تيليتابيز.. خيال يدمر قصة ويشوه واقع!.. فهل كل خيال مباح؟

هل يجوز استخدام الخيال في اختلاق أحداث وربطها بقصة حقيقية، فيحدث أن يتداخل الحقيقي وغير الحقيقي وتتضافر الأحداث فيصبح الجزء المُختلق واقعاً؟ 

طرحت على نفسي هذا السؤال بعدما دفعني فضولي لمعرفة حقيقة منشور قرأته ذات يوم على صفحات مواقع التواصل حول كارتون شهير عمره أكثر من 20 عاماً، ارتبطت به أنا وأبناء جيلي حيث رافقنا في طفولتنا المبكرة في نهاية التسعينيات.. ورغم مرور السنوات، لكن شخصيات هذا المسلسل الكارتوني هي من ذلك النوع المميز الذي يجعل من الصعب نسيانه.

"تيليتابيز" مسلسل كارتوني لطيف موجه للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة -عام لـ ٤ أعوام - تم بثه في أكثر من 120 دولة حول العالم.. ألوان جذابة قصة مختلفة بسيطة تقوم على التعبيرات الحركية وبعض المواقف الطريفة التي يقوم بها شخصيات الكارتون الشهير عالمياً ،وهم (تينكي وينكي - ديبسي -لا لا - بو) الأمر الذي يعكس تفاعل الأطفال مع البيئة التكنولوجية المتزايدة في أواخر التسعينات كما وصفه منتجو العمل. 

لكن ما رافق هذا العمل من شائعات مؤخراً، جعل العديد من الناس يتداولونه، حيث شارك شاب عبر منصة "فيسبوك" قصة تحت عنوان "الحقيقة وراء قصة تليتابيز" زاعمًا أن الشخصيات الأربعة لـ "تيليتابيز" هم في الأصل أربعة أطفال قد تعرضوا لماضٍ مؤلم بُنيت عليه قصة يشاهدها أطفال العالم دون معرفة الحقيقة، حيث كانوا يعانون من سوء المعاملة في أحد المصحات العقلية وذلك بسبب ابتسامتهم التي ولدوا بها وكانت تستفز مقدمي الرعاية.

وراح يسرد في تفاصيل دقيقة حول المعاملة التي تلقاها هؤلاء الأطفال الذين لا تزيد أعمارهم عن 7 أعوام، وكيف أنهم توفوا بنفس الطريقة حينما حاولوا إخفاء شاشات التليفزيون الصغيرة داخل بطونهم خوفاً من منعهم من مشاهدة التلفاز من قبل مقدمي الرعاية في المصحة، فقام كل منهم بجرح نفسه بواسطة سكين ليلقى الـ 4 أطفال مصرعهم في اليوم نفسه. 

لكن مع القليل من البحث نجد أن هذا الشاب (أحمد طارق)  -الذي نقلت عنه الصفحات الأخرى قصته حتى تناقلها الآلاف- يهوى تأليف قصص الرعب وسبق أن قام بسرد بعض من القصص التي يحب أن يشاركها مع متابعيه، لكن لماذا انتشرت هذه القصة تحديداً؟ هل لارتباطها بمسلسل كارتوني عالمي تابعه ملايين الأطفال بل والكبار أيضاً؟ أم لتناسق التفاصيل التي سردها مع ما نعرفه عن المسلسل في الواقع؟ أم لأن أسلوب السرد لم يتخلله ما يثير الشك بأن ما هو مكتوب غير منطقي؟

اعتقد أن السبب يكمن حقاً في التفاصيل فمثلاً الربط بين ألوان الشخصيات وتفاصيل تعذيبهم كانت مقنعة، حيث أوضح أن الطفل صاحب شخصية "تينكي وينكي" بنفسجي اللون بسبب هروبه من المصحة في البرد القارس حتى تحولت شفتاه إلى اللون البنفسجي بالإضافة لربطه في سرير المصحة، وأن "ديبسي" الأخضر كان يستفرغ الطعام حتى تحول وجهه لـ اللون الأخضر، وأن شخصية "لالا" الصفراء تم حبسها حتى تحول جلدها لـ اللون الأصفر المريض وأنها كانت تتمنى أن ترى الشمس فقامت برسمها على جدار حجرتها وهو ما يفسر ظهور الشمس التي تحمل طفلة بداخلها في الكارتون، وأخيراً شخصية "بو" الحمراء قال بأنها تعرضت للحرق حتى أصبح لون جلدها يميل للأحمر. 

وفضلاً عن ذكر التفاصيل أرفق قصته ببعض الصور المناسبة كصورة إحدى غرف المصحة العقلية التي وُضع بداخلها الأطفال الأربعة، بالإضافة لاختلاق قصة أخرى حول مجرمي الديب ويب وخطف الأطفال وتعذيبهم وقتلهم بنفس طريقة الأطفال الأربعة، انتهاءا بذكر سبب تواجد التلفاز داخل بطن كل شخصية الأمر الذي جعل الحبكة مقنعة للقارئ حينما يعلم أن الحكومة البلغارية حاولت إخفاء القصة حتى لا يعلم الناس حقيقة ما يحدث داخل المصحات العقلية من سوء معاملة للأطفال.

لكن الشاب مُختلق القصة، وكما يقول المثل "كدب الكدبة وصدقها" قال إن منظمات حقوق الإنسان وصلت إليها القصة الحقيقية ولذلك صنعت هذا العرض التليفزيوني تخليداً لذكرى الأطفال الأربع، وبالتالي تحولت مأساة الأطفال لبرنامج كارتوني برئ. 

المثير للدهشة والتساؤل أيضًا، أن تعليقات جميع المتابعين عكست مدى تصديقهم لما هو مكتوب دون الإمعان في معرفة مدى حقيقته من عدمها، ورغم أن الكاتب أحمد طارق أنهى منشوره بجملة "تابعوا كل قصصي المرعبة" إلا أنه أصر على ذكر أن المعلومات الواردة في المنشور قام بجمعها بصعوبة كبيرة الأمر الذي يعكس رغبته في تصدير تلك المعلومات الخاطئة دون تصحيحها أو توضيح الأمر.

لكن الشئ الإيجابي هو محاولة جيدة من جريدة مصرية شهيرة قامت بعمل بحث دقيق باللغات العربية والإنجليزية والبلغارية (بلد منشأ القصة)،  ولم تتوصل لمصدر تلك المعلومات أو الصور التي تم إرفاقها، حتى تواصلت الجريدة مع الشاب الذي أوضح أنه أصل القصة وأنها جميعها مُختلقة من تأليفه مع إيضاح أنه لم يرغب في ذكر حقيقة الأمر ليظهر بذلك الشكل القصصي المتماسك. 

ودليل آخر بالبحث عن أصل المسلسل الكارتوني نجد أنه خرج بواسطة شخصين وهما  آن وود وأندرو دافنبورت بعد أن طلبت هيئة الإذاعة البريطانية منهما إنتاج عمل يستهدف الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، حيث يريدون توجيه عقل الأطفال ليتفاعل مع البيئة التكنولوجية الحديثة في التسعينيات وذكروا أن المسلسل مستوحى من اهتمام دافنبورت برواد الفضاء وعلى وجه التحديد أبولو 11  أول هبوط على سطح القمر. 

ختامًا.. ما تم ذكره بالأعلى ما هو إلا مثالاً صغيراً على حرية الكتابة التي تمنح تحريف التاريخ كل الحرية لاختلاق الأحداث وتشكيلها وفقاً لما يريده صاحب القصة، ورغم أن القانون لا يُجرم الخيال والتأليف بل على العكس قد يُكرم المرء على عمل قدمه في قالب مبني على الخيال، إلا أنه لابد وأن تكون هناك شعرة تفصل بين الخيال المبني على العقل تماماً وذلك المستند إلى قصة حقيقية يضيف إليها ويُبنى عليها حتى لا تتداخل الأحداث ويصبح الجزء المُختلق واقعا قد يُحكى مستقبلاً على أنه حقيقي، واعتقد أن هذا ما يحدث في قصص التاريخ التي من المؤكد أن معظمها لم يحدث بالفعل بل وصلت إلينا كما يراها خيال ناقلها..

هل يضر هذا النوع من الخيال أم يفيد؟ قد لا أعلم إجابة واضحة لهذا السؤال وقد لا أعلم المميزات العديدة للقصص الخيالية، لكن من المؤكد أن عدم تصحيح المعلومات للجمهور العام حتى وإن بلغت من الأمر أدناه كما هو الحال في "مسلسل كارتوني" هو تصرف لا يُحمد عقباه، خاصة في القصص التي قد تمس شعوباً وقبائل، الأمر الذي أدركه جيدا هو أن مثل هذه الأحداث قد تترك داخل البعض ممن يشبهونني العديد من التساؤلات التي من المؤكد أنه لن يصبح هناك إجابةٌ عليها!! 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب