اليوم مقالي عن موضوع ثقافي وأخلاقي في غاية من الأهمية، وهو ثقافة الاعتذار.
الاعتذار سلوك لا يفقهه إلا المتصالح مع ذاته، الشخص الذي لا يطلب السماح من غيره عندما يُخطئ، لا يستطيع أن يسامح نفسه؛ لذلك هو شرط مهم للراحة النفسية والتوازن النفسي؛ لأنه يخلصنا من الشعور بالذنب، ويدفعنا لتعديل سلوكنا، والتعلم من الخطأ.
اقرأ ايضاً رسالة اعتذار لنفسي وليس لغيرها
ثقافة الاعتذار
وعندما تعتذر فأنت في واقع الأمر تنصف نفسك أيضاً، المشكلة أن البعض يخشى من التراجع عن الخطأ وكأنّه سيفقد شيئاً كبيراً إذا اعتذر، وأظن أن السبب في ذلك قد يكون شعوراً عميقاً بالذّنب يدفع إلى الهروب بدلاً من المواجهة والاعتراف بالخطأ؛ فهو لا يُكلف وقتاً ولا شيئاً سواء أنك تنصف من أخطأت في حقه.
ومن يعترف بخطئه ويعتذر فقد وصل إلى نقطة التصالح مع الذات، وهي أهم نقطة للاستشفاء من كل العقد البشرية التي تجعل الإنسان يشعر أن الاعتذار ضعف أو أنّ الاعتراف به مذلة، وتراه يتمسك بمبدأ "أنا لا أخطئ، وأنا دائماً على حق".
وهناك نوع آخر من الناس يعترفون بخطئهم، لكنهم لا يعتذرون، وهذا النوع مُصاب بالكبرياء المرضي بحسب علم النفس.
اقرأ ايضاً علم النفس بين النظرية والتطبيق وأهميته في حياتنا
الاعتذار يقتل النفس
الاعتذار يقتل سموم النفس، ويطهر الروح، ويحرر القلب، ويسمو بصاحبه، ولا نجده سوى عند نوع معين من البشر، أرواحهم خالية من إحساس الكراهية، وهؤلاء هم الأكثر دفئاً وحناناً من غيرهم.
منذ فترة التقيت صدفة بصديقة قديمة كان بيننا خلاف قديم، كانت هي السبب فيه، سلمت عليها بكل حرارة وهي تضحك، فذكرتني بالموضوع الذي كنا قد اختلفنا عليه، ضحكت أنا أيضاً واعتذرت لي واعتذرت لها إكراماً للعشرة القديمة.
ولم ندخل في التفاصيل، تسامحنا بكل عفوية، وبكل صدق، وبكل سرور فقط لنشعر برضا الضمير والنفس؛ فالاعتذار مقرون بإرادة تعديل السلوك؛ لأنه راحة للضمير، وصقل للنفس، من أجل ذلك أصبحت أعطي أعذاراً حتى لمن هو بسيط في تفكيره؛ لكيلا أنتظر اعتذاره طالما الأمر يتعلق بطمأنينة ذاتي.
اقرأ ايضاً الوعي الذاتي والهوية ومراحل تكوين الشخصية
نكران الذات
من الضروري أن تتوفر سمة نكران الذات لدى كل شخص منا، فهي تساهم بشكل كبير في رُقي أخلاقنا وترفع من شأننا، وهذه السمة لا يصلها إلا من تعالت روحه عن الصغائر، وارتفعت عن سفاسف الأمور، لكن علينا ضبط المسافات بيننا وأن نجيد القياسات بين ما نريد الوصول إليه وبين ما يفكرون فيه.
البعض يعتبر أنه إذا اعتذر يعني أنه أخطأ، طبعاً الاعتذار لا يعني أنك دائماً مخطئ، ولكنه يعني بأنك تُقدّر علاقتك بالآخرين أكثر من الانتصار لذاتك فهو خُلُق وليس مذلة.
إن أخطأتم لا تترددوا في الاعتذار فهو ليس ضعفاً أو خلافه، بل هو رُقي أخلاق وثقافة لا يتقنها إلا من يتمتع بسلام داخلي، وحب فياض في داخله، وهو أعلى مراتب القوة، وليس كما يصفه البعض بأنه ضعف، الاعتذار يغسل القلوب، وينقي المشاعر من الشوائب، وهو حالة إنسانية جميلة، وأخلاق عالية، وآفاق واسعة، ومحبة جارفة، وإيمان عميق، وبُعد رؤية، وقوة ذاتية يفتقدها الكثيرون.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.