مولده ونشأته :
يقف القارىء مبهوراً أمام الظاهرة الفكرية التجديدية التي شملت مصر في العصر الحديث، وهي ظاهرة تؤكد أن الذين ولدوا القرن التاسع عشر وعاشوا حياتهم الفكرية في القرن العشرين هم الذين قادوا النهضة المصرية الحديثة في شتى مناحى الثقافة والفنون والأداب .ومن بين هؤلاء القادة من جيل الرواد ولد (حسين توفيق ) إسماعيل أحمد الحكيم بحى محرم بك بمدينة الإسكندرية فجر يوم 9/10/1898،أما والده فكان من عائلة ريفية متوسطة، وعمل بوظائف القضاء، ووالده تركية الأصل، وكان جده لأبيه (أحمد الحكيم) مجاوراً في الأزهر مع الشيخ محمد عبده، على أن إسماعيل الحكيم والد حسين توفيق (توفبق الحكيم صاحب الترجمة) شرف بزملاء دراستة من المشهورين : مصطفي كامل،ولطفي السيد،وعبد العزيز فهمى،وعبد الخالق ثروت، وإسماعيل صدقى،وغيرهم. ففي نشأته الأسرية الأولى جمع توفيق الحكيم بين أسرة تنتمي إلى قرية مصرية صميمة من أعمال البحيرة هي (صفط الملوك ) جذور عائلة والده،وينتمي نصفها الأخر إلى منطقة بوغاز الأسكندرية حيث كانت تقيم والدته. وعن حظة مولده يقصها الحكيم فيذكر في فقرة من كتابه (سجن العمر ) :
" روت لي والدتى ـ فيما بعد ـ أنى هبطت إلى الدنيا في صمت، دون بكاء أو صراخ أو عويل، شأن كل الأطفال، فحسبتنى نزلت ميتاً فأرتاعت وهي على فراش وضعها، وسألت (القابلة ) التي ألقت بى بعيداً لتعنى بالأم : لماذا لا يبكى ككل المواليد الأصحاء ! وإلتفت الجميع إلى ناحيتي، فوجدوني أنظر ـ كما زعمو ـ إلى ضوء المصباح، وإصبعي في فمي شأن المتعجب !... " (1) .
كانت نشأة الحكيم متوازنة فالأب يمثل الرأفة والأم تمثل القسوة، كما قال بذلك الحكيم غير مرة، وفي القرية نما خيالة مع أخيه وسط الأسرة، والعائلة وعالم أشبه بالخرافة والشقاوة واللعب مع الأقران، وخاصة مع العيدين وفي ومناسبات عرض فنون (الأرجوز ) وعن موسيقى العرض يقول الحكيم :
" إذا أردت أن تعرف ما هو أروع صوت كان يهز مشاعرنا، ونحن صغار, فأعلم أنه صوت الطبلة، لا طبلة الجيش الظفر، يسير تحت نوافذنا منشور البنود، ولا طبلة حراس ( المحمل ) تدق من فوق الجمال المزوقة، ولا حتى طبلة المسحراتى في ليالى رمضان الساحرة، بل طبلة صغيرة متواضعة، هي طبلة (الأرجوز ) إذا اقترب من جنبنا ... " (2) .
إن استقراء الفقرة الأنفية يدلنا على ميل مبكر تجاه فن المسرح الذي كان ينتظره من بعد، رائداً ومؤلفاً غزير الإنتاج، ومنتظراً ونافذاً من أهم الكتاب المسرحيين في الأدب العربى الحديث ... إن التنشئة الأولى صبغت الطفل بالآفاق التي بلغها من بعد، فالخيال الفنى حول عروض الأرجوز وإيقاعة وذكراه، يسرى في مخيلته بمثل وصفه الستجادإذ يصف أحد عروض الأراجوز إبان طفولته بالأسكندرية :
" ... عندئذ ترى العجب، أفواجاً من الأطفال، يخرجون من بيوتهم ركضاً كأنهم جنود، يهبون من ثكناهم على دفات طبل (الطابور ) ويجمعون كالنمل في تلك الساحة، حيث ينصب الأراجوز مسرحه الضيق المرتفع، يتطلعون إليه بعيون شائقة، وأبصار زائغة، ينتظرون ظهور تلك الأشخاص المتحركة المتكلمة الصاخبة، أو تلك التي نسميها نحن الكبار (الدمى) (3) .
ولو أضفنا إلى شغف الحكيم بذلك الفن شغف جمهور الأطفال أيضاً، لعرفنا كيف استغرقته لعبة تحويل خطوط سير القطارات وعدوها ورواحها، أي أعمال الذهن والتأمل في كل رائع وغاد، منذ وقت مبكر من حياتة، وهو ما رأيناه مهما ً للخيال طوال مراحل حياته من بعد . تتلمذ في خوف على المحفظين في كل كتاب في بلدة طوفت به الأسرة، ومن الكتاب إلى مدرسة في دمنهوريسبق عمره الزمن، إذ يتمنى حياه كحياة الزملاء الفقراء وهو الذي ينتسب إلى أسرة متوسطة ميسورة الحال، وقد عكس الحكيم ذلك الموقف في كتابة ( سجن العمر ) بقوله حين يصف تحية طابور المدرسة لوالده حين خرج من البيت المجاور لمدرسة دسوق كأنه إستقبال رسمي :
"... كان شعوري وقتئذ مزيجاً من فخر داخلي قليل، مع الكثير من الخجل والحياء .. لست أدرى، لماذا كنت أريد أن أختفي في باطن الأرض، وأن يجهل التلاميذ كل علاقة لى بهذا الرجل الذي يحيونه بالسلام الرسمى ... " (4) . كان شيخ الكتاب في الريف يعلمنى القراءة والكتابة ويحفظنى القرآن، مما حقق لديه إقبالاً أو شعوراص صافياً، أو إن شئنا القول بداية الإحساس العميق بالجمال والكمال من تلاوة آيات القرآن الكريم . أيضاً أسهم ـ مع كل ما ذكرناه ـ في التنشئة المتوازنة مشاهدة الحكيم لإول عرض مسرحى، وكان في مدينة دسوق من تمثل فرقة الشيخ سلامة حجازى، اخترن لعب الأدوار والصراع بين الشخصيات، أما الذي زاد من جرعة تنمية الخيال أو الأنفعال الفنى لدى الحكيم فجاء من طريق والدته وهي تترى بالروايات والقصص، بأسلوب مشوق، وأحياناً كان الأب ينضم للاستماع بالقصص، وقد كتن الحكيم يقول في ذلك :
"... كانت تجيد سرد القصص علينا لاتترك تفصيلا ًإلاحاولت تصويره، فكنت أنا وجدتي نجلس إليها وكلنا آذان صاغية واحياناً كان ينضم إليها والدى... فإذا انتهي السرد بأبطال القصة في موقف يزيدنا اشتياقاً إلى البقية. قالت والدتي :
إنتظروا حتى أقرأ الجزء التالي... وتتركنا ونحن على أحرمن الجمر، ونحن نعيش بكل أرواحناعلى أولئك الأبطال ننتظرالعودة إليهم، وكانت لا تكتفي بمجرد السرد، بل تصاحبه بالتعليقات من عندنا لتقرب الشخصيات من أفهامها .. فكنت بذلك أعير في مخيلتي أبطال القصص أوجوهاً ممن تعرفهم الحياة .. " (5) .
من إكتمال التنشئة إلى التعليم والتثقيف :
بدأ الحكيم يطالع مثل الروايات أونظائرها قبل الإنخراط في التعليم النظامى، المؤلف والمترجم منها، وخاصة القصص الشعبى العربى، مما كانت تقص عليه منه أمه، أو بدأت تخرجه المطابع بأقلام كتاب من مصر والشام، وهنا ألف عادة القراءة وتكونت لديه ملكة القراءة، فقراء الحكيم في مطالعة الأولى الشعر الجاهلى،وخاصة المعلقات، ومعلقة زهير بن أبى سلمى، وفي عام 1914 م يلتحق توفيق الحكيم بالثانوية وهو في سن السادسة عشرة بعد حصوله على الأبتدائية، ورسب في عامة الأول بالثانوى لأنه كان شغوفاً بالتردد على (السينما توغراف ) على حساب إهمال مدرسته، وحين عوقب وعنف لجأ إلى عادة القراءة التي تأصلت لديه يقراء لكبار الكتاب في الغرب، وإلى التراث الشعبى، بدأ يتجه يقرأ بنهم للجاحظ والعباس بن الأحنف، ومهيار الديلمى،وعمرو بن أبى ربيعة وشعراء المعلقات وغيرهم . وتتنوع ثقافة الحكيم بالتحاقة بمدرسة الحقوق التي انتقل إليها في القاهرة، وتتسع الدائرة حوله، ثم أشار لطفي السيد إلى الحكيم بالابتعاث إلى فرانسا لدراسة دكتوراه القانون، والحكيم يومئذ مشغول بكامل طاقته في بدايات التأليف المسرحى، وفي عام 1925 يتجه إلى فرنسا بهدف تحقيق أمل الأسرة وأملةه في الحصول على الدكتوراه، ويرسب في دكتوراه القانون المأمولة، لأنة كان يريد أن يصبح دكتوراً في الأدب لا في القانون، ويعدد عام 1928م يعمل وكيلاً للنائب العام في الأرياف والمدن الصغيرة في مصر، وفي عام 1933م يرقى إلى إدارة التحقيقات بوزارة المعارف ومنها إلى وزارة الشئون الإجتماعية التي تركها متقاعداً عن العمل الوظيفي وعمره لم يكمل خمسا وأربعون سنة، كان الحكيم يقرأ ويكتب في أعقاب تخرجه، بل في سن مبكرهة بالقياس إلى الرواد المحدثين من نظرائه، وكان أغزرهم إنتاجاً في الفنون الأدبية الروائية والمسرحية وفن المقال،فآثره المطبوعة تتجاوز مائة مؤلف بين الإبداع والترجمة وحصاد اشتغالة بالصحافة، وعرف عنه في أدب الطبائع بالبخل وإظهار العداوة للمرأة، ومع إنه أبرز مفكر في مصر خلال القرن العشرين، إلا أن الأطروحات الجامعية حول أدبه فكرة لا تزال قليلة بالقياس إلى حجم وتنوع وغزارة آثاره القلمية، ظل الحكيم يكتب إلى أن دلف إلأى تتمة العقد التاسع من عمره، حيث مات في يوليو عام 1987 م .
آثار الحكيم الفكرية والإبداعية :
قدم توفيق الحكيم للمكتبة العربية عشرات العناوين في الأنواع الأدبية المختلفة لمدة تزيد على نصف قرن من العطاء التأليفي :
* الأدب القصصى والروائى .
* الأدب المسرحى .
* أدب المقالة والخاطرة .
* الثقافة الدينية .
* السيرة الذاتية والتراجم .
وتنوع إنتاجه بين القصر والطول من حيث حجم العمل الفنى الذي استلهمه برواية (عودة الروح ) عام 1933م مع مسرحية (أهل الكهف ) في ذات العام،أما آخر ما قدمة من كتب (الإسلام والتعادلية ) عام 1983، ونثبت هنا تفصيلاً لآثار الكتاب :
( أ ) في الرواية :
أصدرفي مجال الرواية (11) إحدى عشرة روايةهي : " عودة الروح" 1933و"يوميات نائب في الأرياف "1937 و"عصفور من الشرق" و"أشعب" و"راقصة المعبد" 1939 و"حمارالحكيم"1940و"الربات المقدس" 1944 و" شجرةالحكم" أو" في الدنيا" 1945 و"مراكب الشمس" ورواية بنك القلق 1966.
(ب) في المسرحية :
وفي مجال المسرحية الطويلة والقصيرة التي تصل التي تصل لى( 76) ست و سبعون مسرحية بينها 35مسرحية طويلة و 41مسرحية قصيرة، وهي : " أهل الكهف " 1933و" شهرزاد " 1934 و"محمد " وتسع مسرحيات بعنوان "مسرحيات توفيق الحكيم " في جزأين 1936 و "براكسا أو مشكلة الحكيم " 1939 .
في ثلاثة فصول، التي أعاد إصدارها عام 1954 في ستة فصول، ومسرحيات من ذات الفصل الواحد بعنوان "سلطان الظلام " 1941 و"بيجماليون " 1942 و"سليمان الحكيم " 1943ومسرحيات وقصص قصيرة بعنوان " شجرة الحكيم " 1945و " أوديت الملك " 1949.
وأصدر مجموعة "مسرح المجتمع " التي تتضمن (21 ) إحدى وعشرون مسرحية طويلة وقصيرة 1950 و " المرأة الجديدة " 1952و " الأيدى الناعمة"و"لصفقة " والعش الهادى 1955ومجموعة " مسرج المجتمع " التي تتضمن عشرين مسرحية طويلة وقصيرة عام 1956.
ومسرحيات " لعبة الموت " و " أشواك السلام " و " رحلة إلى الغد " 1957 و " السلطان الحائر " 1960و " يا طالع الشجرة " 1962 و" لو عرف الشباب " و " الطعام لكل فم " 1963و " رحلة الربيع والخريف التي تتضمن مجموعة من الشعر المنثور ومسرحتى " رحلة صيد " و " رحلة قطار " 1965و " شمس النهار"1965و" مصيرصرصار " و " الورطة " 1972ومجموعة مسرحيات " قالبنا المسرحى " ومجموعة مسرحيات " مجلس العدل " 1972وأخرى بعنوان " الحمير " .
(ج) في الأدب القصص والمقالات والخواطر والسيرة، والسيرة الذاتية :
فقد أصدر مجموعة كتب تتضمن مقالات وقصصاً وخواطر، وهي : " حمادى قال لى " و تحت شمس الفكر " و " " عهد الشيطان " 1983 و "من البرج العاجى " 1941و " تحت المصباح الأخضر " 1942 و "فن الأدب " 1945و " عدالة وفن " و " أرنى الله " 1953و " عصا الحكيم " 1954 و"ليلة الزفاف " 1966و"رحلة بين عصرين " و " مدرسة المغفلين " 1972و " حاديث مع الكواكب " و " الدنيا رواية هزلية " 1974و " ثورة الشباب" 1975 و" أحاديث توفيق الحكيم " و"توفيق الحكيم يتحدث " والحكيم نافداً و " الحكيم أديباً " و " الحكيم مفكراً 1974و " أدب الحياة " و " بين الفكر والفن " و " وثائق من كواليس الأدباء" و " تأملات في السياسة " 1965.
وأصدر " نشيد الإنشاد " 1940وهو صياغة جديدة لنشيد سليمان الحكيم كما ورد في التوراة وكتاب " التعادلية " 1955م وكتاب " عودة الوعى " 1973وثان " في طريق عودة الوعى " 1975ومجلد " مختار تفسير القرطبى " 1977ومجموعة مقالات بعنوان " حمارى في مؤتمر الصلح " و " الثقافة والدين والمجتمع " و " أنا وحمارى وعصايا و الآخرون " و " توفيق الحكيم الساخر " و " تحديات سنة 2000" 1981و " ملامح داخلية " 1982و " الإسلام والتعادلية " و " الأحاديث الأربعة " 1983 .
وأصدر في السيرة الذاتية " زهرة العمر " 1943و " سجن العمر " 1964. وكان ـ قبل أن تذاع شهرتة ـ يكتب للمسرح منذ العشرينيات، وقدمت لة فرقة إخوان عكاشة على مسرح حديقة الأزبكية أربع مسرحيات من نوع الفودفيل و الأوبريت، هي " العريس " و " خاتم سليمان " عام 1924و " على بابا " و " المرأة الجديدة " 1926، بقيت الإشارة إلى العمل المشترك الوحيد " القصر المسحور " بالأشتراك مع د . طه حسين . وقد نقلت أهم آثار الآلفية إلى اللغات الأجنبية المختلفة وهي : الإنجليزية و الفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية والسويدية والرومانية والعبرية والإسبانية، ومن أبرز كتبة المترجمة غير مرة " عودة الروح " و " عصفور من الشرق " و " أهل الكهف " و " يوميات نائب في الأرياف " وغيرها .
توفيق الحكيم رائداً ومفكراً ومجدداً :
أسهم توفيق الحكيم بأعمالة الأدبية التي ذكرناها ـ في مجموعة آثار ـ أسهم إسهاماً فريداً في ذيوع الفن المسرحى و بالتأليف المتمايز فية بالعمق والأصالة والغزارة، فهو في سائر مسرحياتة كان يعالج مشكلات إنسانية وإجتماعية على نحو وجد صدى مباشراً لدى المجتمع وكل المشتغلين بالأدب والفن، ومن أهم محاولاته في لغة الأدب المسرحى الجديد الذي مثل ظاهرة تأليفية لدية هو تقريب الهوة بين اللغة الفصحى واللغة الدارجة، فاستعمل لغة يفهمها العامة ويقدرها الخاصة، ولكنها تنسب إلى المستوى الرفيع .
وفي كتابه " فن الأدب " يفصح عن فكره التجديدى أو ريادته الفكرية مثلما لعب في الأعمال الإبداعية دور بعض الأبطال أو نماذج الروائية أو المسرحية، فمن أقواله الثاقبة في الكتاب المشار إليه قوله :
" الأدب ويداه : فيمناه الخلق الذي ينتج ويبتكر، ويسراه النقد الذي ينظم ويفسر " . والإبتكار أو الخلق الأدبى ليس أن تطرق موضوعاً لم يسبقك علية سابق، ولا أن تعثر على فكرة لم تخطر على بال غيرك، إنما الابتكار الأدبى والفنى، هو أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس، فتسكب فيها من أدبك ما يجعلها تنقلب خلقاً جديداً يبهر العين ويدهش العقل ... " (6) . ومنة قولة أيضاً " الأدب هو الكاشف الحافظ للقيم الثابتة في الأمة والإنسان ... تلك الشخصية التي تتصل فيها حلقات الماضى والحاضر والمستقبل . والفن هو المطية الحية التي تحمل الأدب خلال الزمان والمكان " (7) .
وعن الأدب ومشكلاته يقول الحكيم في بصيرة نافذة :
" ... رسالة الأدب كغيرها من الرسالات الكبرى، التي تبغى السمو بالبشرية، لا تبلغ الأسماع إلا بعد جهد وصراع ... " (8) وعن فنى الشعر والنثر يكثف الحكيم نظرتة الواعية حولهما، وحول الملتقى لفنونهما فيذكر :
"... الشعرهو خلاصة الثقافة، وعصارة الذوق، فهو لذلك فن، يضغط في أبياتة القليلة،ما يوحى بالكثير إلى أصحاب الأفهام ! ..
إنه ليس كالنثرفن إسهام وإيضاح، يفرغ في رؤس الناس ما يريد من كلام وثرثرة ومعلومات ـ يزدر دونها هينة لينة، بلا جهد ولا إجتهاد ! .
إن الشعر فن إيجاز وإحاء، يفترض في السامع قدراً من الثقافة وحظاً من الذوق ! .. إنه ليس طعاماً، يقذف به في الفم، ولكنة مفتاح تحرك به موسيقا النفس ـ فلابد إذن أن تكون النفس مستعدة له، وأن تكون قد هذبت أوتارها، قبل أن تتهيأ للمفتاح ! ..
هذا التهذيب أو الإعداد لم يتح بعد لكل ذرات هذا المحيط الطامى من الشعوب !.. وما دامت الغلبة للعدد، فلا مفر من أن يلبى المجتمع نداء غالبية الطاغية الساحقة ! .. وما هو هذا النداء ؟.. إنه الرغبة في التقام السهل، أى النثر ! ..
وليس كل النثر أيضاً، ففي النثر ما يسمو إلى مرتبة الشعر، إيجازاً وتكيراً وفناً !.. هذا أيضاً يجب أن يبعد، أو يحصر في أضيق نطاق إلى أن يختنق ! ..
لن يبقى إذن حراً طليقاً رائجاً مزدهراً غير الغذاء الذي تستطيع الملايين إساغته وإقتنائه ! .. (9) .
أما فكرة الإلتزام في قضايا الأدب والأدباء، فيردها الحكيم إلى الأديب والمناخ المحيط به فيقول موضحاً ذلك الأمر :
" .. إنما الأديب أو الفنان شىء ينبع حراً من أعماق نفسه، فإذا لم ينبع الإلتزام حراً من قلبه وبيئته وعقيدته فلا تلزمه أنت، ولا تلزمه قوة في الوجود ! ..
يجب أن يكون الإلتزام جزءاً من كيلن الأديب أو الفنان، ويجب أن يلتزم وهو لا يشعر بأنه ملتزم، مثله مثل حمام زاجل، ينقل رسالة وهو حر، ولا يشعر بقيد في ساقة، ولا بغل في جناحه، فإذا شعر الفنان في لحظة واحدة أنه يؤدى بفنه ضريبة عليه أن يؤديها وجوباً، فإن الذي سينتجه لن يكون فناً.. فإذا لم يشعر بأن الإلتزام واجب وإنما هو شىء طبيعى .. شىء لو أرغمته على ألا يؤديه لعصاك وأداه، لانه جذء من طبيعة وتفكيره وعقيدته، فإن الذي سينجيه مع الإلتزام سيكون هو الفن !.." (10) .
* * * * *
ولما كان المسرح هو همه الأول، وفنه التأليفي الرائج، فإن الحكيم كتب كثيراً في مؤلفاته وبين ثنايا مقالاته حول عناصر ( العرض المسرحى ) وعناصر (النص المسرحى ) قبل أن يتحول الأخير إلى عرض يشاهده النظارة ونلتقط مقولته الثاقبة حول مفهوم ( العقدة ) في بناء المسرحية بين القديم والجديد فيذكر :
" .. أن طبيعة المسرحية هي التي تحدد طريقة بناءها، فإذا كانت العقده تخرج من طبائع الأشخاص كان من اللازم عرض هذة الطبائع عرضاً كافياً قبل الحادثه، وإذا كانت العقدة تخرج من حادثة من الحوادث الخارجية الدمج العرض مع العقدة وظهراً معاً، هذة ملاحظة، ولا أكثر من ملاحظة، فمن الخطر في الفن أن نتعدى حدود الملاحظة إلى سن القوانين ! .. والفن نظام، ولكنه يكره القانون . إنه حرية منظمة، حرية تنظم نفسها بنفسها ولا تقبل أبداً أن يفرض عليها الأخرون نظاماً، فهناك من المسرحيات ما نرى فيها العقدة تظهر في اصطدام الطبائع والأخلاق ولا تعرض لنا هذة الطبائع والاخلاق إلا وهي مضطربة في خيوط العقدة، كما أن هناك من المسرحيات ـ وخاصة ما وضع منها في العصور الحديثة ـ ما لا عقدة فيها على الإطلاق، إنما هي عرض طوي للطبائع أو الأفكار أو الأخلاق . ومنها ما يرمى إلى خلق جو خاص يغمر فيه القارىء أو السامع أو المشاهد غمراً دون أن يكون المقصود رسم شخصية من الشخصيات الرسم الكامل أو إبراز طبع من الطبائع الإبراز الشامل ! .. " (11) .
ومن أمتع ما قاله الحكيم حول مهمة الناقد الأدبى وطبيعة دورة، وسماتة، قوله : " النقاد فقهاء الأدب والفن بأنكبابهم على الآثار الدبية والفنية، يستخلصون منها التفسيرات والمقارنات، والمذاهب والإتجاهات، فالأدب الفنى لابد له من نقد إنشائى، كما أن القضاء العظيم لابد له من فقه عميق . ولعل ما يبدو على الأدب العربى الحديث من فقر، بالنسبة إلى الأدب العربى القديم ـ راجع ـ لا إلى ضعف الإنتاج الحديث في ذاتة، بل إلأى ظهورة وحيداً غير مستند إلى نقد إنشائى في مستواه يقوم بمهمة التنظيم والتفسير والربط والتبويب ... فكان من آثر ذلك الإهمال أن بدأ الأدب العربى الحديث في صورة جهود فردية غير جديه ... وسيظل كذلك إلى أن يظهر النقاد العظام الذين يتوفرون على درسه، ويخرجونة للناس والأجيال، بناء متسقاً، مرتبطاً حاضرة بماضية ... على أ، ظهور الناقد العظيم ليس بالأمر السهل، فللناقد صفات يجب أن تتوافر فيه، أهمها : أن يكون كفقية القانون، بحراً عميق الإطلاع في الأدب الذي يدرسة، والآداب الأخرى القائمة، ماضيها وحاضرها، حتى يتيسر له التقدير والموازنة بين الأنواع، والتشريع للمذاهب . وأن يكون واسع الأفق، ليفهم كل الأغراض، قوى المعدة، ليهضم كل الألوان (12) .
أما الأدب القصصى عند الحكيم فكان مؤزناً بإنتهاء عهد التجريب، أو على حد قول يحيى حقى عهد الهواية " ... والإقتباس والشكوك وإبتداء عهد إرتفاع القصة من مجال الوجدان وحده، إلى مجال الوجدان والفكر معاً، ومن السطحية إلى العمق ومن الرجل إلى الإنسان، ومن الوطن إلى العالم، وتحول الأسلوب من الشكل إلى الجوهر، جماله مستمد من نصاعة الفكرة وحدها ... " (13) .
الحكيم في أدبه القصصى أو المسرحى ـ أو فنونه النثريه جميعاً ـ يصدر عن رياضة ذهنية أخلص إلأى عواملها الأساسية، فرض وعقل ومنطق، لذا يقول عن ذلك د. عبد المحسن طه بدر : " ... ظلت قضية الفن عند توفيق الحكيم قضية بناء وإسلوب ا قضية إحساس وعاطفة، وهو يصدر في كل أحكامه على الفن من هذه الزاوية، فهو يفضل المسرحية على الرواية لأن بنائها أكثر تماسكاً ويرجع عنايته بالحوار إلى السبب نفسه .. " (14) ولتعضيد ذلك قول الحكيم من كتابه " زهرة العمر " :
" ... إن حياتى مفككة كالقصة المفككة، أو الهيكل المزعزع الأركان , أنا الذي لا يحب في الفن غير قوة البناء , وما يتبعه من قوة التركيز , وهذا سر عنايتي بالحوار التمثيلي في الأدب , إني مهندس أدبي . هذا كل شئ ..." (15) .
لكن تعادلية الحكيم في إبداعه وفكره على حد سواء تنبئنا عن إزدواجية أو ثنائية محمودة شخصية واحدة , وكثيراً ما يكون الأديب والناقد رجلين , يفحص أحدهما عمل الآخر , وقليلاً ما يجتمع الأديب والناقد في رجل واحد , وبعض ما كتبه توفيق الحكيم من أدب قصصي أو روائي أو مسرحي تعرض لنقدات منه أيضاً , وعلل ذلك الأمر د. زكي نجيب محمود بقوله إذ يشير إلى قاعدة التعادل بين الإيمان والعقل أو وقفة الحكيم الميتافيزيقية ( حقيقة الإنسان في الكون , أو حرية الإنسان وأخلاقه في إطاره الكوني ) فيذكر :
"... ومهما يكن من أمر فالحكيم في تعادليته , يرى أن الخير والشر كليهما ضروري ليعادل أحدهما الآخر , ويضرب من مسرحياته بعض المثلة , كيف جمع الطرفين في كل شخصية من شخصياته ... بين الخير والشر , ومؤدى ذلك هو أن أجعل الشرير الذي فعل فعلاَ ضاراً يؤدي فعلاً نافعاً ليتعادل نفعه للناس مع ضرره..." (16) . ولعل نظرة متأنية إلى مسرحيات الحكيم أو رواياته تدلنا على ذلك ؛ من مثل : "شهرزاد" و"أهل الكهف" و"سليمان الحكيم" و " يحماليون" و" أرني الله " و"بنك القلق" و" مصير صرصار" وغيرها , وكان أهم ما يميز الإنتاج الفكري والإبداعي عند توفيق الحكيم محاولته في عمل فني لرسم محددات تستشرف المستقبل – عمارة في كل – الخيال الذي يسبق الزمان والمكان والعمر العقلي للشخصيات التي تؤدي أدوارها في أعماله القصصية المسرحية . والخيال يقف إزاء التعادلية يصنع من الذهن المعقول الواعي جل أعماله ؛ أما بعضها الآخر وبخاصة في مسرحه الفلسفي أو الذهني , فيمكن أن نطلق عليه اللامعقول ؛ تجريب فني متخيل يجاوز الواقعة التي إنتطمتها روائع أعماله الروائية ؛ وهي واقعية لا تخلو من إستشراف آفاق موضوعاتها وأفكارها إتجاه المستقبل كذلك .
توفيق الحكيم صورة مجملة:
هكذا ؛ عرضنا ترجمة شخصية موجزة لكاتب عربي كان أهم وأعمق – من راد – فن المسرحية كعلم وفن في أدبنا العربي الحديث ؛ تأليفاً ورؤية ونضجاً يقف إلى قدم المساواة مع نظرائه العالميين ؛ من حيث (الكم) و (الكيف) ؛ ومن المنطقي أن تناولنا الإستكشافي لشكل أو مضمون مسرحياته الكثيرة بحاجة إلى دراسات مفصلة , بل دراسات مستقلة , لذلك إكتفينا بإلقاء الضياء حول جوهر نظرته في إستكشاف غزير إنتاجه في البناء والمنهج والعناوين .
ومع كل ما ذكرناه يعده بعض النقاد رائد الرواية الفنية في الأدب العربي الحديث , ويضع روايته " عودة الروح " في الصدارة – فيناً – قبل رواية (زينب) للدكتور محمد حسين هيكل . لكن تأخر شهرته عن أبناء جيله الرواد (د. هيكل – د. طه حسين – العقاد ونظارئهم ) هو الذي عطل فنياً مثلما عطل الحكيم سيرته زمنياً بالرسوب الدراسي في كافة مراحل تعليمه , أيضاً بمقدورنا أن تضيف ضياع مؤلفه (الضيف الثقيل) في العشرينيات (مفقود إلى الآن ) مع شغفه وإتصاله بفن المسرح (تمثيلاً وعروضاً ومشاهدة) هي عوامل أخرت شهرته وذيوع إسمه إلى أن أصدر الروائع مع بداية الثلاثينيات , فملأ الدنيا وشغل الناس , في الوقت الذي كانت أعمال هيكل وطه والعقاد تتوالى في شتى فنون الأدب والإسلاميات والمعرفة قبل ذلك بنحو عقدين من الزمان , ومن عشب أن ينتظم كل هؤلاء الرواد المحدثين فيمنتصف الثلاثينيات تحت شمس الفكر الإسلامي , يكتبون في موضوعية ووعي فن السيرة والترجمة لنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم والشخصيات الكبرى في تاريخ الأديان .
ونستطيع القول في إطمئنان أن زيادة الحكيم الأدبية والفكرية للفنون المستحدثة كالمسرحية والرواية , يكاد لا يختلف عليها أحد من الدارسين لأن نتاجه فيهما مثل ظاهرة تأليفية غزيرة – في أعمال النثر الفني المسرحي بخاصة – كما أنه عمق العناصر البنائية الفنية أو الخيالية في مسرحه أو رواياته في خط مواز للغة رفيعة افتصال والإدراك , لغة فنية قريبة من الفصحى ومهذبة للعامية في غير تعقيد ولا إسفاف أو ضعف قد يؤخذ على مستوى الأداء اللغوي في أعماله : لقد عرفته آداب لغات العالم في اللغة الأصلية أو المترجمة لأهم أعماله , لذلك رشح لجائزة (نوبل) في الآداب غير مرة , لكن حريته الفكرية بما كان يطرحه من المقال السياسي فوت عليه الفرصة , كرمته مصر , ونال جائزة الدولة التقديرية عام 1961 تقديراً لأعماله , وأسند إليه الوظائف الشرفية الأدبية الكبرى مثل رئاسة إتحاد الكتاب , والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب , ونادي القصة , ورئيس شرف مؤسسة الأهرام وأحد كتابها الكبار , أما الأخيرة فظل يعمل بها إلى أن توفي متأثراً بأمراض الشيخوخة في يوليو 1987 م , بعد أن قدم للأدب العربي عصارة فكره وروائع رواياته , وبديع مسرحياته , وسديد مقالاته في نصف قرن بأكمله , ولا نجد في الخاتمة إلا مقولة الحكيم التي توج بها – أويري – رسالته وقد أتت ثمارها : "إن كل إنسان يخلق وله رسالة عليه أن يؤديها , فإذا أداها فقد إنتهت حياته الفعلية , فإما مات , موته في هذه الحالة أمراً طبيعياً ومفهوماً , وإما إستمر في الحياة بعد ذلك , إما أن دون أن يقوم بعمل جديد , وفي هذه الحالة تكون حياته أطول من وظيفته ..." (17) .
رحم الله الحكيم المسرحي الرائد , والروائي الرائد , والمفكر المستنير , صاحب الرسالة والوظيفة في كل ما كتب من إبداع وفكر , وهو القائل في كتابه فن الأدب :
"... يقول الصحفي : إني أكتب , ليقرأ في أهل زماني !.. فيقول الأديب : وأنا أكتب , لتعاد قراءتي في كل زمان " (18) . حقاً إن آثار الحكيم بحاجة دائماً إلى القراءة ... والقراءة لحظتئذ تكون متعة ومنفعة .
دراسة بقلم / ياسر دويدار
المراجع
1. سجن العمر , توفيق الحكيم , المقدمة , ط1 مكتبة مصر الفجالة , 1964م .
2. المرجع السابق , ص 25 .
3. المرجع السابق ص 26 .
4. في حياة توفيق الحكيم , محمد السيد شوشة , ص 37 , ط1 دارة المعارف بمصر , 1984م
5. المرجع السابق , ص 41 .
6. فن الأدب , توفيق الحكيم , ص 10 , مكتبة مصر , ط2 , 1988 م .
7. المرجع السابق , نفسه .
8. المرجع السابق , ص 196 .
9. المرجع السابق , ص 204 .
10. المرجع السابق نفسه , ص 66 .
11. المرجع السابق , ص 292-293 .
12. المرجع السابق , ص 146 .
13. فجر القصة , يحيى حقي , ص119 , ط هيئة الكتاب بالقاهرة 1987 م .
14. تطور الرواية العربية الحديثة , د. عبد المحسن طه بدر , ص 376 , ط3 دار المعارف 1977م .
15. زهرة العمر , توفيق الحكيم , ص 26 , مطبعة مصر , 1943م .
16. ثقافتنا في مواجهة العصر , د. ذكي نجيب محمود , ص 284 , ط مكتبة الأسرة هيئة الكتاب 1977م .
17. في حياة توفيق الحكيم , محمد السيد شوشة , مرجع سابق , ص 111 .
18. فن الأدب , توفيق الحكيم , مرجع سابق , ص 20 .
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.