توظيف مصطلحات علم العروض في شعر أبي العلاء المعري

 كان أبو العلاء المعريّ شاعرًا ذا حسٍ يقظانَ عجيب وفِكرٍ ثائرٍ عنيف، وفي شعره تجد السخرية الشديدة والموعظة الحسنة المُبكِية والمسحة البديعيّة الشذيَّة..

كان أعمى البصر، بصير اللب والفؤاد ظريفًا عبقريًّا يتوقد ذكاءً، وقد جاءت بعضُ أبيات شعره تدلُّ على أنه قاصدٌ بها علماء العروض، وهو يخلط انفعاله الوجدانيّ بمصطلحات العروض، وهذا سحر حلال، لو فُهِمَ.

قد يعجبك أيضًا

جوك أدب | قصة الحب التي أنتجت تميم البرغوثي

 

 توظيف أبي العلاء المعريّ عِلم العروض ومصطلحاته في الشعر

قال أبو العلاء:

تولى الخليلُ إلى ربِّه •• وخلَّى العَروضَ لأربابِها

فليس بذاكرِ أوتادها •• ولا مُرتجي فضلِ أسبابها

 فأما الخليل فهو الخليل بن أحمد الفراهيديّ العلامة اللغويّ النحويّ الثقة، واضع علم العروض، وأما الأوتاد فتنقسم إلى: وتِد مجموع//0 وهو عبارة عن حرفين متحركين بعدهما ساكن مثل كلمة إذا وإلى وعلى وألَا، ووتد مفروق/0/ وهو عبارة عن حرفين متحركين بينهما حرف ساكن مثل كلمة بَيْنَ وحِيْنَ وكَيْفَ وأمْسِ.

وعلى الأسباب والأوتاد يُبنَى الجزءُ (التفعيلة)، وعلى الأجزاء تنبني أبيات الشعر.. وكان الخليل شاغلًا نفسه وجاعلًا هَمَّهُ متعلقًا بحَصر أوزان العرب، واختراع مصطلحات لعلم العروض..

ويُروَى أن ابنه دَخَلَ عليه وهو يُقطِّع بيتًا من الشعر، فلما سمع أباه يقول: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن..

شك في عقل أبيه، وظن أنه قد جُنَّ، فخرج إلى الناس وقال لهم: إن أبي قد صار مجنونًا.

مات الخليل، وانتقل انشغاله إلى غيره، والموت غاية كل حيّ، والدنيا زائلة، فالخليل لما توفَّاه الله تعالى ترك ما كان حريصًا عليه في الدنيا.. الخليل الآن لا يذكر العروض ولا الأسباب والأوتاد ولا الأجزاء ولا الزحافات ولا العلل، إنه الآن في شُغُلٍ عن كل هذا.

قد يعجبك أيضًا البارودي ( 1838 – 1904 ) رائد الشعر في الأدب الحديث

أمثلة على أوزان الشعر للمعري

 وقال أيضًا:

إذا ابنَا أبٍ واحدٍ أُلْفِيا •• جَوادًا وعَيْرًا فلا تَعجَبِ

فإن الطويلَ نَجيبُ القريضِ أخوه المديدُ ولم يُنجِبِ (1)

 وفي هذا إشارة إلى وزنين من أوزان الشعر: بحر الطويل وبحر المديد.

بحر الطويل يتكون البيتُ الموزون عليه مِن 8 أجزاء (تفعيلات) هي:

       فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن(مرتين)

ومثال ذلك قول مجنون ليلى:

تَراني إذا صَلَّيتُ يَمَّمتُ نحوَها •• بوَجهي وإن كان المُصلَّىٰ وَرَائيا

وبحر المديد يتكون من 6 أجزاء (تفعيلات) هي:

           فاعلاتن فاعلن فاعلاتن(مرتين)

ومثال ذلك قول حاتم الأطير:

عادَ مِن غار العذاباتِ لكنْ •• لم يَجِد في البيتِ حلوىٰ خديجةْ

هذانِ البحرانِ من دائرة واحدةٍ، ومع ذلك تجد الأبيات التي نُظمت على وزن المديد لا تُعَدُّ شيئًا بجَنب الأبيات المنظومة على وزن الطويل.

وسبب ذلك أن النظم على المديد يحتاج إلى شاعر ناضجٍ يعرف كيف يختصر مشاعره في مجال ضيّق، وليس معنى هذا أن كلَّ ما جاء على هذا الوزن شعر جيد، ولو استوت قصيدتان من حيث الجودة، وكانت إحداهما على وزن المديد والأخرى على وزن الطويل لفضَّلتُ الأولى منهما.

بيت الطويل إذَنْ يُتيح لك أن تَزيد كلمتين، تفعيلتين.

قد يعجبك أيضًا بلد الشعراء "العراق" ينعى الشاعر الشعبي "عادل محسن"

أقوال الشعراء المعاصرين عن شعر أبي العلاء المعري

قال أ. محمود شاكر يشرح بيت أبي العلاء: "يَعني كثرة ما جاء في بحر الطويل من الشعر مع جودته وشرفه، وقلة ما جاء في بحر المديد من الشعر المستجاد قلة ظاهرة، مع أنهما أخوانِ في الدائرة الأولى من دوائر الخليل"(نمط صعب/ص88).

وقال د. شوقي ضيف، إن المعري كان يُطرّز شعره بألفاظ العلوم مِن نحو وفقه وعروض "كأنه يُريد منها الحُجَّة والدليل على ما يذهب إليه من فكرة أو رأي... تراه يصف أحوال الناس بأوصاف الطويل والمديد ويتصوّرهم على هذا النحو من التصوُّر العَروضيّ، فالنجيب طويل وغيرُ النجيب مديد"(الفن ومذاهبه في الشعر العربي/ص403).

إن نغَمَ وزن المديد الأول: "فاعلاتن فاعلن فاعلاتن" يُوجِبُ على الشاعر المترنّم إذا لابَسَهُ أن يُلابسَهُ وهو في حالٍ مُطيقةٍ لاحتمال سَطوتِهِ، بين القلق والحَيرة، والبسط والقبض، وهي تتتابع عليه دِراكًا لا تَفتر..

"وليس كل مترنّم يُطيق ذلك، أو يَصبر عليه إذا طال، وليس كل مترنم بقادرٍ على أن يَقبَلَ سطوةً تَكفُّهُ إذا أراد أن يسترسل، وليس كل مترنم بقادرٍ يملك الأداة [أي اللغة] التي تُطيعه حتى يَبذُلَ لهذا النغم المستبدّ ما يتطلبه منها"(نمط صعب/ص113).

ومختصر قول أ. محمود شاكر إن هذا الوزن يحتاج إلى شاعر صَبور متأنٍّ مدقِّق حازم ذي خزانةٍ لغويَّة تُسعِفُهُ حين يقول.

وقال أيضًا:

بُعدي مِن الناسِ بُرءٌ مِن سَقامِهِمُ •• وقُربُهُمْ لِلحِجَى والدينِ أدواءُ

كالبيتِ أفرِدَ لا إيطاءَ يُدرِكُهُ •• ولا سِنادَ ولا في اللفظِ إقواءُ

 في هذا البيت إشارة إلى بعض عيوب القافية، وعيوب القافية هي الإيطاء (تكرار القافية) والإقواء (تغيير حركة حرف الرويّ الملتَزَم بها في القصيدة) والإكفاء (تغيير حرف الرويّ إلى حرف مخرجه قريب من مخرج الحرف الملتزم به في القصيدة مثل اللام والنون) والسناد.

البيت المنفرد لا تظهر فيه هذه العيوب، فالانفراد خير من مجالسة الناس، والناس أكثرهم -بشهادة القرآن- فاسقون، والعزلة خير.

وقال أبو العلاء أيضًا:

بقائيْ الطويلُ وغَيِّيْ البسيط •• وأصبحتُ مُضطرِبًا كالرَّجَزْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)-بعدما كتبتُ هذا وقعت على كلمة للدكتور شوقي ضيف عن أبي العلاء، وهي: "كأنه كان يؤلف شعره للمثقفين خاصةً، فهو يَجمع لهم فيه كلَّ ما يعرفونه من ضروب الثقافات وألوان المعرفة، وخاصةً المعرفة الفنية وما يُطوَىٰ فيها من صُوَرٍ غريبة ولفظ غير مألوف، حتى يستولي على أفئدتهم بهذه الطرائف النادرة" (الفن ومذاهبه في الشعر العربي/ص379).

(2)-من معاني النجيب: الفاضل النفيس، والكريم السخيّ، والحسيب، والجمع أنجاب ونجباء، وأنجَبَ الرجلُ: أتى بولدٍ نجيب، أي كريم ذي حَسَبٍ

قد يعجبك أيضًا

-الأبيض والفقد والحب: قراءة في الشعر

-"من شعراء الجاهلية قيس بن الخطيم " لسان الأوس 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة