شهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في مفاهيم الأسرة والإنجاب لا سيما بين الأزواج من المشاهير، فبدأت تنتشر ظاهرة اختيار العيش دون أطفال. هذه الظاهرة التي لطالما ارتبطت بالثقافة الغربية، بدأت تشق طريقها إلى مجتمعاتنا العربية، وتُعدّ هذه الظاهرة كسرًا واضحًا للموروثات الاجتماعية والدينية التي لطالما ربطت الزواج بالخصوبة والاستمرار، ما يثير تساؤلات عميقة حول أسبابها الحقيقية، وحدود تقبلها دينيًا واجتماعيًا. فهل أصبح الإنجاب خيارًا لا ضرورة؟ وهل يمكن للزوجين أن ينعما بحياة متكاملة دون أطفال؟ في هذا المقال، نغوص في عمق الظاهرة بين الغرب والشرق.
في السنوات الأخيرة، برزت بين الأزواج خاصة المشاهير منهم ثقافة غريبة على مجتمعاتنا العربية، وتتمثل في عدم الرغبة في إنجاب أطفال لأسباب عدة، وإن كانت في ظاهرها من باب تقليد مشاهير الفن في أوروبا. والمقصود بعدم الرغبة في الإنجاب هنا، الرغبة الطوعية التي هي من اختيار الزوجين، وليست لأسباب أخرى كالعقم مثلًا.
ماذا يعني أن تكون دون أطفال باختيارك؟
في كتابها «ثورة عدم الإنجاب»، تدَّعي الكاتبة مادلين كاين، أن أولئك الذين لا يرغبون في إنجاب أطفال باختيارهم لا يرون أنفسهم ناقصين. وتشير إلى أن تفضيلهم هو أن يُطلق عليهم لقب «دون أطفال»، وهو ما يظهر اختيارًا مدروسًا لأسلوب حياة مُحدد، وهو نمطٌ يربط الإنجاز الفردي بمسارات أخرى غير الأبوة والأمومة، كالنجاح المهني أو النضال الحقوقي.

من الصعب تحديد ما إذا كان عدد الأشخاص الذين يتبنون هذا النمط من الحياة يزداد أم لا -باختصار، لا تتوافر بيانات كافية في هذا الموضوع- ولكن يبدو أن آراء الأمريكيين على سبيل المثال في أهمية الأطفال في العلاقات آخذة في التغير.
أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للبحوث عام 2007 أن المواقف تجاه كون الأطفال جزءًا لا يتجزأ من العلاقة آخذة في التغير، يقول 41% فقط من الأمريكيين إن الأطفال «مهمون جدًا» لزواج ناجح، وهذه النسبة انخفضت من 65% عام 1990.
أسباب عدة لعدم إنجاب الأطفال
تتنوع أسباب عدم إنجاب الأطفال التي يقدمها الأزواج الذين لم ينجبوا أطفالًا بتنوع الأزواج أنفسهم.
وفقًا لكثيرين، لم تدق الساعة البيولوجية لديهم، ويفتقرون إلى رغبة قوية في تربية الأبناء.
ويشير عدد من الأزواج إلى القيود المالية، وتحديات رعاية الأطفال، وضيق الوقت المرتبط بالتربية، ويختار بعضهم التخلي عن تربية الأبناء لأسباب بيئية وسياسية واكتظاظ سكاني.
بينما عانى آخرون من طفولة مسيئة، وأصبحوا يعانون ضغوطًا شديدة تمنعهم من تربية الأبناء، ويرفض بعضهم القيود المهنية التي تفرضها التربية، ويعترف بعض آخر بكرههم للأطفال أو افتقارهم للصبر على تربية الأبناء، ويتولى آخرون رعاية آباء مسنين، ويشعرون أن إنجاب الأطفال سيستنزف طاقتهم أكثر، ويشعر بعض آخر بالاستياء من الاتجاه الذي سلكته التربية اليوم.

يكره كثير من الأزواج الذين اختاروا عدم إنجاب الأطفال التضحية بأسلوب حياة مُجزٍ ومبدع، وغالبًا ما يكون عفويًا، يشمل السفر والترفيه والرياضة والهوايات.
باختصار، إنهم يعتزون بحريتهم المطلقة.
يذكر الأزواج أيضًا الهدوء والسكينة والنظام في المنزل الخالي من الأطفال، ويُعدّ تقليل التوتر عاملًا شائعًا آخر يُراعيه العديد من الأزواج الذين ليس لديهم أطفال عند اتخاذ قرارهم.
تخشى «والترز» وزوجها، «برايان إدواردز»، وهو وسيط عقارات تجارية، من أن يُقوّض الأطفال علاقتهما.
وقد أكدت دراسة أجراها موقع «نو كيدنغ» الإلكتروني هذا الأمر: إذ أبدى 62% من الأزواج الذين شملهم الاستطلاع مخاوفهم.
تقول والترز: «لقد شهدنا تدهورًا في العلاقات بعد إنجاب الأزواج للأطفال. إذ يصبح الزوج فجأةً «ثانيًا بعيدًا» عن الأطفال، أو يختلفان حول كيفية تربيتهم. وغالبًا ما تنعدم أو تنعدم الطاقة الرومانسية بيننا. أنا وبرايان نستمتع بكوننا الشخص الأول في حياة كل منا».
وصمة عار تلاحق هؤلاء الأزواج!
تقول «إيلين جيبسون»، وهي معالجة زواج وعائلة ومستشارة مهنية مقيمة في أتلانتا: إن عددًا من الغرباء لا يزالون يُصدرون افتراضات سلبية في حالة الزوجين الخالية من الأطفال.
تقول: «الأزواج الذين يُصرّحون برفضهم الإنجاب لا يواجهون القدر نفسه من الوصمة الاجتماعية، عندما يكونون صريحين ويشاركون في كثير من الأمور الشيقة في حياتهم، يستمدُّ الناس منهم تلك الطاقة الإيجابية».
«سينثيا ماكاي» هي الرئيسة التنفيذية لشركتها الخاصة المتخصصة في سلال الهدايا الفاخرة؛ وزوجها، «بول غوميز»، هو مساعد المدعي العام لولاية كولورادو، لقد تزوجا منذ 18 عامًا، وهما صريحان بشأن قرارهما بالبقاء دون إنجاب.
تقول ماكاي: «يقول معظم الناس إننا من أفضل الآباء والأمهات. يرون أننا قادرون ماليًا وعاطفيًا على توفير بيئة مثالية للطفل، أقول للناس إننا مرتاحون جدًا لقرارنا بعدم إنجاب الأطفال، ولا نندم على ذلك. ليست أولوية الجميع أن يكونوا آباءً. فنحن نوجه طاقاتنا نحو أمور أخرى، مثل قضايا حقوق الحيوان والسياسة».
أما «باربرا فيشر»، وهي مستشارة مهنية مرخصة في أتلانتا، فتقول: إن قرار عدم الإنجاب لبعضهم قرار روحي: «وفق كثيرين، يرتبط عدم الإنجاب بقدرهم، قد لا يكونون هنا ليقوموا بدور الأبوة والأمومة».
نُحب بعضنا ولكن لا نريد أطفالًا
حينئذ تبرز المفارقة الكبرى بين الغرب والشرق: ففي حين يُعد القرار خيارًا شخصيًا في الغرب، يُنظر إليه في مجتمعاتنا العربية كونه خللًا في الطبيعة الزوجية ومساس بالعُرف والدين. فإذا كان هذا الأمر مقبولًا لدى الغرب بثقافته وقيمه المختلفة تمامًا عن ثقافتنا نحن العرب، فما الأسباب التي تدفع العربي -أيًّا كانت ديانته- الذي نشأ وترعرع في مجتمعات تقدِّس العائلة وتعد الإنجاب هبة إلهية واصطفاء، لأخذ مثل هذا القرار؟!
بالنظر إلى واقع الأزواج العرب الذين اختاروا ذلك، نجد بوضوح أن المشكلة ليست ناتجة عن عدم القدرة المادية أو الجسدية، وإنما عدم الرغبة، ليس فقط في تحمل المسؤولية كآباء وأمهات والعيش بحرية دون قيود، وإنما أيضًا حفاظًا على المظهر والمنصب والطموح الوظيفي الذي يرى في الإنجاب عائقًا يحول دون بلوغه.

غير أنه لا يمكن بحال من الأحوال، ونحن في مجتمعاتنا العربية، أن نفصل قضية الإنجاب عن الدين وما جرى عليه العرف التي لطالما ارتبط فيها الإنجاب بالبركة، بل ونظر الإسلام إلى الأطفال على أنهم «زينة الحياة الدنيا». حتى إن العلماء ذهبوا إلى جواز تأجيل الإنجاب أو حتى منعه، إذا كانت هناك أسباب منطقية ومقبولة، صحية كانت أو نفسية، فالأصل في الزواج والغاية منه هي الإنجاب وعمارة الأرض.
بالتوازي مع النظرة الدينية، يوجد بعد اجتماعي، يتمثل في الأعراف والتقاليد التي تربط الزواج بالإنجاب، بل ويتعرض بسببه الزوجان لضغوط كبيرة، ولا سيما الرجل الذي لا تنجب زوجته، فيُدفع دفعًا نحو الزواج بأخرى من أجل هذه الغاية.
في خضم هذا الجدل بين الرفض والقبول، تظل مسألة الإنجاب خيارًا يحمل أبعادًا إنسانية عميقة، لا يمكن عزله عن خلفية الإنسان الثقافية والدينية والاجتماعية، وفي حين يُنظر إليه في الغرب قرارًا شخصيًّا بحتًا، يبقى في العالم العربي مرآة للهوية والقيم والواجبات. وربما آن الأوان لفتح حوار أكثر انفتاحًا في المعنى الحقيقي للأسرة، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، وبتقدير لاختلاف التجارب الإنسانية.
وأنتم أعزائي القراء، شاركونا آراءكم في الأسباب التي تدفع بعض الأزواج إلى أخذ قرار عدم الإنجاب، ومدى قبول المجتمع لهذه الفكرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.