تصل الفاتورة إلى طاولتك في بلد أجنبي، وتتجمد للحظة محاولًا فك شفرة القواعد غير المكتوبة: هل أترك بقشيشًا؟ كم يجب أن أترك؟ هل هو إلزامي أم اختياري؟ إن معنى البقشيش يتجاوز كونه مالًا إضافيًّا؛ إنه لغة اجتماعية معقدة.
في هذا الدليل، نصحبكم في رحلة ممتعة؛ لنتعرف على تاريخ الإكرامية، وكيف يتعامل معها الناس في بلدان مختلفة، ونستكشف آداب دفع البقشيش في العصر الرقمي.
أحد الأمور التي يصعب توصيفها وتبدو عادية وجانبية وصعبة وأساسية في الوقت نفسه هو البقشيش أو الإكرامية، أو ما يطلق عليه الناس في أي مكان في العالم. فهو في النهاية مال إضافي يُدفع بعد شراء المنتجات أو الحصول على الخدمات، وكأنه أمر متفق عليه بين الجميع. وفي بعض البلدان، يكون البقشيش شبه إجباري، وفي بلدان أخرى يكون شيئًا نادرًا حسب الثقافة المحلية.
تاريخ البقشيش
أصل كلمة البقشيش في اللغة العربية يعود إلى الكلمة الفارسية «بخشش» التي تعني هبة أو عطية، وعلى الرغم من أنه لا توجد أبحاث جادة أو أدلة تاريخية ملموسة على بداية عادة البقشيش على مستوى الزمان والمكان؛ فإن معظم المؤرخين يقولون إن البقشيش بدأ في القرون الوسطى في أوروبا الإقطاعية، حيث كان الأثرياء والنبلاء والأرستقراطيون يمنحون العمال والمزارعين والخدم ما نعرفه الآن باسم البقشيش، وهو ما اختفى من أوروبا بعد ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، لكنه هاجر إلى الولايات المتحدة مع موجات المهاجرين من كل مكان في أوروبا، وبدأ يصنع مجده الخاص ويصبح عادة أصيلة في المجتمع الأمريكي.
ومع الوقت، انتشر البقشيش في كل مكان في العالم، وأصبح لكل مجتمع ثقافة خاصة بالبقشيش، وظهرت كثير من المهن التي تعُد البقشيش مصدرًا مهمًا وربما أساسيًا لها. فالراتب الزهيد يُعد جزءًا من الدخل الذي يعتمد ضمنًا على وجود بقشيش أو الإكرامية. ومن هؤلاء عمال محطات البنزين في المنطقة العربية، ومقدمو الطعام والشراب في معظم مناطق أوروبا، والخدم وحاملو الحقائب في الفنادق في معظم بلدان العالم.
لماذا يدفع الناس البقشيش؟ علم النفس وراء الإكرامية
إذا سألت الناس عن السبب الحقيقي الذي يدفعهم إلى دفع الإكرامية أو البقشيش، فمعظم الناس سيخبرونك أنهم يدفعون بسبب العرف وليس بسبب الرغبة في الدفع. وبعض الناس يشعرون بالرضا عندما يدفعون البقشيش، وكثير منهم يدفعون رغمًا عنهم. أيضًا فالأعراف الاجتماعية في بعض البلدان لا تسمح للناس بالتغاضي عن دفع البقشيش، مثلما يحدث في الولايات المتحدة فلا يُعد الأمر هناك شبه إجباري.

وكثير من الناس يدفعون البقشيش من أجل الحصول على خدمة جيدة، على الرغم من أن المنطق يقتضي أن أي خدمة تُقدَّم يجب أن تكون ذات جودة عالية، وأن الأشخاص الذين يتلقون الخدمات والسلع يدفعون ثمنها بالفعل. فإن الناس يسعون إلى مزيد من الجودة والمعاملة الحسنة، وربما بعض المميزات التي يستطيع أن يقدمها الشخص الذي يتلقى البقشيش، مثل وجود مكان مميز في المطعم أو فعل أي خدمات تُطلب منه، سواء كانت ضمن دائرة اختصاصه أم لا.
من ناحية أخرى، فقد أُجريت دراسة في جامعة كورنيل في نيويورك عن البقشيش أو الإكرامية ومدى ارتباطها بجودة الخدمة. أثبتت هذه الدراسة التي قادها البروفيسور مايكل لين (Michael Lynn)، الخبير الأبرز في سيكولوجية البقشيش أن مبلغ البقشيش لا يرتبط غالبًا بمدى الجودة أو الخدمة التي يتلقاها العميل، وإنما يعود الأمر لأشياء أخرى مثل إجمالي مبلغ الفاتورة، ومدى جاذبية النادل أو الشخص الذي تُدفع إليه الإكرامية، أو المكان محل الخدمة أو السلعة.
وهذا يفسر لماذا يدفع الناس البقشيش على الرغم من سوء الخدمة أحيانًا؛ فالدافع قد يكون الامتثال الاجتماعي أو تجنب الشعور بالذنب أكثر من كونه مكافأة على الجودة. ويختلف الأمر أيضًا بحسب مستوى الشخص الذي يقدم البقشيش.
آداب دفع البقشيش: قواعد غير مكتوبة للتقدير والاحترام
يتجاوز البقشيش كونه معاملة مالية؛ فهو يخضع لقواعد اجتماعية غير مكتوبة تظهر التقدير والاحترام. من أهم آداب دفع البقشيش أن تكون بكياسة وبعيدًا عن التباهي. يُفضل كثير من مقدمي الخدمات استلام الإكرامية نقدًا ومباشرة في اليد إن أمكن، مع ابتسامة وكلمة شكر، فهذا يضفي على اللفتة طابعًا شخصيًا وتقديريًا. وقبل دفع أي مبلغ، من الآداب الأساسية التحقق من الفاتورة بعناية للتحقق مما إذا كانت رسوم الخدمة مُضافة بالفعل، لتجنب الدفع المزدوج.
وفي المقابل، إذا كانت الخدمة سيئة للغاية، فمن المقبول في معظم الثقافات (خارج أمريكا) تقليل قيمة البقشيش أو عدم دفعه، فالبقشيش في جوهره مكافأة على الخدمة الجيدة وليس حقًا مكتسبًا. في النهاية، القاعدة الذهبية هي التصرف بلباقة، فالبقشيش لغة عالمية للتقدير، وطريقة تقديمه لا تقل أهمية عن قيمته.
البقشيش الرقمي
يُعد مصطلح «البقشيش الرقمي» مصطلحًا جديدًا، لكنه يتوافق مع استخدام التكنولوجيا في عمليات الدفع. فقد كان من المفترض تغيير ثقافة البقشيش بعد ظهور وسائل عدة للدفع دون استخدام الأوراق والعملات النقدية. فقد كان الناس دائمًا يتركون باقي الحساب من العملات الصغيرة أو يضعون بعض العملات على مبلغ الحساب، أو حتى وضع البقشيش في جرة أو صندوق صغير كجزء من ثقافة البقشيش.
والحقيقة أن الأمر لم يتغير كثيرًا، فقد ظهر البقشيش في أنظمة الدفع الإلكترونية على نحو أربك الناس في البداية، لكنهم تعوَّدوا عليه بعد ذلك بوصفه جزءًا من عملية الشراء أو تقديم الخدمات، وهو ما ظهر بقوة في أثناء جائحة كورونا، فقد لجأت كثير من الشركات والمتاجر إلى الدفع عبر الإنترنت بدلًا من الدفع النقدي، وبذلك ظهر ما عُرف بعد ذلك بدمج الإكرامية مع الفاتورة.
ومع ظهور كثير من التطبيقات الإلكترونية التي يدفع بواسطتها الناس مقابل السلع والخدمات، ظهرت وسائل كثيرة تسعى إلى تضمين البقشيش والإكرامية إلى الفاتورة. تعتمد بعض هذه التطبيقات على إضافة مبلغ محدد أو نسبة محددة من الفاتورة، في حين يعتمد البعض الآخر على ترك الزبائن لتحديد قيمة البقشيش. وفي هذه الحالة، يمكن للزبون أن يدفع ما يريد أو ألا يدفع أي شيء. وتعتمد واجهات هذه التطبيقات على كثير من وسائل التأثير في الزبائن من أجل الضغط على خيار دفع البقشيش، وتعرف هذه الظاهرة عالميًا باسم تضخم البقشيش، فأصبح يُطلب من المستهلكين دفع بقشيش في مواقف لم تكن تتطلبه سابقًا، وتشير تقارير اقتصادية من مصادر مثل Forbes.
ماذا يفعل الزبائن تحت الضغط؟
هل شعرت مسبقًا بالإحراج أو الضغط عند دفع فاتورة خدمة أو سلعة في مكان ما بسبب البقشيش؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فالأمر طبيعي تمامًا، فكثير من الناس يشعرون بالضغط والإحراج بسبب البقشيش، لا سيما في الأمكنة التي تتعامل مع طرق الدفع الإلكتروني، فلا يفهم معظم الناس ماذا يجب عليهم أن يفعلوا، خاصة إذا كان هؤلاء الناس لا يفهمون تمامًا كيف يعمل هذا التطبيق، وبذلك يضغطون على دفع الفاتورة والبقشيش للتخلص من الإحراج والضغط، وهو ما يكلفهم مبلغًا من المال.
أما التصرف الأصح الكفيل بالخروج من الضغط عند التعامل مع البقشيش في الدفع الإلكتروني فهو بالسؤال عن كيفية عمل التطبيق، وعن قيمة الفاتورة الحقيقية، وبعدها يمكن للشخص أن يحدد قيمة البقشيش التي ينوي دفعها أو حتى يرفض أن يدفع البقشيش بأي أسلوب. ويجب أن يكون التصرف بثقة ودون خجل؛ نظرًا لأن الشخص قد دفع فعلًا ثمن الخدمة أو السلعة، وبذبك فهو ليس مضطرًا لدفع أي شيء إن لم يكن يرغب في دفعه بالطريقة التي يحبها وبالقيمة التي يقدرها.
أيضًا فإن بعض الأشخاص يجدون أنفسهم مضطرين لدفع البقشيش، على الرغم من أنهم لم يحصلوا على الخدمة بجودة عالية، أو أن السلعة لم ترضهم على النحو الكافي. وبذلك عليهم أن يعبروا عن عدم الرضا بعدم دفع البقشيش، وإن استدعى الأمر الدخول في نقاش مع مقدم الخدمة أو الشخص الذي يتقاضى الفاتورة. فليس من المنطق أن يحصل الناس على خدمة رديئة أو سلعة أقل من المستوى، ثم يدفعون ثمن السلعة ومعها مبلغ إضافي بسبب الإحراج أو الضغط.
أما النقطة الأهم في التعامل مع البقشيش فهي تتعلق بفهم ومعرفة المجتمع المحلي وكيف يتعامل الناس فيه مع البقشيش، ففي بعض المجتمعات يكون البقشيش جزءًا من أجر العامل، وفي بعض المهن يكون البقشيش هو كل الأجر، وفي أمكنة أخرى يذهب البقشيش إلى صاحب العمل أو إلى الشركة أو المؤسسة التي تقدم الخدمة.
كيف يتصرف الناس مع البقشيش في أنحاء العالم؟
على الرغم من أن البقشيش هو عادة عالمية قلَّما لا يُمارس في بلد أو منطقة ما، فإن ثقافة البقشيش تختلف من مكان إلى آخر على مستوى طريقة الدفع وقدر المال المدفوع.
قواعد البقشيش في أمريكا: ثقافة شبه إلزامية
فعلى سبيل المثال أشارت الدراسات الحديثة ومصادر السفر الموثوقة مثل Lonely Planet إلى أن معظم الأوروبيين في فرنسا وألمانيا والدنمارك والمملكة المتحدة وإيطاليا والسويد يدفعون نسبة ما بين 5 إلى 10% من ثمن الفاتورة، في حين يدفع الناس في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ذلك، حيث تتراوح النسبة المتوقعة بين 15% إلى 20%، وقد تصل إلى 25%.
وتشير الدراسات نفسها إلى أن الأوروبيين قد لا يدفعون البقشيش إذا كانت الخدمة سيئة، وهو ما لا يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، فيدفع الناس البقشيش على الرغم من سوء الخدمة. وبذلك يُعد البقشيش في الولايات المتحدة الأمريكية جزءًا مهمًا من دخل العمال ومقدمي الخدمات، وهم أنفسهم يدفعون البقشيش بالقيمة نفسها عندما يتلقون الخدمات ويشترون السلع، وكأنه قانون محلي ملزم.
المكسيك وأمريكا الجنوبية: البقشيش جزء من المعادلة
وفي دولة مثل المكسيك، يُعد البقشيش أمرًا مهمًا ومحركًا أساسيًا لكثير من المهن؛ لذا عليك أن تدفع في كل مكان، في المطعم وعند ركن السيارة، حتى في الأمكنة الفارهة والمطاعم الكبيرة. فالبقشيش يُدمج مع الفاتورة، وينتظر الناس من السياح الذين يأتون لزيارة المكسيك بقشيشًا عاليًا أكثر من المعتاد، وهو ما يؤثر بالفعل في تقديم الخدمة والمعاملة، ولكن لا يزال من المتوقع إضافة 10-15% إضافية للخدمة الجيدة.
وفي أمريكا الجنوبية بدأت معظم الدول تضيف البقشيش إلى الفواتير حتى يصبح الناس مرتاحين عند دفع الفواتير ولا يشعرون بالضغط والحيرة، لا سيما مع استخدام تقنيات الدفع الإلكترونية. وعلى الرغم من ذلك فإن بعض الأمكنة تمارس حيلة صغيرة من أجل الحصول على مزيد من البقشيش، فيضعون صندوقًا أو جرة صغيرة على المائدة أو في أمكنة الدفع من أجل تحفيز الناس على ترك بعض المال بقشيشًا.
قواعد البقشيش في أمريكا واليابان: عالمان مختلفان
أما في اليابان وهونغ كونغ، فالأمر يختلف تمامًا. فالناس هناك يعدون دفع البقشيش أو الإكرامية أو أي أموال خارج الإطار الرسمي للأسعار إهانة كبيرة. ويرى الناس هناك أنهم يقومون بأعمالهم ويقدمون الخدمات والسلع المطلوبة منهم، لذا فهم لا يقبلون أي أموال إضافية. وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض العمال ومقدمي الخدمات في المطاعم والفنادق في اليابان قد يقبلون بالبقشيش إذا وُضع في مظروف وقُدِّم بعيدًا عن الفاتورة تعبيرًا عن التقدير الشخصي العميق.
أوروبا: الخدمة مقابل السعر
وفي بعض الأمكنة في أوروبا، مثل سويسرا وبلجيكا، توجد قوانين تمنع دفع أي مبالغ إضافية لم تتضمنها الفواتير. وبذلك تقوم المطاعم والفنادق والمتاجر بتضمين الخدمة مع الفواتير. وغالبًا ما تُكتب الفواتير بصورة واضحة ومفصلة، بحيث يعرف الشخص ثمن الخدمة وثمن السلعة وأي مبالغ إضافية تم دفعها، وهو ما يعد أكثر الأساليب راحة في التعامل مع البقشيش.
العالم العربي: عرف غير مكتوب
وفي البلاد العربية، يُعدُّ البقشيش مشاعًا، فهو لا ينضبط ولا يرتبط بأي قانون أو عرف، وينتظر العمال ومقدمو الخدمات دائمًا مزيدًا من المال في كل مكان، سواء أكانت الأمكنة الفارهة التي تقدم خدماتها للأغنياء والأثرياء، أم الأمكنة الشعبية التي تُقدم خدماتها للفقراء ومتوسطي الدخل.
وفي الغالب، يتوقع العمال ومقدمو الخدمات أن يترك الشخص ما بين 10% إلى 15% من إجمالي السلعة أو الخدمة أو الفاتورة، حتى ولو كانت الخدمة مُضمَّنة على الفاتورة، وهو أمر ربما يعود لضعف الرواتب ومستوى المعيشة، ووجود كثير من المهن التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على البقشيش.
في نهاية المطاف، ليس البقشيش مجرد مال، بل هو لغة اجتماعية واقتصادية معقدة، تتغير قواعدها بتغير الثقافات والتقنيات. فهم آداب دفع البقشيش ليس فقط لتجنب الإحراج، بل هو جزء من احترام ثقافة البلد الذي تزوره والعاملين الذين يخدمونك. سواء كان إلزاميًا كما في أمريكا، أو إهانة كما في اليابان، أو جزءًا من الكرم كما في العالم العربي، يظل البقشيش نتيجة لعاداتنا وطريقة تفاعلنا مع قيمة الخدمة والتقدير.
وفي نهاية هذا المقال نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات بخصوص البقشيش، والمواقف التي مررت بها من قبل، بالإضافة إلى مشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.