ثورة العصفور

هبّت الحدأة من نومها على شدو عصافير الكناري بالشجرة المجاورة، تلفتت من حولها في عصبية. . ما زال الوقت مبكرا؛ فلم تشرق الشمس بعد:

آوه! . . يا لهذه العصافير المزعجة! . .

لم تأخذ الحدأة كفايتها من النوم، فقد اعتادت أن تنام في وقت السحر! ، وتقطع ساعات الليل في التدبير لإيذاء الطيور الوادعة، كما تخطط للسطو على المنازل المجاورة، والانقضاض على الفراخ الآمنة، فتفزع أمهاتها المسكينة، التي لا حول لها ولا قوة، ولا تملك إلا أن تصرخ دون جدوى، فلا مُنجد ولا مُجيب! ، ولا يسعها إلا أن تكبت أحزانها وآلامها؛ صابرة على بلائها؛ إلى أن يشاء الله. وتظل الحدأة نائمة؛ حتى تلسعها شمس الظهيرة الملتهبة.

في تلك المرة؛ كادت الحدأة أن تعلن عن ثورتها، وتلقن الكناري درسا، ولكنها أرجأت ذلك لشعورها بالتعب الشديد.

العصافير تحوط الجدة، ومازالت تشدو وتطير من حولها في مشهد رائع جذاب وتحدث الحدأة نفسها:

يا لحظ الجدة! . . أ كل هذا الاحتفال من أجل عصفورة عجوز؟ ! . .

كبتت غيظها، وراحت تتأمل الكناري السعيدة. . لفت نظرها عشها الكبير. .

كل هذا عش! . .

إنه أكبر عشاش الشجرة ولا عجب، حيث تسكنه الجدة وصغارها وأحفادها منذ زمن بعيد، وقد تعاونوا في إقامته مريحا ومتماسكا حتى لا تعصف به الرياح.

العش أيضا جميل ومنسّق. . والشجرة مورقة وظليلة.

نظرت الحدأة من حولها إلى عشها الكئيب والشجرة: الشجرة جرداء؛ عارية من الأوراق. . وتسكن وحدها، فلا عشاش ولا طيور، فمن يجرؤ على الاقتراب من الحدأة أو التودد إليها؟ ! . . من الذي يجاور الشرس، أو يتقرّب من الحاقد كانت الطيور تتحاشاها وتبتعد عنها؛ لتأمن شرّها. وعادت الحدأة تقول في نفسها:

كيف هذا؟ ! . . العصافير الصغيرة الضعيفة عشها كبير وجميل، وأنا. . أنا الحدأة الكبيرة القوية عشى صغير وكئيب! . . مستحيل! . . وها هي فرحة وأنا حزينة و. . وتغرّد بصوتها العذب، وأنا لا أستطيع أن أغرّد مثلها، فصوتي مزعج ونشاز. . ماذا؟ ! . . صوتي مزعج و. . ولكني لم أجرّب الغناء. . قد يكون صوتي عذبا، وغنائي طربياً كغناء العندليب و. . وقد يفوق الكروان. . والبلبل و. . وكل الطيور الصدّاحة المغرّدة. . لم لا. . .

قررت الحدأة أن تجرّب الغناء. . دارت عيناها من حولها، لم تُبصر طائرا،

فقد غادرت الحديقة إلى أماكن الغذاء والماء. . تنحنحت الحدأة ثم. . غنّت و. . ولكنها سكتت عن الغناء: يا له من صوتٍ مزعجٍ حقا! . لأول مرة تصدُق الحدأة، ولكن فقط مع نفسها، واستطردت:

لن أغنى ثانية و. . ولن أدع الطير تغرّد. . سأُخرس أصوات العنادل والبلابل والكناري، فلا أطيق سماع أصواتها الرطوبة. . سأنتقم من الكناري التي تقلق نومي وراحتي. . لن تُفلتَ من عقابي. . سأطيّر النوم من أعينها. . سأكدّر صفوها، وأنكد عيْشها، وأقضي على سعادتها لتُصبح تعيسة مثلى.

غلبها النوم. . وقبيل غروب الشمس، راحت الكناري إلى عشها، ونامت مبكرا كعادتها؛ حين صحت الحدأة. . وجعلت تفكر كيف تؤذى الكناري وتمكر بها. . هداها تفكيرها إلى حيلة. . وظلت ساهرة وبصرها الحادّ على عش الكناري؛ بينما تردد في لوعة: متى يأتي الصباح؟ ! . وأخذت تغالب النعاس؛ حتى انقضت ساعات الليل وجاء الصبح، وما أن غدت الكناري ساعية لرزقها؛ لتطير الحدأة إلى عُش العصافير، ورقدت بداخله، هاتفة في نشوة:


يا له من عش مريح! . سأرقد على القشّ الناعم، وأظل نائمة حتى أشبع

وراحت في سبات عميق، وحين رجعت الكناري، فوجئت بالحدأة راقدة في عشها. . استغربت. . تبادلت نظرات الدهشة. . دنت منها الجدّة، وقالت لها في رقة ولين:

نوما هانئا عزيزتي الحدأة. . لعلك أخطأت عشك. .

قالت الحدأة في دهاء: كلا يا صديقتي. . لم أخطئ عشى، بل فاجأني المرض فجئت أستريح في عشكم. ثم أضافت متظاهرة بالضعف: وما زلت متعبة، ليتك تسمحين لي بوقت آخر. عندئذ همست الجدة لصغارها: يجب أن نساعد الحدأة؛ فإنها في وقت شدة

اقتنعت العصافير إلا صغيرهم، وعلي الأخصّ حين أضافت الحدأة في خبث:

يمكنكم أن ترقدوا في عشى. . لا فرق بيننا. . عشى هو عشكم. .

ليهمس الصغير قائلا لجدّته: كيف صدّقت الحدأة يا جدتي؟ ! . إنها لئيمة مخادعة.

وتهتف الجدة لائمة: زقزوق! . . إياك أن تتفوّه بمثل هذا الكلام. من واجبنا مساعدة إخواننا الطيور؛ خاصة في الأزمات.

طأطأ العصفور رأسه خجلا. ولم تدخل الكناري عش الحدأة، وانتظرت طويلا، حتى يئست، عندئذ أجبرت على المبيت في عش الحدأة الضيق المتهالك وباتت ليلة مؤرقة. وفي الصباح طارت الكناري، وصاحبتها الحدأة، وما لبثت أن اتجهت صوب المنازل لتتخطف الأفراخ. وفي العودة رأتها الكناري وهي تسبقهم إلى عشهم! . . عندئذ تيقنت من خداع الحدأة، واستيلائها على العش، لتعترف الجدّة:

كنت على حق أيها الصغير! .

اجتمعت العصافير للتشاور في أمر الحدأة المعتدية المغتصبة، وعلا صوت الصغير: ليس إلا أن نلقن الحدأة درساً لا تنساه.

وأيّدته العصافير، عدا الجدة التي رأت ضرورة التروي واستخدام العقل، بينما ألمحت إلى قوة الحدأة وشراستها، ومبيّنة مخاوفها أن تصيب الحدأة أحد العصافير أو. . ولذا أشارت بالهجرة من الحديقة والشجرة، إلى حديقة أخرى أكثر أمنا وسلاما و. . ولم يدعها الصغير تواصل كلامها إذ اعترضها قائلا في شجاعة وبسالة: لن نهجر الشجرة ولا الحديقة، ولن نهرب من مواجهة الحدأة والتصدي لها.

ثم أضاف محفزا: كيف نهجر الحديقة، وقد عشنا في رحابها وتربينا بين ربوعها؟ ! وعلا صوته: يجب أن ندافع عن عشنا، ولنفتديه بأرواحنا. . إننا أقوى من الحدأة باتحادنا، كما أننا أصحاب حق، فلنهجم عليها ونأخذها على غرة، ونضربها ضربة عصفور واحد. . والله فوق كيد المعتدى، والنصر حليفنا بإذن الله.

تحمست الكناري بكلام الصغير الثائر، وأصغت إلى الجدة التي قالت في تأثر:

لقد أصاب الصغير، وإنني لفخورة به. فلندبّر أمرنا، ونعدّ عدّتنا.

وانطلقت الكناري مع أول خيوط الصباح؛ إلى حيث الحدأة النائمة، وانقضّت عليها، لتهبّ من رقادها ذاهلة فزعة، وجعلت تتخبط، فأصابت الصغير بمخالبها، ليسقط من فوق الشجرة، ولم تدعها العصافير، فشددت هجومها ونقرها في رأس الحدأة وعينيها، لتنطلق هاربة، وقد مُلئت رعبا.

وأسرعت الكناري إلى حيث سقط الصغير، فوجدت الجدة تقوم بإسعافه، بينما كانت ترمقه في تأثر وحب وإعجاب. وسرعان ما تعاونت لبناء عش جديد أرحب وأجمل، وارتفعت أصواتها بأنشودة النصر.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 14, 2021 - عبد الوهاب الجزائري العربي زيدي
Apr 13, 2021 - وصال الدقيوش
Apr 12, 2021 - Fareed Hawammdeh
Apr 11, 2021 - هبة عبد الرحمن مختار محمد عبد الله
نبذة عن الكاتب