في زمن كانت فيه سماء المغرب ملكية خاصة لسلطات الاستعمار، وحكرًا على الرجال الأوروبيين دون غيرهم، بزغت نجمة فاسية لم تتجاوز ربيعها السادس عشر لتعيد رسم حدود المستحيل. لم تكن ثريا الشاوي مجرد فتاة طموحة تهوى التحليق، بل كانت مشروعًا وطنيًا متكاملًا صعد إلى الجو ليؤكد حق المغاربة في امتلاك فضائهم وقرارهم.
الطيران حكرٌ استعماري
في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كان الطيران في المغرب تحت سيطرة فرنسية كاملة، وكانت مدارس مثل تيط مليل حصرية للنخبة الأوروبية، في حين حُرم المغاربة من التدريب إلا في حالات نادرة جدًا، وكانت الطائرات أداة عسكرية للقمع، والسماء رمزًا للهيمنة الاستعمارية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود.
نشأة في بوتقة الوعي الوطني
ولدت ثريا عبد الواحد الشاوي في 14 ديسمبر 1936 بمدينة فاس، في عائلة وطنية مثقفة بارزة. والدها عبد الواحد الشاوي، الصحفي والمخرج المسرحي الشهير الذي كان صوتًا وطنيًا في الصحافة، ووالدتها زينب من عائلة فاسية عريقة، وشقيقها صلاح الدين الفنان التشكيلي.، أي أن ثريا الشاوي نشأت في بيئة تجمع بين الوعي الوطني والفنون والعلوم.

في سن مبكرة، أصابتها أزمة صدرية خطيرة، فنصحها طبيب برحلة جوية علاجية فوق فاس. هذه التجربة غيَّرت حياتها، إذ أشعلت فيها شغفًا بالطيران رغم السخرية المجتمعية الشديدة، وقد عرف عنها أنها كانت تميل إلى الألعاب الميكانيكية، تفككها وتُعيد تركيبها بعيدًا عن لعب الأطفال العادية، وهو ما أثار دهشة الجميع.
في خطوة جريئة، انتقلت عائلتها كاملة إلى الدار البيضاء عام 1950 لدعم طموحها رغم المعارضة الاجتماعية والاقتصادية.
تيط مليل: المدرسة الوحيدة للطيران بعالم الرجال
التحقت بمدرسة تيط مليل للطيران بالدار البيضاء، المخصصة للنخبة الأوروبية تحت إشراف مباشر للقوات الجوية الفرنسية، كانت الفتاة الوحيدة بين عشرات الذكور الأوروبيين، وقد قوبل طلب تسجيلها بالمدرسة بالسخرية المُرَّة: «فتاة مغربية تقود طائرة؟».
واجهت تمييزًا عرقيًا وجنسيًا ممنهجًا من المدربين والزملاء الذين رأوا في دخولها تهديدًا لتفوقهم، ورغم ذلك، دعمها أستاذ إسباني بالمدرسة، وبعد عام من التدريب المكثف، حصلت على شهادة الطيران في 17 أكتوبر 1951 بعمر 16 عامًا بعد أن أبهرت اللجنة الفرنسية، حين حلَّقت على ارتفاع 3000 متر وسط الضباب الكثيف، وقطعت دائرة بمحيط 40 كيلومترًا، وهبطت بنجاح مذهل في ظروف جوية صعبة لا يجتازها إلا الخبراء.
الحفل التاريخي: لحظة الإعلان عن عصر جديد
في الساعة الثالثة مساءً من 17 أكتوبر 1951، قادت أول رحلة رسمية بطائرة «بيبر» من تيط مليل إلى الرباط، وحلَّقت فوق القصر الملكي وألقت باقة ورد مع رسالة للسلطان محمد الخامس. أُقيم احتفال فوري في مطار تيط مليل بتنظيم «النادي الجوي للأجنحة الشريفة» بحضور جماهير مغربية كبيرة، وكبار الشخصيات، والصحفيين، والمصورين، وعائلتها الكاملة.

ألقت ثريا كلمتها الشهيرة الارتجالية: «استطعتُ أن أقتحم ميدان الجو، وأفتح للفتاة المغربية بابًا من أبواب التطور»، في إشارة واضحة لدورها الرائد في تحرير المرأة. ورد مدير النادي حينها بالإنجليزية: «هذا دليل على استعداد المغرب الكامل للتقدم والتطور».
ناشطة وطنية وداعية لتحرير المرأة
كانت ثريا ناشطة وطنية في ذروة حراك الاستقلال، وأسهمت في حملات تعليم الفتيات، وكانت من أوائل داعيات تحرير المرأة المغربية، وقد تلقت برقيات تهنئة من شخصيات مغربية وعربية وعالمية، واستقبلها السلطان محمد الخامس مع الأميرات للا عائشة وللا مليكة.
معركة مزدوجة: الاستعمار والتقاليد
واجهت سخرية مجتمعية شديدة لفتاة تطمح إلى عمل رجالي، وتمييزًا ممنهجًا في مدرسة ذكورية أوروبية، وقد شهدت مصادر عدة عاصرتها أنها كانت تمثل تهديدًا لتفوق الاستعماريين العرقي والجنسي.
مواقف من حياة ثريا الشاوي
كانت ثريا الشاوي شخصية متعددة المواهب، حيث برزت في مجالات الأدب والشعر والقصة، بالإضافة إلى نشاطها الاجتماعي الريادي بتأسيس جمعية أخوات الإحسان.
كما جسدت أسمى معاني الوطنية حينما احتفت بعودة الملك محمد الخامس من منفاه بطريقتها الخاصة، إذ حلقت بطائرتها ذات المحرك الواحد لتنثر الأوراق الملونة فوق موكبه، وهو الموقف الذي كلفها إصابة بليغة في رئتها استدعت رحلة علاج طويلة في سويسرا، لتعود بعدها وتضع اللبنات الأولى لتعليم الطيران بالمغرب من خلال تأسيس مدرسة متخصصة وتأليف أول كتاب لتعليم الطيران باللغة العربية.
وفي موقف يبرز ثقتها الفائقة واحترافها، واجهت ثريا سخرية طاقم طائرة إسبانية في مطار مالقة عام 1953، حيث استهجنوا ارتداءها زي الربابنة لصغر سنها وقصر قامتها وهي في سن 17 عامًا فقط. إلا أنها استطاعت بحنكة كبيرة إقناع قائد الرحلة بقدراتها، فانضمت إليه في كابينة القيادة وأتمت الرحلة بنجاح حتى مطار تطوان. وعند الهبوط، لم يملك الربان الإسباني إلا أن يعلن للمسافرين بإعجاب شديد أن هذه الشابة هي من قادت الطائرة، مما حول السخرية إلى تقدير مستحق.
الشهادة بالدم قبل الاستقلال بيومين
في 1 مارس 1956، اغتيلت ثريا برصاص فرنسي في الدار البيضاء، قبل إعلان الاستقلال بيومين فقط، بسبب نشاطها الوطني الواضح.
إنجازاتها الخالدة
- أول ربانة مغربية.
- رمز النضال الوطني والتحرر النسوي.
- شهيدة الاستقلال والطموح.
ثريا الشاوي ليست صفحة تاريخية، بل نجمة تضيء سماء المستقبل لكل فتاة مغربية تحلم بالتحليق.
ثريا الشاوي: مشعل لا ينطفئ
ثريا الشاوي ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل نجمة تضيء سماء المستقبل لكل فتاة مغربية تحلم بالتحليق. في عالم كانت السماء فيه حكرًا على القلة، فتحت أمامنا أبوابًا لم تُغلق أبدًا، مُذَكِّرةً بأن الطموح لا يعرف جنسًا ولا حدودًا ولا قيودًا استعمارية.
اغتيلت جسدًا في 1 مارس 1956، لكن روحها ما زالت تُحلِّق فوقنا، تُذكِّرنا بأن كل تحدٍّ هو مجرد ريح تدفع بنا إلى الأعلى، ولا تزال كلمتها الخالدة في الحفل تتردد في الذاكرة: «استطعتُ أن أقتحم ميدان الجو، وأفتح للفتاة المغربية بابًا من أبواب التطور».
فلنحيِ ذكراها لا بكلمات فحسب، بل بأفعال:
- تعليم فتياتنا وتمكينهن من العلوم.
- دعم طموحاتهن في مجالات الرجال.
- جعل سماء المغرب ملكًا لكل من يجرؤ على الحلم.
تظل ثريا الشاوي رمزًا خالدًا للمرأة المغربية والعربية، ليس فقط لكونها أول طيارة في المغرب، بل لما تركته من بصمة مؤثرة في الهوية البصرية للطيران المغربي باختيارها رمزه الذي لا يزال مستخدمًا حتى يومنا هذا، واستطاعت بذكائها وقوتها أن تثبت أن الإرادة قادرة على تطويع الصعاب، محولةً شغفها بالطيران إلى رسالة وطنية وتعليمية ألهمت أجيالًا متعاقبة من النساء في سائر الأقطار العربية والأفريقية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.