد كبير من أفراد الشعب البرتغالي. ولعل أهم أسباب قيام الثورة هي:
الاستبداد السياسي وقمع الحريات
حالة الاستبداد السياسي التي زادت في البرتغال في العقود الخمسة الأخيرة قبل الثورة، وهو ما تمثل في القمع الشديد للحريات والرقابة على الصحف، والسجون التي امتلأت بأصحاب الرأي والفكر، وهو ما أدى إلى حدوث غليان كبير في الحياة العامة في البرتغال.

الحروب الاستعمارية المكلفة
كانت الحروب الاستعمارية سببًا كبيرًا في قيام «ثورة القرنفل»، رغم أن البرتغال استفادت كثيرًا من سياستها الاستعمارية، إذ كانت تحصل على الكثير من الخيرات من مستعمراتها في أفريقيا وآسيا، إضافة إلى وجود أكثر من مليون برتغالي في تلك الأراضي وممارستهم الأنشطة الاقتصادية. لكن السنوات الأخيرة شهدت مقاومة عنيفة من حركات التحرر، ما كلف البرتغال خسائر كبيرة، إضافة إلى اعتراض الشعب نفسه على تلك السياسة وعلى قيام تلك الحروب واستدعاء البرتغاليين وإرسالهم إلى تلك الأراضي، لا سيما عقب صدور عدد من الكتب التي تحدثت عن مساوئ السياسة الاستعمارية من داخل البرتغال.
تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
أما الأوضاع الاقتصادية المتدنية فكانت بحد ذاتها كافية لبلوغ الشعب البرتغالي حالة الغضب التي يمكن أن تصنع الثورة والإطاحة بالنظام، إذ كان الاقتصاد ضعيفًا وكانت المعيشة في البرتغال صعبة، حتى إن الأطفال كانوا يعملون في المصانع من عمر 12 عامًا من أجل المشاركة في الإنفاق على الأسر الفقيرة، إضافة إلى تدني الخدمات تدنيًا كبيرًا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، وهو ما جعل الشعب البرتغالي يشعر بفرح كبير لتحرك القوات المسلحة وعزلها للنظام الحاكم في «ثورة القرنفل».

غضب ضباط الجيش
توجد زاوية أخرى لـ«ثورة القرنفل»، وهي الحالة التي سيطرت على ضباط الجيش البرتغالي قبل اندفاعهم للمشاركة في «ثورة القرنفل». إذ كان معظم ضباط الجيش يشعرون بالغضب من الحروب الاستعمارية، كما كانوا يشعرون بعزلة عن الحكومة التي كانت تتخذ إجراءات ديكتاتورية من غير اعتبارٍ لضباط الجيش. وبذلك كانت الدعوة للإطاحة بالحكومة وتغيير النظام في البلاد وسيلة للخلاص من هذه الحالة، وأدت إلى حشد كبير من قادة ضباط الجيش البرتغالي في حركة القوات المسلحة التي قامت بـ«ثورة القرنفل».
وهكذا يظهر أن «ثورة القرنفل» قامت لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية أيضًا كما تأثرت بالظروف العالمية مثل حركات التحرر في آسيا وأفريقيا. وتمتعت الثورة بزخم كبير بفضل الشعب البرتغالي الذي أيد الثورة وأضفى عليها شرعية وزخمًا بالقرنفل.
نتائج ثورة القرنفل
لعل أبرز نتائج «ثورة القرنفل» هو انتهاء عهد الديكتاتورية في البرتغال وتحول البلاد إلى النظام الديمقراطي الذي يمكن الإشارة إليه بكونه الحل الأفضل للمشكلات التي تواجهها معظم البلاد التي تعيش في أنظمة استبدادية. فالحديث عن حل المشكلات وتحسين الخدمات يعد حديثًا فرعيًا وفقًا للحديث عن إحلال الديمقراطية، إذ تؤدي بدورها إلى إصلاح باقي مجالات الحياة في البلاد. ولعل «ثورة القرنفل» تعد أحد أبرز الأدلة على ذلك.
نهاية الإمبراطورية الاستعمارية البرتغالية
كان من نتائج «ثورة القرنفل» انتهاء الاستعمار البرتغالي في أفريقيا وآسيا، وهو ما يعد درسًا سياسيًا للبلدان التي تبحث عن التحرر. فقد كانت حركات المقاومة في البلدان الأفريقية والآسيوية ضد الاستعمار البرتغالي سببًا في قيام «ثورة القرنفل»، وبذلك انسحبت البرتغال ومنحت هذه البلدان حريتها. وهذا يعلمنا أن نيل الحرية يحتاج إلى كثير من المقاومة، وأن المقاومة مهما كانت سهلة أو ضعيفة في يوم ما، فإن استمراريتها ستؤدي حتمًا إلى نيل الحرية، مهما كان المحتل قويًّا أو متماسكًا.

ربما أدى انسحاب البرتغال من المستعمرات الإفريقية والآسيوية إلى عدد من المشكلات الإدارية والتنظيمية في تلك البلاد، وهو ما يمكن الإشارة إليه بعدِّه من نتائج «ثورة القرنفل». لكن مشكلات التنظيم والإدارة والصراعات الداخلية في تلك البلدان تُعد مرحلة انتقالية لا بد منها، وفي كل الحالات فهي أفضل بكثير من الاحتلال الذي يعمل على سرقة الموارد وتدمير الكفاءات سنوات طويلة.
التحديات الاقتصادية وعودة المهاجرين
ومن نتائج «ثورة القرنفل» أيضًا حدوث تضخم كبير في اقتصاد البرتغال، وذلك نتيجة البطالة بعد الثورة، وهو ما حدث بسبب عودة أكثر من مليون برتغالي إلى البلاد، كانوا يقيمون في المستعمرات الإفريقية والآسيوية، ويستفيدون من وجودهم وسيطرتهم على خيرات ومقدرات هذه البلاد. وبذلك بعد عودتهم إلى البرتغال، ظهرت مشكلة البطالة، ويمكن اعتبارها أيضًا مرحلة انتقالية بعد «ثورة القرنفل».
احتفالات ثورة القرنفل
يحتفل الشعب البرتغالي يوم 25 إبريل كل عام بيوم الحرية، وهو اليوم الموافق لـ«ثورة القرنفل»، وهو اليوم الذي يوافق أيضًا أول انتخابات حرة أُقيمت في البلاد بعد قيام الثورة بعام واحد.
أطلق البرتغاليون على جسر سالازار اسم «25 أبريل» -اليوم الذي قامت فيه «ثورة القرنفل»- وذلك من أجل إحياء ذكرى الثورة، إضافة إلى رسم لوحة «25 أبريل» على الجسر. وصكوا عملات تذكارية تخليدًا للثورة، وهو ما يوضح تقدير البرتغاليين لـ«ثورة القرنفل» وسعادتهم بذلك الحدث، وهي السعادة التي تتجدد كل عام في اليوم نفسه.
وهكذا يظهر أن ثورة القرنفل قامت لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية. وتمتعت الثورة بزخم كبير من الشعب البرتغالي الذي أيدها وأضفى عليها شرعية وزخمًا بالقرنفل، لتصبح درسًا تاريخيًا في الانتقال الديمقراطي السلمي ونهاية حقبة الاستعمار.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن رحلة في التاريخ القريب حيث «ثورة القرنفل» في سبعينيات القرن الماضي، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة. ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.