إذا كنت تشعر بالقلق والتوتر في المناسبات والأعياد دون سبب واضح، فهذا يعود إلى حالة شائعة جدًا يطلق عليها توتر الأعياد، والتي تحدث بسبب التوقعات العالية والضغوط الاجتماعية أو التغيير في الروتين اليومي، أو حتى بسبب ارتباط المناسبات والأعياد بذكريات سلبية، وهو ما يحتاج إلى بعض الاستراتيجيات للتغلب على هذا الشعور، مثل تخفيف التوقعات، وإدارة الوقت، وممارسة التنفس العميق.
وفي هذا المقال نوضح لك لماذا تشعر بالقلق والتوتر في الأعياد والمناسبات، وكيف تؤثر المقارنات الاجتماعية عبر وسائل التواصل على حالتنا النفسية في الأعياد، وكيف تفرق بين التوتر الطبيعي العابر واكتئاب الأعياد.
ما هو التفسير البيولوجي والنفسي لتوتر المناسبات؟
من الناحية العلمية، فإن توتر الأعياد ينشأ بسبب تفاعل بين كيمياء الدماغ واضطراب الروتين من ناحية، والتوقعات الذهنية المفرطة التي تفرضها المناسبات من ناحية أخرى، وهو ما يمكن تفكيكه علمياً من خلال النقاط التالية:
أولًا: التفسير البيولوجي
- استثارة اللوزة الدماغية: عادةً ما تمتلئ الأعياد بمثيرات حسية واجتماعية مثل التجمعات والأضواء والضوضاء، وهو ما يحفز الدماغ للتعامل مع هذه المظاهر كتهديد أو عبء، وهو ما يفعل نظام الاستجابة في الجسم ويدفع الشخص للتوتر.
- الكورتيزول والأدرينالين: مع استثارة اللوزة الدماغية، فإن الجسم يفرز كميات كبيرة من الكورتيزول والأدرينالين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أعراض جسدية مثل تسارع نبضات القلب، وضيق التنفس، والشد العضلي دون وجود خطر أو سبب حقيقي.
- اضطراب الساعة البيولوجية: في الإجازات والأعياد تتغير عادات النوم والاستيقاظ وتناول الطعام، وهو ما يربك إفراز الميلاتونين المسؤول عن توازن النوم، ويقلل من جودة الراحة والاسترخاء في فترات الليل، ويرفع مستويات التوتر في اليوم التالي.
- استنزاف الفص الجبهي: من الناحية العلمية، كلما زادت المسؤوليات والخطط المتعلقة بالمناسبات وإدارة العلاقات في وقت قصير، فإن قشرة الفص الجبهي تتعرض لضغوط وجهد زائدين يقللان من قدرات الشخص على التنظيم العاطفي ويجعلانه سريع الانفعال والقلق.
ثانيًا: التفسير النفسي
- فجوة التوقعات: لدى معظم الناس يصنع العقل الباطن صورة ذهنية مثالية للأعياد والمناسبات، وعندما يصطدم بالواقع تنشأ حالة من التنافر المعرفي وتدخل الشخص مشاعر مختلطة من القلق والذنب والتوتر.
- التبلد العاطفي: من الشائع في الأعياد والمناسبات أن تتحول هذه المناسبة اللطيفة إلى قائمة من الواجبات الاجتماعية المفروضة، حيث الزيارات الإلزامية التي يعدها كثير من الناس عبئًا نفسيًا بدلًا من الاستمتاع بالعيد أو المناسبة.
- النوستالجيّا المقارنة: عادةً ما تميل عقولنا إلى استدعاء ذكريات الطفولة والأعياد السابقة، حيث يتم تجميل الماضي وإظهاره كأجمل الأوقات وأكثرها بهجة، وهو ما يشعرنا بالحزن تجاه الأعياد والمناسبات الحاضرة حتى ولو كانت جيدة.
كيف تؤثر مواقع التواصل على حالتنا النفسية في الأعياد والمناسبات؟
في الوقت الحالي تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي على حالتنا النفسية في أوقات الأعياد والمناسبات بشكل عميق، حيث تتحول من أدوات للتواصل إلى محفزات شعورية بالتقصير أو العزلة أو عدم الكفاية، وهو ما يمكن تفنيده كالتالي:
- فخ اللقطات المنتقاة: عندما يعرض المستخدمون في الأعياد والمناسبات صورهم وهم يرتدون أفخم الملابس ويخرجون لأرقى الخروجات ويحملون الهدايا الثمينة، فإن الدماغ يقع في فخ المقارنة الاجتماعية، وهو ما ينعكس بماعر سلبية مثل الدونية وعدم الكفاية.
- متلازمة الخوف من الفوات: في الأعياد والمناسبات أيضًا تنتشر قصص السفر والحفلات الصاخبة والتجمعات مع الأصدقاء، وهو ما يجعل كثيرًا من الناس يشعرون بأن الجميع يستمتعون بالعيد إلا هم، حيث يقضون الوقت مع عائلاتهم بطريقة مملة.
- السعادة الاستعراضية: خلقت مواقع التواصل الاجتماعي نوعًا من الضغط النفسي على الناس من أجل أن ينشروا صورهم وقصصهم في الأعياد والمناسبات وهم في غاية السعادة والاحتفال، وهو ما يجعلهم لا يشعرون بالسعادة الفعلية نتيجة انشغالهم بالسعادة الاستعراضية.

كيف تفرق بين التوتر الطبيعي العابر واكتئاب الأعياد؟
يختلف كل منهما عن الآخر في المدة الزمنية وشدة الأعراض ومدى تأثيرها على قدرة الشخص على ممارسة حياته الطبيعية، وهو ما يمكن تبسيطه في المقارنة التالية:
- المحفز الرئيسي: ينشأ التوتر الطبيعي العابر نتيجة ضغوط خارجية واضحة مثل المصاريف أو ضيق الوقت أو مشكلة في العمل، أما اكتئاب الأعياد فهو شعور مبهم دون سبب واضح.
- المدة الزمنية: ينتهي التوتر الطبيعي بانتهاء السبب، أما اكتئاب الأعياد فيستمر حتى تنتهي الأعياد وربما يمتد بعدها لأسبوع أو أكثر.
- القدرة على الاستمتاع: في التوتر الطبيعي يمكن للشخص أن يستمتع بلحظات الأعياد والمناسبات رغم التوتر، أما في اكتئاب الأعياد فيفقد الشخص الشغف تمامًا.
- النمط السلوكي: الشخص الذي يشعر بالتوتر الطبيعي يرغب في إنهاء المهام والزيارات الاجتماعية المطلوبة، أما الشخص المصاب باكتئاب الأعياد فيميل إلى العزلة والانسحاب الاجتماعي.
- الاضطرابات الجسدية: في القلق الطبيعي العابر قد يوجد بعض الصداع الخفيف أو الإرهاق البدني نتيجة المجهود، أما اكتئاب الأعياد فيصاحبه اضطراب في النوم والشهية وخمول مستمر، وربما نوبات بكاء.

كيف أتعامل مع الشعور بالقلق والتوتر في الأعياد والمناسبات؟
حتى تمر فترة الأعياد بسلام نفسي دون الشعور بالقلق أو التوتر، يجب الاستعداد لها جيدًا من خلال الموازنة بين الصحة العقلية والواجبات الاجتماعية عبر الخطوات التالية:
أولًا: خطة الاستعداد
- لا توافق على كل الالتزامات الاجتماعية والأنشطة والدعوات التي تلتهم الوقت والصحة النفسية وتجعلك تفقد المتعة في العيد أو المناسبة، وإنما عليك أن توافق على الأنشطة المريحة نفسيًا وتعتذر عن البقية لحماية طاقتك النفسية.
- لا تغير الروتين الخاص بك من مواعيد النوم والاستيقاظ وتناول وجبات الطعام الأساسية حتى لا يشعر جسدك بأي اضطراب ولا يترجم دماغك أي تغيير باعتباره حالة من حالات الاستنفار أو الخطر.
- حدد وقتًا لا يتجاوز 30 دقيقة لتصفح الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي كل يوم في أيام العيد أو المناسبة حتى تتجنب أي مؤثرات خارجية قد تؤثر على سلامك النفسي أو وقوعك في فخ المقارنات واكتئاب المنصات.
ثانيًا: خطة الطوارئ
- في حال الشعور بأي توتر أو قلق نتيجة نشاط اجتماعي أو زيارة أو الحديث مع أشخاص، عليك بالانسحاب فورًا إلى مكان هادئ والتوقف عن التفاعل مع الآخرين لمدة خمس دقائق حتى تعود إلى حالة الهدوء الطبيعي.
- يمكنك استخدام تمرين الارتكاز لتشتيت عقلك عن الأفكار التي تسبب لك القلق والتوتر عن طريق النظر من حولك وتحديد 5 أشياء تراها، و4 أشياء تلمسها، و3 أصوات تسمعها، وشيئين تشمهما، وشيء واحد تتذوقه.
- حافظ دائمًا على هدوئك من خلال الإجابات المعدة سابقًا والردود المقتضبة والمحايدة التي لا تدخلك في نقاشات حادة أو تدفعك إلى الشعور بالعصبية أو القلق، وإذا حدث ذلك فعليك بتغيير مجرى الحديث بذكاء دون تصعيد الحوار.
ثالثًا: خطة التعافي
- بعد انتهاء المناسبة أو العيد، عليك أن تفرغ الشحنات العاطفية من خلال المشي أو ممارسة الرياضة أو حتى كتابة مشاعرك على ورقة، حتى تتخلص من الكبت النفسي الناتج عن الضغط الاجتماعي.
- يمكنك أيضًا أن تخصص بعض الساعات الأخيرة من العيد أو المناسبة كمكافأة لنفسك لتقضيها في الشيء الذي تحبه، سواء كان القراءة أو مشاهدة فيلم أو ممارسة لعبة ما، حتى يستعيد دماغك ربط المناسبات والأعياد بالسعادة والراحة وليس بالتهديد.
في النهاية، إن شعورك بالقلق والتوتر في الأعياد والمناسبات دون سبب واضح ليس أمرًا غريبًا، بل هو استجابة بيولوجية ونفسية موثقة لضغط التوقعات وتغير الروتين اليومي. ولكن من خلال تطبيق استراتيجيات الاستعداد والتعافي التي استعرضناها، يمكنك حماية سلامك النفسي والاستمتاع بإجازتك بشروطك الخاصة بعيدًا عن فخ المقارنات الاجتماعية.
شاركونا في التعليقات: هل واجهتم من قبل هذا الشعور المبهم في المناسبات؟ وما هي طريقتكم الخاصة للتعامل معه؟ ولا تنسوا مشاركة المقال لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.