ثمانية عشر عاماً مضت كحرق السعفة وما زالوا أصدقاء

بينما كان جالساً في الصالة، الوقت حينها يشير إلى الساعة الثانية وعشر دقائق مساءً، كعادته يطالع من خلال الهاتف الذي أدمن استخدامه صفحات التواصل الاجتماعي، تدخل عليه زوجته وبيدها عنقود من العنب غير مكتمل النضج كان يسمى في الأردن "الحصرم"، قدمته له بكل لطف.

قال لها وهو ينظر لعيونها اللامعة "كيف لامرأة مثلك أن تجمع الجمال من جميع الأطراف"، ضحكت لهذه الجملة باستحياء وجلست بجانبه، لكنه أخذ ينظر لهذا الحصرم وفي الوقت ذاته يقاوم روح الذكريات محاولاً منع استحضارها، خاصة عندما تكون هي بجانبه، فإنه بحضرتها لا يريد أن تضيع الدقائق والساعات من أجل أي شيء دون أن يستغله معها، وهذه أول مرة تشغله الذكريات عنها. 

فجأة نفض النسيان غباره عنه وأعاده بالذاكرة إلى أيام قد خلت ومضت، ولا أظن أن الأمر هين، حين يتعلق باستحضار أكثر من 16 عاماً من الذكريات اعتماداً على الذاكرة..!

لكن مشهد ذلك العنب الغير ناضج جعله يركب قطار العودة إلى أول محطة بحياته، كان في الأردن، من هنا بدأ الغربة عام 2003، وعلى الرغم من قسوتها ومرارة الأيام التي عاشها هناك إلا أنها تركت له مواقف وذكريات جمعته بأصدقاء استثنائيين، كان من بينهم جاره "سالم".

عندما وصل إلى عمان كان قد استأجر وعائلته منزلاً ليكون المكان الجديد في غربة لم تبدأ بعد، وهذا لم يكن بالنسبة له ذا أهمية، بقدر العيش بسلام بعيداً عن بلد ملأته رائحة الموت ومزقته الفرقة الطائفية.

في صباح اليوم التالي، كان يقف هو وأخيه أمام باب المنزل، وبدأ ينظر إلى المنطقة التي كان فيها كل شي هو أول شي، أول منزل وأول جار وأول صديق، وهو سالم طبعاً وأول حارة، والتي أصبحت فيما بعد أجمل مكان للمرح والترفيه. 

الألعاب في تلك الحارات البسيطة كانت سهلة جداً، ترى فيها مجموعة من الأطفال تلعب كرة القدم ومجموعة أخرى تلعب لعبة اللصوص والحرامية، تعلم من تلك الألعاب دروساً كثيرة، خلقت بداخله حب الأخوة، والخوف على بعضهم البعض خاصة عندما يسقط منهم أحد تجدهم جميعاً يركضون خوفاً للاطمئنان عليه، يا لها من لحظات سعادة...!!

وبينما ينظر بقلق وتوتر إلى كل شي جديد في حياته، رأى سالم يرمقه بنظرات خجولة مليئة بأسئلة لا تعرف الإجابة، كان يريد أن يجد طريقة ما ليتعرف على جيرانه الجدد، لكن ملامح التردد والخجل لم تعطه تلك الفرصة فبقي متسمراً أمامهم واكتفى بابتسامة واسعة لاحت على مبسمه، أو ربما كان يريد أن يبتكر طريقة تعارف استثنائية؟؟. 

فجأة ركض سالم مسرعاً نحو سور عال لمنزل قديم وأخذ يقطف من شجرة العنب التي لم تنضج بعد، ثم عاد مسرعاً باتجاههم وقدمه لهم، كانت عيونه نحو الأرض من شدة الخجل التي تتسم بالبراءة الطفولية آنذاك ووجه تلون بلون أحمر..

أخذ منه العنب وأثنى عليه، ثم قال: أنا سالم يلقبوني ب"سنبل"، قالها وهو يضحك، أما هذا نسميه الحصرم، ثم جاء دوره ليعرفه على نفسه وأخيه، وهكذا بدأت علاقتهم في الغربة بأول صديق، كان سالم بسيطاً جداً ومحباً للجميع لا يشعر بالضيق من أحد، برغم عصبيته الحادة، كان يضفي بخفة روحه جواً من المرح في أرجاء الحارة العتيقة.

وهكذا تكون الصداقة، ف الأصدقاء الحقيقيون كنز لا يقدره أصحاب المصالح.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - معاوية الذهبي
May 10, 2021 - ALHAMAIONY #الهمايوني
نبذة عن الكاتب