لن تستطيع أن تصل إلى شيء من أهدافك قبل أن تترسَّخَ في داخلِك قناعةٌ أكيدةٌ أو على الأقل قدرٌ هائلٌ من هذه القناعة أنك ستصل إلى ما تريد، ربما تعلم ذلك أو ربما تكون في شكٍّ منه، كأن تقول مثلاً: كيف أعتقد أنه بإمكاني أن أمتلك ثروة بالمليارات، بينما لا أملك في حاضري شَروَى نقير؟ وهل مجرد قناعتي أني سأكون غنيًّا كفيلةٌ أن تجعلني كذلك بالفعل؟
لا بأس، على أي حالٍ دعني أشرح لك الأمر.
تعلَم أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: "اُدعوا اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة"، فهل فكَّرت في هذا الحديث من قبل؟ لماذا يأمُرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - باستيقان الإجابة إذا كان الغيبُ ليس في أيدينا؟
ببساطة لأنَّ اعتقادك أن الله القادرَ على كل شيء سيستجيب لك ما تسأله إياه كفيلٌ أن يهيئ لك الأسباب التي تؤدى بك إلى تحقيقه.
الأحداثُ التي تُواجهك في الحياة ليست إلا انعكاساً لتفكيرك، المصير الذي تحياه الآن هو النتيجة الحتمية لمعتقداتك القديمة، وسيكون في الغد انعكاسًا لمعتقداتِك الحالية، مهما كان ما تعتقده عن نفسك فإنك ستكون على غراره في الغد، ليس هذا بالقول الأجوف، ولا بالكلام الفاتر العاري عن الدليل، دعني أُوضِّحُ لك الأمر؛ إذا كنتَ لا تعتقدُ بخطورة كلماتك الذاتية،
أفكار الأمس هي واقع اليوم.
لقد صرتَ إلى مكانك الحالي اليوم بسبب أفكارك ومعتقداتك بالأمس، وستصيرُ غدًا إلى مكان معين بسبب أفكار اليوم، النتائج ليست سوى سلسلة أو مجموعة من الحلقات يقود بعضها إلى الذي يليه حتى تصل في النهاية إلى تلك النتائج، وإذا نظرتَ إلى سِيَر الأغنياء ستجد أن كلاًّ منهم كان يعتقد اعتقادًا شبه يقيني أنه سيصل إلى الثراء، وعلى النقيض فإن الفقير كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفقر هو مصيره الحتمي ونهايته الأكيدة.
إن من عدل الله أن يعطي عباده على قدر ما يعتقدون، لأن الاعتقاد هو الخطوة الأولى في إحداث النتيجة، وهو مُستَمكنٌ لكل أحد، ألم تسمع قول النبي مخبرًا عن ربه في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء".
واعلم أن لفظ الظنِ الواردِ معناه الاعتقادُ، فكأنه أراد أن يقول: سأعطيك يا عبدي على حسب ما تعتقد، فإن كنت تعتقد أنك ستكون ثريًّا فلك ذلك، وإن اعتقدت أنك ستعيش حياة بئيسة فلك ذلك، وإن اعتقدت أن الحزن والألم طابعٌ خاصٌّ بالحياة فسيكون الأمر على ما اعتقدت.
علاقة الفعل بتكوين الاعتقاد.
هناك علاقة طردية بين الاعتقاد والفعل، بحيث يؤدي كل منهما إلى الآخر، فإذا اعتقدت بقوة في مقدرتك على فعل شيء فإن ذلك سيؤدي إلى فعله، وبالعكس؛ إذا قمت بفعل شيء معين فإن ذلك سوف يرفع من اعتقادك في مقدرتك على فعله.
قيل: إن (أديسون) صاحب أكبر عدد براءات اختراع في التاريخ، كان يبدو تلميذًا بليدًا غبيًّا، إلى درجة أن المَدرَسة قامت بفصله، وأرسلت خطابًا إلى والدته تقول فيه: إن ولدك لا يصلح للدراسة لدينا لأن مستوى ذكائه في الحضيض، فما كان من الأم إلا أن طوت الخطاب وأخفته عن أديسون وقالت له: إنهم يخبرونني في الخطاب أنك - يا توماس - على قدر من الذكاء والنباهة يفوق حدود هذه المدرسة المتواضعة؛ ولذلك فإنهم ينصحونني بنقلك إلى مدرسة أخرى تتناسب مع ذكائك المرتفع، ومرت السنون تلو السنين وأديسون يمضي في اختراعاته وتقدمه، وهو لا يعلم عن ذلك الخطاب شيئًا حتى ماتت والدته، وبينما يطّلع على أغراضها؛ إذا به يجد ذلك الخطاب الذي مر على إرساله من قبل تلك المدرسة إلى أمه ما يزيد على الثلاثين عامًا، ووجد مكتوبًا فيه: إن طفلك تلميذ غبي جدًا، ولا يصلح للدراسة عندنا، ولذلك فعليك بإرساله إلى إحدى المدارس الأخرى التي تناسب ذكاءه المنخفض وعقله المتبلّد.
فلما قرأها جعل يبكي بكاءً شديدًا، ويقول: لولا أنتِ يا أمي الغالية لكنت اليوم في عداد الأغبياء والفاشلين.
هكذا أدَّى فعل بسيط إلى اعتقاد جديد كان كفيلًا أن يغير مجرى العالم بأسره.
لقد أضاء هذا الطفل (الغبي على حد تعبير مدرسته) العالمَ باختراعه المصباحَ الكهربائي، وسطّر براءات اختراع تفوق في عددها وقوتها ما سطَّره مئات غيره على مر التاريخ، بل وظل الرقم الذي سجله (أديسون) من براءات اختراع هو الرقم القياسي الذي لم يستطع تحطيمَه أحدٌ حتى هذه اللحظة التي أكتبُ فيها هذه السطور.
ولعلك تسأل: ما الذي حمل هذه الأم على أن تفعل ما فَعَلت؟ وربما يكون الجواب أنها كانت تعتقد أن ابنها لم يكن غبيًا كما تصورت المدرسة عنه، وأنه ذكي جدًا ومبدع، لكن الأهم من ذلك أنه ما كان لها أن تسمحَ لهذا الاعتقاد الأحمق بأن أديسون كان غبيًّا أن يترعرع في نفس طفلها، حتى وإن كانت هذه هي الحقيقة.
وبالمثل إذا اعتقدت أنك قادر على النجاح فإنّ الاعتقاد سيولّد طاقة هائلة تجعل من هذا الاعتقاد فعلاً وحدثاً واقعاً على أرض الواقع، وإذا اعتقدتَ أنك عاجز عن النجاح، فما تُرى سيكون مستقبلك؟ هل تتوقع بحالٍ أن يكون غدُك مشرقاً مليئاً بالإنجازات والنجاح؟ كلا بالطبع، لأن الذي يتوقع النجاح بينما يعتقد في نفسه الفشل، هو إنسان مختلٌّ عقليّاً، فالتوقعُ والاعتقاد وجهان لعملة واحدة، ما تعتقده عن نفسك هو ما تتوقع أن تصل إليه، وهو ما ستصل إليه بالفعل إن شاء الله.
كيف تُقوّي من اعتقادك في النجاح؟
كان السؤال الوارد في هذه الفقرة هو:
كيف ينشأ الاعتقاد؟ فهل عرفت الآن كيف تستطيع أن تغير اعتقادك في شيء؟
عليك ببساطة أن تنجح ولو مرة واحدة في خطوة واحدة في سيرك تجاه هذا الشيء، فإن كنتَ منطقيّاً مع نفسك، عقلانيّاً في استقبال ما يُطرَح عليك، فسوف تسأل: وكيف سأنجح ولو لمرة واحدة إن كنت اعتقد أنني لن أنجح؟ وهذا سؤال جيد ومنطقيٌّ أيضاً، والجَوابُ عنه بسيطٌ جداً:
قَسِّم أهدافك الكبيرة إلى خُطواتٍ صغيرة تستطيع النجاحَ فيها، وعندما تنجح يتولد لديك اعتقاد جديد بالقدرة التي كنتَ مفتقراً إليها قبل ذلك، وكلما تكررت النجاحات ارتفع لديك توقع النجاح والاعتقاد في إمكانية تحقيقه.
اعتقاد امرأة عجوز!
قرأتُ قصةً عن امرأة عجوز كان حفيدها على وشك الموت عندما سقط تحت إطار سيارة، فما كان من العجوز الواهنة الطاعنة في السن إلا أن استجمعت كل طاقتها وقامت برفع السيارة وأنقذت حفيدها، ولكن الأعجب من ذلك أنها جعلت تبكي على إثر هذا الحادث، فلما سألها الصحفيون الذين يرصدون الحدث عن سر بكائها وقد استطاعت أن تنقذ حفيدها، قالت والدموع تفيض من عينيها: لقد اكتشفت أنه كان لي قدرات غير عادية لم أستطع أن استخدمَها طيلة حياتي؛ لأنني لم أكن على علم بها أو على الأصوب لم أكن اعتقد أنني امتلكها".
وهكذا يا صديقي تمضي حياتنا دون أن ندرك أن الله حبانا قدرات خارقة لم تظهر للعالم لسبب تافه جداً، وهو أننا كنا نعتقد أننا لا نمتلكها.
ما الذي جعل هذه السيدة العجوز الضامرة العضلات، الواهنة البنيان تقدر على رفع سيارة ثقيلة بهذا الوزن، ربما لا يستطيع رفعَها شاب فتيٌّ مفتول العضلات قوي البنيان؟ إنه الاعتقاد، فلقد استمكن الاعتقاد من هذه العجوز، وبلغ منها مبلغاً عظيماً، وملأ ثنايا قلبها وخامرَ كلّ ذرة من كيانها حتى استطاع أن يُخرج من قلبها كلّ اعتقاد يخالفه، فاستطاعت بفضل الله من خلال هذا الاعتقاد أن تصنع ما صنعت.
تذكر أن الاعتقاد بشيء يَقوى بشكل عظيم عندما لا يكون هناك خيار آخر غير الفعل، فإما أن تفعل وإما أن تموت.
لعلك شاهدت في كثير من الأفلام والمسلسلات عندما يشبّ حريق في أحد البيوت، ويكون في هذا البيت بعض الصبية الصغار، وكيف أن الأم أو الأب يحاول اختراق هذا الحاجز البشري من الأشخاص المحيطين به؛ ليلقي بنفسه في المحرقة الكائنة في الدار، لا لشيء إلا لينقذ أبناءه، لقد اعتقد تمام الاعتقاد وأيقن تمام اليقين أنه يستطيع أن يفعل، لأنه ليس ثمة خيارات أخرى، فإما أن يقتحم النيران وإما أن يموت أبناؤه، وبما أن قلبه لا يستطيع احتمال فاجعة موت الأبناء فإنه سيختار اقتحام النيران.
ما الذي يعنيه ذلك؟ معناه يا صديقي أنه كي يقوى اعتقادنا بالنجاح، فعلينا أن نضيق الاختيار على أنفسنا، علينا أن نتذكر أنه ليس أمامنا خياراتٌ عديدة، ولكن هناك شيئان لا ثالث لهما، وهما إما بلوغ الهدف وإما الفشل، ومتى كان وقع الفشل على النفس عظيماً، أدى ذلك بالتبعية إلى زيادة اليقين بالنجاح.
إنّ المماطلة يا صديقي هي حِيدة سافرة عن الاعتقاد، فالشخص المماطل يخلق لنفسه أعذاراً توهن من عقيدته، ويقينه في النجاح، فعندما تعترضه المشكلات في سبيل أهدافه، فإنه سيختلقُ خيارات أخرى غير النجاح أو الفشل، فربما يكون من بين هذه الخيارات أن يقوم بالهروب من المشكلة أو بتأجيل المواجهة، وكل ما يفعله حينئذ هو أنه يعطي عقله بعض المخدرات أو المسكنات شديدة الفعالية بحيث يهدأ عقله لمدة أيام أو شهور أو ربما سنوات.
في الشريعة يُعدُّ الاعتقاد هو ركن الإيمان الأساس، الذي بدونه لا إيمان لهذا الشخص، وقد أخذ لفظ الاعتقاد والعقيدة من العُقدة وهي الربطةُ المحكمة بشدة حيث لا تقوى على فكها أو حل تعقيدها شبهاتُ المُلقين للشبهات، وكذلك الاعتقاد بالنجاح هو بمثابة عقدة محكمة الربط لا تقوى عراقيل الحياة على فكها، أو هكذا ينبغي أن تكون، وكلما كانت أوثق وأقوى في ربطها كانت أبعد عن النيل منها بطروء المشكلات وحدوث النازلات.
إن النجاح في رحلتك الحياتية يحتاج إلى أمور كثيرة، يأتي على رأس قائمة أولوياتها الاعتقاد الإيجابي بالقدرة على تحقيق النجاح، الاعتقاد في إمكانية الوصول إلى الغاية الموجودة في نهايته، بل واليقين في بلوغها، لأنه متى لم تكن معتقداً في ذلك موقناً في حدوثه فإنك على الأرجح أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما لن يأتي بالنتيجة المرجوة وهما:
إما أنك لن تسلك السبيل ابتداءً؛ لأن اعتقادك يصبُّ في كونك لن تبلغ نهايته، وإما أن تسلكه متسربلاً بالترددِ والتذبذب فيه، متأرجحاً بين الإقدام ساعة النشاط والإحجام حالة الخمول والفتور، وبالتالي سيطول مكثك في الطريق، وتقطع فيه الزمان الطويل ثم ربما تبلغه بعدما ترد إلى أرذل العمر، أو لا تبلغه على الإطلاق، فهل هذا هو ما تريد؟
إن الاعتقاد يا صديقي يبدأ بالرغبة في الشيء، ولكن بشرط أن تكون تلك الرغبة مشتعلة متأججة، ثم إقناع النفس بأن الأمر مقدورٌ ليس بمستحيل، وترجع عدم استحالته للأمور الآتية:
- أنك ترغب فيه بشدة، وأنه يقض مضجعك عن النوم، ويلتهب كبركان ثائر في النفس، ولا بدّ لتلك الرغبة المتأججة أن تحرق بنارها المتقدة كل العوائق المزروعة في الطريق والحواجز المزروعةِ في فجاج السبيل.
- أن لديك القدرات المؤهلة لذلك، والإمكانات المطلوبة لتحقيق تلك الرغبة.
- أن هناك من بلغ تلك الغاية.
- أن هناك من لا يمتلك مثل قدراتك وإمكاناتكَ، ولكنه استطاع تحقيق تلك الغاية.
- أن هناك الكثير من الناس قد ابتدأ من الصفر أو ربما ما تحته ثم استطاع أن يبلغ القمة، هناك العصاميون الذين بنوا أنفسهم بأنفسهم، وتسلقوا الهرم من سفحه حتى بلغوا قمته.
استراتيجية تكوين اعتقاد إيجابي:
- أن تعرف بدقة واضحة ما تريد.
- أن تكون رغبتك فيه أعظم من رغبتك فيما سواه، من الاستمتاع العابر واللذات الآنية.
- أن تنجز فيه كل يوم شيئاً، ولو خطوات يسيرة، فكما قلنا: الفعل يولد الاعتقاد، والعكس صحيح.
- أن تطالعَ قصصَ الناجحين، وسِيرَ الأشخاص الذين حققوا أهدافًا مماثلة لأهدافك، وتستمد منها القوة والطاقة التحفيزية الهائلة، لأنه بما أن هناك من تمكّن من تحقيقها، على الرغم من وجود العقبات لديه، فهذا يعني أنك أنت أيضاً تستطيع ذلك، كوّن اعتقاداً جديداً من خلال مطالعة سير الناجحين.
- أن تعرف مصادرك وتتأكد منها، وأنها تستطيع بالفعل أن توصلك إلى الغاية.
- أن تقوم بعمل التوكيدات الإيجابية بشكل يومي غير منقطع، بأن تذكر نفسك بأنك تستطيع، فإن العقل مجبول على النسيان وعلى التركيز في شيء واحد في الوقت الواحد، فإذا حدثت المشكلات انصرف العقل عن التركيز على الهدف إلى التركيز على المشكلة، وعندما تقوم بالتوكيداتِ الإيجابية فإنك تعيد عقلك للتركيز على الهدف دون المشكلة.
- أن يكون الاعتقاد مرتبطاً بحاجة ماسة، ناشئاً عن ضرورة ملحة، مساوياً للموت في حال الإخفاق في غايتك.
الاعتقاد في النجاح فرع عن التوكل
عندما تنطلق إلى غاية معينة وأنت على يقين أنك ستبلغُها، فإنك حتماً ستَبلغها بإذن الله تحقيقاً لا تعليقاً، لأن الذي وعد بذلك وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى، وليس هناك أصدق من قول الله تعالى، فهل تريد أن تعلم أين قال الله في وحيه إلى نبيه أن من اعتقد في شيء اعتقاداً كاملاً ثم سعى له فإنه سيبلغه ولا بد؟ فإليك إذن هذه الشواهد:
- الحديث القدسي الرائع وهو: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء".
- قوله تعالى: "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً".
- قوله تعالى: "من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها".
- قول النبي في حديث ضعيف السند: "لو حَسَّن أحدكم ظنه بحجر لنفَعَه".
- قول ابن القيم: لو توكل إنسان على الله حق التوكل في أن يحرك جبلاً من مكانه لحركه، ما كان مأمورا بذلك.
- قوله تعالى: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يبخسون".
- قول الله تعالى: "أُجيب دعوةَ الداعِ إذا دَعَانِ"، وقوله: "ادعُوني استجب لكم".
- قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ادعُوا اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة".
إذا تبين لك ما تريد وتجلت لك الأهداف وانكشف اللثام عما تبتغي تحقيقه في هذه الحياة، فعليك إذن أن تكون معتقدًا تمام الاعتقاد في أنك ستحققه، وفي الغالب ستحققه إن شاء الله.
ومن دلائل يقينك في هدفك أن تراه ماثلًا أمام ناظريك، وأن تتعامل معه كأنه واقع أو حاضر تعايشه، وكأنك تشاهد نفسك بعد عشرين عامًا من الآن في فيلم تلفزيوني بينما تحتفل بتلك النتيجة التي وصلت إليها.
ماذا لو بشَّرَك النبي بالجنة؟
سأعطيك الآن مثالًا على المعنى الذي أريده من توثيق الاعتقاد بالنجاح، مثالًا من حياة الصحابة رضوان الله عليهم، عندما كان الصحابة الذين بشَّرَهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة يعتقدون أنهم من أهل الجنة؛ فإن أنفسهم تسامت فوق الشهوات، وعاشت تلك الجنة في حياتها الدنيا، وكانوا لا ينطلقون في أفعالهم إلا من منظور رجل من أهل الجنة، لو أنك تفهَّمتَ ما بشَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - به من شهد بدرًا لرأيت عجباً، لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم: "لعل الله اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، ولكن المعنى العميق تحت هذا الحديث أنّ هؤلاء لم يفعلوا ما شاؤوا، بل فعلوا ما ينبغي عليهم فعله، بمعنى أن بشارة النبي - صلّى الله عليه وسلّم - لهم بأنهم من أهل الجنة مهما فعلوا لم تُغرهم بفعل المعاصي، بل على العكس كانت سببًا في مزيدٍ من عمل الطاعات، لأن اللهَ عليمٌ بذات الصدور، فإن أخبر عن إنسان أنه من أهل الجنة؛ فلا جرم أنه سيكون من سالكي طريقها.
لو أنَّك تمعنتَ في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعثمانَ بن عفان - رضي الله عنه - عندما جهَّز جيش العسرة: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم".
فلعلك إن كنت مكان عثمان وبشَّرك النبي - صلى الله عليه وسلم -بهذه البشرى كنت تقول حينئذ: حسناً، لن يضرَّني ما أفعل منذ هذه اللحظة وحتى الموت، فَحَيهلا بالذنوب ومرحبًا بالكبائر والموبقات، لكنك مخطئ تمامًا إن ظننت أنك كنت ستقول ذلك، لأن الذي يعتقد بشيء إلى درجة الجزم به لن يكون صادرًا إلا عن عقيدته، ولن يسلك سلوكًا يخالفه.
لو أن الطفل الرضيع لم يعتقد أن بإمكانه أن يحبو فلن يحبو، وإذا اعتقد أنه لن يمشي فلن يمشي، وإذا اعتقدتْ الأطيار أنها لا تستطيع الطيران فلن تطير أبداً، وارجِع إلى قصة النسر الواردة في مقدمة الكتاب.
هناك الكثير من الأمراض التي لا ينجع في علاجها إلا قوة الاعتقاد.
ألم تسمع عن المصابين بالشلل الكُلّي والذين تجاوزوا ذلك الشلل باعتقادهم فحسب، العلماء يقولون: إذا شاء الله أمرًا هيَّأ له أسبابه، وإذا شاء الله لك أنك ستحقق شيئاً ما غرس في قلبك قناعةً واعتقادًا أنك ستحققه، وهذا لا ريب من الأسباب التي يهيئها الله لكي تسير الأمور إلى الوجهة التي شاء، أما لو أن الله قدَّر لك أنك لن تحققه؛ فلعلَّه ينزعُ من نفسك تلك القناعة وذلك الاعتقاد، وعند ذلك فإنك لن تنطلقَ ساعيًا إليه، ومن ثم فلن تصل إليه.
مقال رائع..جزاك الله خيرا
صدقت، الاعتقاد هو الأساس في كل شيء
أحسنت يا صديقي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.