هل تعلم أن أول اختبار ذكاء في التاريخ لم يظهر للبحث عن العباقرة، بل لتحديد الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم تعليمي؟ في هذا المقال، نستكشف معًا قصة هذا الإنجاز الثوري، ونسلط الضوء على حياة ومؤلفات تيودور سيمون، ذلك الطبيب النفسي الفرنسي الذي مثلت صداقته وتعاونُه مع ألفريد بينيه حجر الزاوية في تأسيس علم نفس حديث.
تعرضتُ في المقال السابق إلى ترجمة لبينيه، وسلطتُ الضوء على بعض مؤلفاته. ونقوم بالشيء نفسه لسيمون في هذا المقال، فأتعرض للظروف التاريخية لظهور أول رائز للذكاء، وأختم ببعض المعلومات العامة عن النسخ الثلاث للرائز، لنترك الخوض في بعض التفاصيل إلى المقال القادم.
تيودور سيمون: الحياة والمسيرة
تيودور سيمون «Théodore Simon» (1873-1961) هو طبيب نفسي وعالم نفس فرنسي. بدأ دراسة الطب سنة 1892 في باريس، ثم قضى عامين مقيمًا للتدرّب على الطب النفسي بداية من 1 فبراير 1899 في مستشفى فوكلوز «Vaucluse» للأمراض النفسية في إيبيناي سير أورج «Épinay-sur-Orge» في قسم الأطفال المتخلفين عقليًا والأغبياء.
وفي تلك المرحلة اتصل بألفريد بينيه، مدير مختبر علم النفس الفسيولوجي في جامعة السوربون آنذاك، ليعرض عليه الملاحظات والبحوث التي أجراها على مرضى هذا القسم، وكانت هذه بداية تعاونه وبداية صداقته ببينيه.

مارس مهنته في مستشفى الأمراض النفسية «Dury-les-Amiens» بمدينة أميان، ثم في «Saint-Yon» قرب روان «Rouen» من سنة 1908 إلى سنة 1920، ثم في مستشفى فوكلوز «Vaucluse» من سنة 1920 إلى سنة 1930، ثم في مستشفى «Sainte-Anne» بباريس من سنة 1930 إلى سنة 1936، ثم في مستشفى هنري روسال «Henri Rousselle» بباريس سنتي 1936 و1937. أنشأ مجلة «Laboratoire et Psychiatrie» عام 1937، وكان أيضًا مؤسس أول مدرسة عليا للممرضين والممرضات النفسيين عام 1946.
وقد طالت به الحياة -خاصة أنه كان يصغر بينيه بستة عشر عامًا- ليشهد شهرة رائزه على نطاق واسع، فقد رأى بنفسه كيف رفعهما هذا الرائز إلى مصاف الخالدين. أما بينيه فلم يشهد إلا ردود الفعل الأولية لإنجازه، وقد نالا شهرتهما منه على الرغم من كثرة مؤلفاتهما وعمقها، وعلى الرغم من اهتماماتهما البحثية المتعددة وإنجازاتهما العلمية المختلفة.
مؤلفات تيودور سيمون
ألَّف سيمون ثمانية كتب ومئات المقالات، وأهتمُّ هنا ببعض المقالات والكتب التي ألَّفها مع بينيه.
ففي كتاب «الأطفال غير العاديين، دليل قبول الأطفال غير الطبيعيين في فصول تحسين المستوى» «Les enfants anormaux, Guide pour l’admission des enfants anormaux dans les classes de perfectionnement» المؤلَّف سنة 1907، عارض بينيه وسيمون الرأي السائد العابر للحضارات القائل إن الإعاقة الذهنية والغباء يمثّلان توقفًا نهائيًا للنمو، وأنهما غير قابلين للعلاج؛ بل عدَّها تأخرًا في النمو يمكن تداركه. وقد رأينا في مقال سابق أن ابن الجوزي وبعض علماء المسلمين يرون أن الغباء لا يُداوى.
وألّف بينيه وسيمون كتاب «قياس تطور الذكاء لدى الأطفال الصغار» «La mesure du développement de l’intelligence chez les jeunes enfants»، قدّما فيه رائزهما وتعرّضا فيه إلى مفهومي العمر العقلي والعمر الزمني الفعلي. ويشير العمر العقلي إلى مستوى النمو المعرفي للطفل، فإن وُجدت فجوة مدة عامين أو أكثر بين العمرين، كان ذلك إشارة تحذيرية للتخلف العقلي الذي يتطلب اهتمامًا خاصًا.
وفي مقال بعنوان «طرق جديدة لتشخيص المستوى الفكري للأشخاص غير الطبيعيين» «Méthodes nouvelles pour le diagnostic du niveau intellectuel des anormaux» صدر في «الحولية النفسية» سنة 1904، عدّا ثلاث طرق لتشخيص قدرات ذوي الذكاء المحدود، وهي:
«أولًا – المنهج الطبي، الذي يهدف إلى تقييم العلامات التشريحية والفسيولوجية والمرضية لنقص القدرات في التفكير.
ثانيًا – المنهج التربوي، الذي يهدف إلى تقييم الذكاء بناءً على مجموع المعارف المكتسبة.
ثالثًا – المنهج النفسي، الذي يقوم بالملاحظة المباشرة وقياس درجة الذكاء».
وأضافا قائلين: «الطريقة النفسية هي الأكثر مباشرة من بين جميع الطرق؛ لأنها تستهدف الحالة الفكرية كما هي في اللحظة الحالية، بالتجارب التي تلزم التلميذ ببذل جهد يظهر ما هو قادر عليه من ناحية الفهم والحكم والاستدلال والإبداع.» وقالا: «لذلك فإن هذه الكائنات لديها قدرات»، قاصدين الأطفال الذين لديهم مستوى منخفض من الذكاء.
وقالا فيه أيضًا: «هذا الرائز لا يقيس الذكاء بالمعنى الصحيح للكلمة، لأن الصفات الفكرية لا تُقاس كالمسافات، إذ لا يمكن تركيب بعضها على بعض، بل هو تصنيف وتسلسل هرمي بين أنواع الذكاء المختلفة؛ ولأغراض عملية، يتبع هذا التصنيف القياس».
اختبار بينيه-سيمون: الظروف التاريخية ونشأة أول رائز للذكاء
في فرنسا، جاء قانون 28 مارس 1882 المتعلق بالتعليم الابتدائي والمعروف بقانون فيري، بإجبارية التعليم الابتدائي للأطفال من الجنسين من سن 6 إلى 13 عامًا، تكريسًا لتطور التعليم في فرنسا والتحاق أبناء طبقات مختلفة من المجتمع الفرنسي بالمدرسة العمومية. وبسبب الإقبال الكبير على المدرسة وسنّ القانون المذكور آنفًا، أصبح كل التلاميذ في سن التمدرس يلتحقون بالمدرسة الذكي منهم والغبي. فتبين أن بعض التلاميذ غير قادرين على متابعة دروس الفصل العادي واستيعاب الدروس المقدمة نظرًا لانخفاض قدراتهم الفكرية وذكائهم.
وبما أن التعليم أصبح إجباريًا، ممّا يعني أن من حق كل الأطفال مهما كان مستواهم الفكري أن يؤمّوا المدرسة، وجب أن تقدم لهؤلاء إعانة تعليمية. فسارع وزير التعليم العام بفرنسا في أكتوبر/تشرين الأول 1904 بتكوين لجنة مكلفة بتقديم الحلول والتدابير التي يجب اتخاذها لضمان تعليم يراعي الأطفال غير العاديين أي منخفضي الذكاء، ويُمكّنهم من الاستفادة من حقهم في التعليم، ويدعمهم ليستطيعوا مزاولة تعلمهم بنجاح. وكذلك شُكِّلت لجنة لتحديد هؤلاء الأطفال وتوجيههم نحو تعليم يراعي احتياجاتهم، واقترح تخصيص مدارس لتحسين مستواهم.
وبما أن ألفريد بينيه كان من أحقّ من يُدعى للانتماء إلى هذه اللجنة بحكم اهتماماته البحثية في المجال وقامته العلمية، فقد كان من أوائل من استُدعي إليها. فحسمت اللجنة، في عدة جلسات، شروط قبول الأطفال منخفضي الذكاء فيها، ونوعية موظفيها وهيئة التدريس، وأساليب التدريس. وقررت أنه لا يمكن إقصاء أي طفل من المدارس العادية وتوجيهه إلى مدارس تحسين المستوى إلا بعد خضوعه لفحص بيداغوجي وطبي يُثبت أن حالته الفكرية تجعله غير قادر على مواكبة الدروس في المدارس العادية والاستفادة منها. ورأى بينيه أن مهمة هامة لم تولها اللجنة الوقت الكافي، فأوكل إلى نفسه هذه المهمة، وهي التعرف على هؤلاء الأطفال ذوي الذكاء المنخفض وتمييزهم والعثور عليهم من بين جملة المتمدرسين وما قبل التمدرس.
إذن، ظهر أول رائز للذكاء ليس من أجل تحديد الأذكياء والعثور عليهم كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما ظهر في سياق تربوي من أجل ضبط الأقلَّ ذكاءً لتقديم إعانة تعليمية لهم، ولم يكن من أجل بحث علمي بحت ولا من تلقاء واضعيه. أما بينيه فكانت له اهتمامات سابقة بالمجال التربوي وبالذكاء وروائزه وبالطفل. وأما سيمون فكان طبيبًا نفسيًا مختصًا في الأمراض النفسية والتأخر العقلي والغباء.

وقد رأينا سابقًا، في جملة ما كتبت لمنصة جوك، كيف كان يبحث غالتون من تلقاء نفسه عن رائز للذكاء من أجل تحديد الأذكياء لمشروعه تحسين النسل البشري، وكان كاتل يبحث من تلقاء نفسه أيضًا من أجل التعرف على الأذكياء ومدى قدرات الطلاب الجدد على مواكبة التعليم الجامعي.
وكان رائز الذكاء أول رائزٍ نفسيٍّ للقياس، وبهذا تقدّم ظهوره على بقية الروائز. وتكون روائز الذكاء والقدرات الفكرية والكفاءات سابقة لغيرها، ولعل ذلك يعود لأهمية الذكاء وقيمته في العصر الحديث. وقد سارت بقية الروائز على نهجه.
نظرة على إصدارات الاختبار الثلاثة
من أهم مزايا هذا الرائز أنه سريع في تمييز الذكي من الغبي، وهو أيضًا موثوق به. ويدل صدور ثلاث نسخ متتالية للرائز على العناية الكبيرة التي أولياها له، وتجريبه المتواصل على عينات متعددة من الأطفال، وحرصهما على التحسين والتطوير، واستماعهما لمختلف الآراء والانتقادات. كل هذا جعل الرائز يصدر في أبهى حلّة، قليل الأخطاء، وأقرب إلى قياس ما يُراد قياسه؛ وهو الذكاء.
النسخة الأولى (1905): تتألف النسخة الأولى من رائز بينيه-سيمون، «المقياس المتري لمراتب الذكاء» «L’échelle métrique de l’intelligence» التي وُضعت عام 1905، من 30 سؤالًا لتقييم القدرات الفكرية للأطفال، وتتراوح من البسيطة إلى المعقدة. ويختلف الوقت اللازم لإكمال الاختبار باختلاف عمر الطفل، ولكنه عادةً ما يستغرق حوالي نصف ساعة.
النسخة الثانية (1908): هي النسخة المعدلة لرائز 1905، تتكون من 58 مهمة مقسمة حسب العمر العقلي (استُخدم هذا المصطلح بدايةً من هذه النسخة) من 3 إلى 13 عامًا، ويحتوي كل مستوى عمري عادةً على 5 مهام، باستثناء بعض المستويات التي قد تحتوي على 4 أو 6 مهام. ويستغرق إجراء الرائز في المتوسط من 30 إلى 40 دقيقة لإتمامه، وأحيانًا أطول قليلًا حسب عمر الطفل ومدى تعاونه.
النسخة الثالثة (1911): هي آخر نسخة منشورة؛ إذ توفي بينيه في تلك السنة. وتتكون من 45 بندًا وامتحانًا، وتُقسَّم هذه البنود حسب العمر العقلي من سنتين إلى 15 سنة، مع مجموعة إضافية للبالغين (المستوى الأعلى). ويتضمن كل مستوى عمري عادةً 5 مهام. وصُمم الرائز لتحديد العمر العقلي للطفل. ولا توجد مدة محددة لإجرائه رسميًا، ولكن عمليًا، يستغرق إجراء الرائز عادةً من 30 إلى 50 دقيقة، حسب عمر الطفل وسرعة استجابته.
إرث بينيه وسيمون الخالد
لقد كان عمل ألفريد بينيه وتيودور سيمون نقطة تحول حاسمة في تاريخ علم النفس. فبفضل جهدهما المشترك، وُلد أول اختبار ذكاء موثوق، ليس فقط كونه أداة للقياس، بل كونه أداة لتحديد الاحتياجات التعليمية للأطفال، وهو ما وضع الأساس لمفهوم التربية الخاصة الحديثة. إن إرثهما يظل خالدًا، شاهدًا على أن أهم الإنجازات العلمية قد تبدأ بمشكلة، ولكنها تحمل في طياتها القدرة على تغيير وجه العالم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.