يُعد توماس ألفا أديسون أحد أشهر المخترعين وأكثرهم تأثيرًا على مر العصور، إذ ترك بصمة عميقة في الحياة العصرية، مساهمًا في اختراعات مثل المصباح الكهربائي، والفونوغراف، وكاميرا السينما، كما أسهم في تطوير التلغراف والهاتف.
وخلال 84 عامًا، حصل أديسون على 1093 براءة اختراع، وهو رقم يعكس غزارة عطائه العلمي ولم يسبقه إليه أحد.
من هو توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي؟
وُلد توماس ألفا أديسون في 11 فبراير 1847 في بلدة صغيرة تُدعى ميلان بولاية أوهايو الأميركية. ولم يكن أحد يعلم أن هذا الطفل سيغدو أحد أبرز من غيَّروا وجه العالم، لا بالحرب أو السلطة، بل بالضوء. وعانى توماس أديسون من مشكلات صحية منذ الصغر، وكان يُعرف في شبابه باسم «آل».

كان أديسون طالبًا ضعيفًا، وعندما وصفه أحد المدرسين بأنه غبي، أخرجته والدته من المدرسة وبدأت تعليمه في المنزل، مؤمنة بقدراته الكامنة. وفي سن مبكرة، أبدى أديسون شغفًا بالميكانيكا والتجارب الكيميائية، وهو شغف سرعان ما تحوَّل إلى مسار حياة.
عمل أديسون بائعًا للصحف على متن القطارات، لكنه لم يكن مجرد بائع عادي؛ بل حوَّل إحدى العربات المهجورة إلى مختبر صغير يجري فيه التجارب الكيميائية، في مشهد يكشف مبكرًا عن روحه الابتكارية. وعندما وقع انفجار صغير في المختبر، طرده مشرف القطار.
كيف استفاد أديسون من إعاقته السمعية؟
وفي سن الثانية عشرة تقريبًا، فقد أديسون سمعه. وتوجد نظريات عديدة حول سبب فقدانه السمع؛ إذ يرجع البعض ذلك إلى آثار الحمى التي أُصيب بها في طفولته.
ومع ذلك، لم تدعه إعاقته تثنيه، بل كان غالبًا يعدُّها ميزة؛ إذ سهَّلت عليه التركيز على تجاربه وبحوثه. ومع هذا، لا شك أن الصمم جعله أكثر عزلة وخجلًا من الآخرين.
بداية التطور
في عام 1868، انتقل أديسون إلى بوسطن، حيث عمل في مكتب ويسترن يونيون، وانكبَّ على تطوير اختراعاته بانضباطٍ لافت. وبعد عام، استقال من العمل وقرر التفرغ للابتكار، مجازفًا بالاستقرار في سبيل الشغف.
وانتقل أديسون إلى مدينة نيويورك، وسمح له صديقه بالنوم في غرفة في شركة صموئيل للمؤشرات الذهبية التي كان يعمل بها. وعندما تمكَّن أديسون من إصلاح آلة معطلة، لفت الأنظار إلى كفاءته، فعُيِّن لإدارة آلات الطباعة وتحسينها.
وخلال المرحلة التالية من حياته، انخرط أديسون في عدد من الشركات والاختراعات المتعلقة بالتلغراف، وشكَّل مع أصدقائه فرانكلين غِل بوب وجيمس آشلي شركة للتلغراف، وأعلنوا عن أنفسهم بوصفهم مهندسين كهربائيين، فاتحين بذلك صفحة جديدة في مسيرته المهنية.
واستطاع تطوير تلغراف رباعي يمكنه إرسال رسالتين في وقت واحد وفي كلا الاتجاهين، وبسبب ذلك حصل أديسون على عدد من براءات الاختراع لتحسين التلغراف، مكرِّسًا مكانته بصفته مخترعًا بارزًا.

وشهدت حياته الشخصية في هذه المرحلة تغييرات كبيرة؛ فقد توفيت والدته عام 1871، وفي وقت لاحق من العام نفسه تزوج ماري ستيلويل. ورغم محبته الكبيرة لزوجته، فإن علاقتهما واجهت بعض الصعوبات، أبرزها انشغاله المستمر بالعمل ومرض ماري الدائم، الأمر الذي ألقى بظلاله على حياته الأسرية.
مختبر نيوجيرسي: أول مصنع للاختراعات في التاريخ
افتتح أديسون مختبرًا جديدًا في نيوجيرسي عام 1876، وعُرف هذا الموقع لاحقًا باسم «مصنع الاختراعات»، نظرًا للعمل على عدد من الاختراعات المختلفة فيه في الوقت نفسه، في تجربة غير مسبوقة آنذاك.
وفي عام 1877، عمل أديسون على جهاز إرسال هاتفي حسَّن بدرجة كبيرة عمل ألكسندر غراهام بيل على الهاتف، ومكَّن جهازه من نقل الأصوات بمستوى صوت أعلى وأكثر وضوحًا عبر خطوط الهاتف التقليدية.
اختراع المصباح الكهربائي
ركَّز أديسون على نظام الإضاءة الكهربائية عام 1878، وأسس شركته الخاصة بدعم من الممولين لإجراء التجارب على الإضاءة الكهربائية، والتحكم في أي براءة اختراع ناتجة عنها، مدركًا أهمية البعد التجاري للاختراع.
وفي مقابل تسليم براءة الاختراع للشركة، حصل أديسون على نسبة كبيرة من الأرباح والأسهم. واستمر العمل على هذا الاختراع مدة طويلة، سعيًا إلى ابتكار نظام إضاءة متكامل يمكنه دعم مدينة بالكامل، وليس مجرد مصباح معزول.
في عام 1879، اخترع أديسون مصباحًا يبقى مضيئًا لساعات طويلة مستخدمًا فتيلًا من الكربون داخل أنبوب مفرغ من الهواء، في إنجاز شكَّل نقطة تحول تاريخية.
لكن أديسون لم يكتفِ بالمصباح، بل بنى شبكة كاملة لتوليد الكهرباء وتوزيعها. وكان أول من أضاء شارعًا كاملًا بالكهرباء، حين أضاء عام 1882 شارع بيرل ستريت في نيويورك، مترجمًا الاختراع إلى واقع يومي.

وبعد عام، بلغ عدد عملاء أديسون 513 عميلًا يستخدمون 10,300 مصباح. وأسَّس أديسون بعدها عدة شركات لتصنيع وتشغيل الأجهزة اللازمة لنظام الإضاءة الكهربائية، ممهِّدًا لقيام صناعة كاملة.
معركة التيار المستمر والمتردد: أديسون ضد خصومه
ولم يتمكن نجاح إضاءة أديسون من ردع منافسيه عن تطوير أساليبهم الخاصة، وكانت إحدى النتائج معركة بين مؤيدي التيار المستمر بقيادة أديسون، ومؤيدي التيار المتردد.
وهاجم كلا الجانبين قيود كل نظام، وأشار أديسون في معركته، على وجه الخصوص، إلى استخدام التيار المتردد في الصعق الكهربائي بوصفه دليلًا على خطورته، في صراع جمع بين العلم والمصالح.
تأسيس جنرال إلكتريك
وبحلول عام 1889، قدَّم أديسون اختراعًا يجمع بين محرك تحريض تيار متردد ودينامو تيار مستمر. واندمجت بعدها شركة أديسون جنرال إلكتريك مع شركة تومسون هيوستن عام 1892، لتصبح شركة جنرال إلكتريك، إحدى أضخم الشركات الصناعية في العالم.
وبنى أديسون مختبرًا جديدًا في نيوجيرسي، ضمَّ قسمًا للفونوغراف والتصوير الفوتوغرافي، ومكتبة، ومباني ملحقة لاختبارات علم المعادن والكيمياء، موسِّعًا آفاقه البحثية.
لاحقًا، بدأ أديسون في تطوير أجهزة السينما، وأسهم في اختراع أحد أوائل أجهزة عرض الأفلام، كما عمل على تطوير بطاريات السيارات الكهربائية، مستشرفًا مستقبل التكنولوجيا المتحركة.
وعندما انخرطت أوروبا في الحرب العالمية الأولى، نصح أديسون بالاستعداد، ورأى أن التكنولوجيا هي مستقبل الحرب. وعُيِّن رئيسًا لمجلس الاستشارات البحرية عام 1915، في اعتراف رسمي بقيمته العلمية.
ورغم الطابع الاستشاري لهذا المجلس، فقد أسهم بدور فعَّال في إنشاء مختبر للبحرية افتُتح عام 1923. كما واصل أديسون إجراء بحوث بحرية، رغم رفض عدد من مقترحاته خلال الحرب، محافظًا على نشاطه العلمي حتى أواخر عمره.
وفاة توماس أديسون
في عشرينيات القرن العشرين، تدهورت صحة أديسون بدرجة كبيرة، وبدأ يقضي وقتًا أطول في المنزل مع زوجته. وخلال العامين الأخيرين من حياته، تسببت سلسلة من الأمراض في تدهور صحته بدرجة كبيرة حتى دخل في غيبوبة.
وتوفي توماس أديسون في منزله بولاية نيوجيرسي عام 1931، وترك إرثًا لا يُقدَّر بثمن من الاختراعات والأفكار والإلهام. وعند وفاته، أُطفئت الأنوار في عدد من مدن أمريكا لدقائق صمت حدادًا على الرجل الذي منحهم الضوء، وخَلَّد اسمه في الذاكرة الإنسانية قبل صفحات التاريخ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.