توحيد نجد وضم الأحساء في عهد الدولة السعودية الأولى

في منتصف القرن الثامن عشر، وفي ظل التفرق السياسي الذي كانت تعيشه شبه الجزيرة العربية، بزغ فجر قوة جديدة من قلب نجد، انطلقت من عاصمتها الدرعية، إنها الدولة السعودية الأولى التي قامت على تحالف تاريخي بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فشهدت الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر تحولات سياسية كبرى قادتها الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، بدأت الحملة بتوحيد نجد بمعارك حاسمة ضد الزعامات المحلية، وانتهت بضم إقليم الأحساء ذي الأهمية الاقتصادية والجغرافية البالغة، ولم يكن بقاء هذه الدولة الناشئة ممكنًا دون تأمين عمقها الإستراتيجي، فكانت الخطوة الأولى هي توحيد إقليم نجد المضطرب.

يستعرض هذا المقال تفاصيل هذه المرحلة الحاسمة، وكيف مهدت السيطرة على نجد الطريق أمام التحدي الأكبر: ضم إقليم الأحساء الحيوي على ساحل الخليج العربي، في صراع لم يقتصر على القوى المحلية، بل جرّ الدولة الوليدة إلى أول احتكاك مباشر مع نفوذ الدولة العثمانية.

استسلام أهل الخرج

تخلص السعوديون بعد استيلائهم على الرياض من خصم مناوئ قوي، فانطلقوا صوب بلاد نجد لتوحيدها تحت راية واحدة لإنهاء حالة التفرق، وكانت البداية مع منطقة (الدلم) التي كان عليها زيد بن زامل، وكان قد جمع جيشًا من وادي الدواسر ومن غيره لمقاتلة السعوديين، وانتهى الأمر بعزله، وتعيين سليمان بن إبراهيم بن عفيصان حاكمًا للدلم من قبل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة 1776م.

وبنوا حصن شرق الدلم لصد هجمات أهل الخرج بقيادة زيد بن زامل، واستطاعت بعض فصائل الجيش السعودي قتل زيد، فخلفه في قيادة أهل الخرج ابنه براك بن زيد بن زامل.

وفي سنة 1785م أعلن أهل الخرج استسلامهم للسعوديين بعد الهجوم المفاجئ الذي قام به الأمير عبد العزيز على الدلم، واستطاع أن يحسم الصراع نهائيًا في المنطقة باستسلام أهل الخرج، وحذا أهل وادي الدواسر حذوهم.

حصلت بعض الخلافات بين آل حجيلان على السلطة في منطقة القصيم، وكانت بلدان شمال منطقة القصيم ممن قاوموا النفوذ السعودي بعنف وشدة، أيضًا فقد ساعدت كثيرًا من الثورات التي قامت ضد النظام السعودي، وكان لا بد لهم من جيش سعودي قوي للقضاء على تلك الثورات.

وكان الأمير سعود بن عبد العزيز يقود الجيوش ويصول ويجول في المنطقة التي ابتدأ تحركاته فيها بمعسكر إقامة للجيش في بلدة ثادق، وهاجم الروضة منتصرًا على آل ماضي بها بعد مقتل زعيمهم عون بن نافع، فاستسلم عقيل الذي كان على آل ماضي بعد أخيه عوض طالبًا الصلح، ما أتاح الفرصة للأمير سعود بن عبد العزيز للهجوم على المدن والقرى مثل الدخيلة والفارغة والخارجين من مدن بريدة، والرس، وتنومة، فخضع بذلك القصيم لحكم آل سعود.

ضم القصيم لآل سعود

وكانت الخطوة التالية هي بلاد شمر، وقد أمر الأمير عبد العزيز عامله على القصيم حجيلان بإعداد جيش لغزوها، حيث تمكن حجيلان بعد عدة غزوات في سنة 1792م من إخضاع المنطقة وسكانها للحكم السعودي، وخلص إقليم نجد وتم ضمه تحت راية السعوديين.

الأهمية الإستراتيجية لضم الأحساء

قد مكن آل سعود من توحيد منطقة نجد تحت نفوذهم وحكمهم عوامل وأسباب عدة كان أعظمها:

  • العزيمة القوية التي استمدها حكم آل سعود وآل الشيخ من تعاليم الإسلام الصحيحة، وكانت حروبهم عن عقيدة واعتناق.
  • عدم اتحاد المعارضين ضدهم سوى في مرات سريعة لم تلبث أن تنفض إلى مخالفات مختلفة أخرى، فلم يمثل هؤلاء خطورة على السعوديين الذين كونوا جبهة قوية في مقابل معارضيهم.
  • هجرة أعداد هائلة من أفراد القبائل إلى بلاد العراق والمناطق الأخرى عمل على إضعاف شوكة المعارضين.
  • لم تظهر في هذه المدة أطماع قوى كبرى في نجد أتاح الفرصة للسعوديين أن يرتبوا البيت النجدي بالشكل والطريقة التي تروق لهم، وما أن ينتهوا من إتمام ترتيب بيتهم هذا حينئذ يتمكنون من استخدامه كرأس حربة تنتقل إلى آفاق أوسع.

دوافع ضم إقليم الأحساء الإستراتيجية والعسكرية

وقد شجع استيلاؤهم على نجد وتوحيدهم لبلدانه التطلع إلى ضم إقليم الأحساء؛ تأمينًا لبلادهم خشية من ظهور أعداء خارجية تأتيهم من قبل هذا الإقليم. ومن ناحية أخرى فقد عمل حكام منطقة الأحساء على مناهضة الدعوة السعودية، وحاولوا تقويض أركانها.

والسبب الثالث في التطلع لضم إقليم الأحساء يرجع إلى أن بعض أفراد القبائل في منطقة نجد قد فروا إلى الأحساء، وكان هؤلاء يسببون مشكلات للدولة السعودية الناشئة، ولا بد من كبح جماحهم ومطاردتهم؛ ما أثار القلاقل، وأشعل صراعًا بين الجهتين في نجد والأحساء.

والسبب الرابع هو اقتصادي وعامل من بين العوامل التي دفعت السعوديين للتطلع إلى ضم هذا الإقليم؛ نظرًا لما يتمتع به من موارد زراعية، وحركة تجارية رائجة، ومصايد تجتمع جميعها في تقوية دعائم الدولة الفتية.

والسبب الخامس في نظري هو الموقع الجغرافي الاستراتيجي للأحساء بوصفها إقليمًا يقع على الخليج العربي، يوفر ميناءً تتطلع إليه الدولة السعودية للاتصال بالعالم الخارجي ونشر دعوتها الإصلاحية فيه على قدر المستطاع.

أهمية ضم الأحساء

إن هذا الإقليم بحكم موقعه الجغرافي والاستراتيجي كان عرضة لمطامع جهات شتى بينه جهات محلية على شاطئ الخليج، وجهات أجنبية على رأسها إنجلترا، وبعض الدول الأوروبية التي كانت سفنها تقطع سواحل الخليج العربي ولهم أطماع، إضافة إلى الدولة العثمانية التي كانت على بعد خطوات قليلة في البصرة، وربما تمد سيطرتها على إقليم الأحساء، ثم تمثل خطرًا كبيرًا على الدولة السعودية الناشئة. ويغلب عليَّ الاعتقاد أن السعوديين قد وضعوا في حساباتهم كل هذه الأسباب وتلك العوامل وهم يعدون العدة لضم إقليم الأحساء والسيطرة عليه لإكمال بعض حلقات التوحيد التي كانوا ينشدونها لمناطق شبه الجزيرة العربية، قبل أن يسبقهم المعتدي على المنطقة فيسيطر عليها.

ضم الأحساء: الصراع على بوابة الخليج

اغتنم السعوديون الفرصة التي سنحت لهم، لا سيما بعد موت أمير الأحساء عريعر بن دجين، وما أعقب ذلك من تنازع أبنائه من بني خالد على الحكم، حينئذ كان على السعوديين بعد توحيدهم لنجد التفرغ لضم الأحساء، وتحويل مواقفهم من الدفاع إلى الهجوم في عمليات سريعة متواصلة شملت بلدة الجشة، والعقير، والمبرز والهفوف وقرية الفضول.

استمرت عمليات قوات السعوديين ضد الأحساء حتى سنة 1792م، ووصلت قواتهم إلى ماء اللصافة الذي حاول زعيمها براك بن عبد الحسين صد السعوديين، إلا إنه هُزم في معركة الشيط في المنطقة التي تقع شرقي اللصافة.

اضطر أمير الأحساء للرضوخ لسيادة آل سعود معلنًا اعتناقه الدعوة السلفية، وبادر بدعوة الأمير سعود بن عبد العزيز لمبايعته بالقرب من عين نجم، حيث قام أهل الأحساء بمبايعته.

ولكن أهل الأحساء لم يكونوا قد أخلصوا النية في مبايعتهم، فسرعان ما نقضوا بيعتهم على إثر عودة الأمير سعود من الإحساء وهو في طريقه إلى الدرعية، فقاموا بقتل ممثلي الدرعية، وثاروا على آل سعود، وشمَّر الأمير سعود عن ساعد الجد، وأعد جيشًا أغار به على الأحساء في عمليات متتالية ظهرت شدتها في استنجاد أمراء الأحساء (بنو خالد) بالأمير/ عبد العزيز في الدرعية، وألحوا عليه أن يكف عن بلادهم الشدة التي أطلقها عليهم ابنه الأمير سعود، فأجابهم لطلبهم، وعين براك حاكمًا عليهم تابعًا للدرعية.

ضم الأحساء

وهذه المرة الثانية كانت مناورات من بعض أهالي الأحساء ولا سيما أهالي شرق الأحساء الذين رفضوا الاستمرار في خضوعهم لحكم آل سعود، وقاموا بثورة ضد آل سعود في سنة 1795م؛ ما دفع الأمير سعود أن يشخص إليهم برجاله ويوقع بهم هزيمة عظيمة، ولم يترك الأحساء إلا بعد أن أقام بها شهرًا ليعمل على استقرار الأوضاع فيها، ونشر الأمن بين ربوعها، وعين ناجم بن دهيم حاكمًا على الإقليم، وأقام حصنًا تحصَّن به المرابطون من القوات السعودية.

ولكن الأمر عاد مرة أخرى عندما أرسل بعض أهالي شرق الأحساء رسائلهم إلى والي بغداد (سليمان باشا العثماني) طالبين فيه بإلحاح الإفراج عن ثويني بن عبد الله أمير المنتفق ليتولى قيادة الجيوش التي سوف تحارب السعوديين، فأجابهم إلى ذلك الطلب، وكان ثويني بن عبد الله قد حاول الاستقلال بالبصرة عن العثمانيين، ولكن والي بغداد (سليمان العثماني) هزمه، وتم أسره.

ويُعد تحرك ثويني على رأس جيش لمقاتلة آل سعود بأوامر عثمانية هو أول احتكاك وصدام بين آل سعود وقوات تابعة للعثمانيين جاءت من قبل والي بغداد، ولكن ثويني قُتل سريعًا؛ ما أصاب جيشه بإحباط فلم يستطع مواصلة القتال، وقفل راجعا مندحرًا، ما سهل أمر الانقضاض عليهم من الخلف، وقتل أعداد هائلة، والحصول على غنائم من الجيش الذي فر أمامهم إلى بلاد العراق وهزيمتهم، واستطاع الأمير سعود الانفراد بأهل شرق الأحساء وخلا الجو له فخضعت الأحساء جميعها.

في النهاية، لم تكن حملات توحيد نجد وضم الأحساء توسعات عسكرية، بل كانت خطوات إستراتيجية حاسمة مثلت هوية ومستقبل الدولة السعودية الأولى. ففي حين وفرت نجد العمق العقائدي والبشري الصلب، قدمت الأحساء الموارد الاقتصادية والمنفذ البحري الذي نقل الدولة من قوة محلية إلى لاعب مؤثر في موازين القوى في شبه الجزيرة العربية، إن نجاح هذه الحملات لم يؤسس فقط لدولة قوية، بل مهد الطريق حتمًا للصدام الأكبر الذي كان ينتظرها مع القوى الإقليمية العظمى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.