فيلم «ثرثرة فوق النيل» ليس دراما اجتماعية فحسب، بل عملٌ فنيّ جريء واجه السلطة وشخّص أزمة الهوية بعد نكسة 1967، جسّد الفيلم حالة الانهيار القيمي واللامبالاة التي أصابت المجتمع المصري، مستندًا إلى رواية نجيب محفوظ الشهيرة، وبمزيج من الرمزية والواقعية، نقل المخرج حسين كمال هذه الرؤية إلى شاشة السينما، ليصنع فيلماً أيقونيًا أثار الجدل وما زال يُدرَّس.
في هذا المقال سنكشف تفاصيل قصة الفيلم، وأبطاله، وكواليس إنتاجه، مع تسليط الضوء على الرمزية العميقة التي حملها فيلم ثرثرة فوق النيل لتلك المرحلة المفصلية من تاريخ مصر.
يحتل فيلم (ثرثرة فوق النيل) المركز الثامن والأربعين في قائمة أفضل 100 فيلم مصري في تاريخ السينما المصرية، وقد عُرِض الفيلم في عام 1971، ويُصنَّف على أنه دراما اجتماعية.
قصة فيلم ثرثرة فوق النيل رحلة الهروب نحو الوعي
يتحدث فيلم ثرثرة فوق النيل عن أنيس -ويجسد دوره عماد حمدي- الذي يعاني إحباطًا كبيرًا ويشعر بالضياع، يلتقي أنيس بمجموعة من الأصدقاء في مركب على النيل، يتكونون من مجموعة من الشخصيات المختلفة التي تمثل جوانب متعددة من المجتمع، مثل الفلاحين والسكارى، يتحدثون عن حياتهم ومشكلاتهم، وتظهر من حواراتهم وثرثرتهم حالة عدم المبالاة من مشكلات البلاد.

وتحدث حادثة تصدم فيها مجموعة من الأصدقاء فلاحة على الطريق ويتركون الفلاحة ميتة دون اهتمام، ويبدأ أنيس في تناول المخدرات وسيلة للهروب من واقعه المرير، وتؤثر المخدرات في حياته وعلاقاته، وبعد سلسلة من الأحداث، يقف أنيس مع ذاته، ويبدأ أنيس في استيعاب ما يحدث حوله، وخاصة ما أصاب المجتمع بعد النكسة، فيقرر أن يتوقف عن المخدرات ويبدأ في مواجهة مشكلاته.
أبطال فيلم ثرثرة فوق النيل
أدى بطولة فيلم (ثرثرة فوق النيل) كوكبة من النجوم، أبرزهم الفنان عماد حمدي في دور أنيس زكي، والفنان أحمد رمزي في دور رجب القاضي، والفنانة سهير رمزي في دور سناء، والفنانة ميرفت أمين في دور ليلى، والفنانة ماجدة الخطيب في دور سمارة، والفنان عادل أدهم في دور خالد عزوز، والفنان صلاح نظمي في دور خالد، بالاشتراك مع الفنانين أحمد توفيق، مجدي وهبة، عايدة الشاعر، نعمت مختار، وأحمد الجزيري، وفتحية علي، وقدرية كامل، وأنور مدكور.

صنَّاع فيلم (ثرثرة فوق النيل)
فيلم (ثرثرة فوق النيل) من إخراج حسين كمال، وقصة نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار وإنتاج ممدوح الليثي، وتصوير مصطفى إمام، ومونتاج رشيدة عبد السلام، ونسق المناظر نجيب خوري، ومهندس الصوت نصري عبد النور.
فيلم (ثرثرة فوق النيل) وبداية الوعي بعد النكسة
يصف فيلم (ثرثرة فوق النيل) الحال في أثناء نكسة 67 وما بعدها، حتى وإن كانت الرواية قد كُتبت سنة 1966، لكنها في المعالجة السينمائية قد عبَّرت عن النكسة. ولا ننسى المونولوج الشهير الذي بدأ الفيلم به، وكان يقول فيه عماد حمدي: «اللي يردموه يرجعوا تاني يفحتوه، واللي يسفلتوه يرجعوا تاني يهدوه، مرة عشان الكهرباء، ومرة مواسير المياه، ومرة سلك التليفون، ومرة المجاري، وياما جرى في الدنيا، ياما جرى».
رمزية الفلاحة في فيلم (ثرثرة فوق النيل)
يبدأ فيلم (ثرثرة فوق النيل) بحادثة في الطريق لمجموعة من السكارى والمساطيل بعد قدومهم من العوامة، يصدمون فلاحة فتُقتل، ثم يتركوها ليكملوا حياتهم كما هي في حالة لا مبالاة، وهنا ترمز الفلاحة إلى مصر التي يُسيء إليها الجميع في حالة لا مبالاة لحقوقها.
عمرو الليثي يتحدث عن العمارة التي وقف عليها الفنان عماد حمدي في نهاية الفيلم
من أهم الملابسات في هذا الفيلم لحظة الاستيقاظ التي انتابت أنيس (عماد حمدي)، عندما ذهب إلى السويس، وتعمد والدي والمخرج الأستاذ كمال حسين أن يصورا الأستاذ عماد حمدي وهو يقف أمام عمارة جدي المرحوم أمين الديدي التي أصابها صاروخ إسرائيلي في حرب يونيو 67؛ لأنه كان على سطحها نقطة مراقبة عسكرية، ما أدى إلى انشطار العمارة إلى قسمين وتدميرها، وصُوِّرت العمارة بالكامل، والفنان عماد حمدي يقول: «فين الناس، راحوا فين، راحوا فين»، ثم يعود من الجبهة ليستيقظ ويقرر أن يتوقف عن شرب الحشيش ويفوق من غفلته.

تحويل روايات نجيب محفوظ إلى أفلام
لقد كانت أعمال الكاتب الكبير نجيب محفوظ محل رغبة الجميع من المخرجين في تحويلها إلى أفلام سينمائية، ومن أبرزها أفلام (أنا حرة) للمخرج صلاح أبو سيف، و(بداية ونهاية) لصلاح أبو سيف، و(بئر الحرمان) لكمال الشيخ.
الفنان عماد حمدي لم يكن الخيار الأول
على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه الفنان عماد حمدي في تجسيد دور أنيس في فيلم (ثرثرة فوق النيل)، فإنه لم يكن الاختيار الأول، فقد كان الفنان محمود مرسي هو الخيار الأول، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه في فيلم (شيء من الخوف)، وكانت هذه هي رغبة الفنان المنتج جمال الليثي، ولكن أصر حسين كمال المخرج على عماد حمدي حتى إنه هدد بالانسحاب من العمل، ما اضطر المنتج جمال الليثي للرضوخ لرغبة المخرج، فأُسْنِد الدور للفنان عماد حمدي الذي برع فيه بشدة.
جمال عبد الناصر من فكرة تقديم الفيلم
عندما علم الرئيس المصري جمال عبد الناصر بفكرة تحويل رواية (ثرثرة فوق النيل) إلى فيلم سينمائي، انزعج بشدة، واستدعى وزير الثقافة وقتها ثروت عكاشة، وأخبره بغضبه الشديد من هذا الأمر، ولكن ثروت أخبره بأنه لا بد أن يكون من الحرية للأدباء والفنانين، وفعلًا اقتنع جمال عبد الناصر في النهاية وأُنْتِج الفيلم.
نجيب محفوظ يتحدث عن أزمة جمال عبد الناصر والفيلم
روى الكاتب الكبير نجيب محفوظ حكايته عن انزعاج الرئيس جمال عبد الناصر من تجسيد فيلم (ثرثرة فوق النيل)، وقال: «عندما جاء ثروت عكاشة لتهنئتي بجائزة نوبل، حكى لي تفاصيل ما دار في كواليس السلطة عن أزمة رواية (ثرثرة فوق النيل)، فقد كان عكاشة وقتئذ وزيرًا للثقافة، وبينما هو يستعد لرحلة عمل إلى إيطاليا، استدعاه جمال عبد الناصر، وسأله عما إذا كان قد قرأ الرواية، ولما لم يكن قد قرأها، فقد طلب منه عبد الناصر قراءتها وإبداء رأيه فيها بعد عودته من إيطاليا.
وحين قرأ الدكتور ثروت عكاشة رواية (ثرثرة فوق النيل) أثناء رحلته، وفي أول لقاء له مع الرئيس عبد الناصر، دافع عنها وفنّد اتهامات المهاجمين لها، وأكد للرئيس أنه يُنبه إلى أخطاء موجودة وليس لديه سوء نية في مهاجمة نظام الحكم، ثم قال له: إن من الضروري أن يتوافر للأدب قدر من الحرية، لينقل صورة واقعية حقيقية عن المجتمع، وإذا لم يجد الأدب هذا القدر من الحرية، مات واضمحل تأثيره. واستطاع الدكتور ثروت عكاشة إقناع عبد الناصر بأن حرية الأدب هي أفضل دعاية للنظام في الخارج، وفعلًا اقتنع عبد الناصر، وقال للدكتور ثروت عكاشة: اعتبر المسألة منتهية».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.