تهافت التفاهة: المقدمة

لعلنا قد انشغلنا جميعا في الأسابيع الماضية بما أثير مؤخرا لما سمي" أغاني المهرجانات"، وتتبع الأحداث بشكل فنتازي ترك في أذهاننا صراع من الأسئلة الغريبة التي لم نكتشف وجودها إلا من سنوات قريبة؛ ذلك الصراع الذهني الذي لا يظهر فقط إلا في أوقات التحديات الهامة والمصيرية؛ مثل أحداث قبل وبعد وأثناء مباريات كرة القدم بين فريقي الأهلي والزمالك؛ ومن ضمن الأسئلة التي ألحت على عقلي وبحثت لها عن إجابة:

- هل يوجد في اهتماماتنا كشعوب مسالمة لا تتحدث فيما يعنيها أحداث أهم من تلك الأحداث، تبعث في عقولنا ذلك الصراع وتفرض علينا التفتيش فيما وصلنا إليه من إنحدار وتراجع وخلط للجيد بالسقيم؟

-وهل لنا أن نبحث في أسباب مباشرة أو غير مباشرة، جعلت لدينا هذا الخلط والاضطراب الكبير في المفاهيم؟

-كيف لنا أن نحاول التعرف على الكم الهائل من المشكلات تلك حتى نستطيع افتراض حلول لها؟

- كيف وصل بنا الحال من الأساس إلى هذا الحد من الكوميديا كاحلة السواد؟!.....  .

وقائمة طويلة من الأسئلة والتي حاولت جاهدا الاجابة عليها.

وبعيدا عن التعميم وفرض الأحكام عزيزي القارىء، أود التنويه انني في هذا المقال وما يليه وجدت بعض من الاجابات منقولة من إحدى الكتب التي كانت ذات الصدى والتأثير الواسع في الأوساط الثقافية حول العالم منذ عدة أعوام، وهو كتاب"صناعة التفاهة" أو "نظام التفاهة" للفيلسوف والأكاديمي الكندي "آلان دونو"؛ الذي تناول فيه ما آلت إليه النظم الرأسمالية في العالم.

وعلي الرغم أن دونو مؤلف الكتاب كان يقصد النظام العالمي ككل، إلا أن ذلك الصدى والتأثير لتصوره قد تجلى بوضوح بعد تولي الرئيس الأمريكي الخامس والاربعون دونالد ترامب مقاليد الحكم؛ حيث أتى توليه لاحقا بعد عامين من صدور الطبعة الأولى للكتاب عام ٢٠١٥، مما جعل من دونو وآراءه محطة ينطلق منها قطار التفكير للكثير من المثقفين والفلاسفة حول العالم.

وقد اتخذت من هذا المنبر فرصة ثمينة؛ لتناول تعليقا على الكتاب في عدة قصص، أتوسل أن يطلق عليها (ساخرة)، وأنا مازلت في أول مقالاتي ولم اعرف بعد هل حجم سخافتي صغير ويتقبله القراء المهتمين؟ إمّا أنني يجب إعادة النظر في موضوع كتابة المقالات الساخرة، وربما الكتابة عموما!.

وعلى أية حال وبعيدا عن آمالي التي تبدو لك تفاهة عزيزي القاريء، وبعد قراءة تعليق الأستاذة مشاعل عبدالعزيز الهاجري استاذة القانون الخاص بجامعة الكويت مترجمة الكتاب للنسخة العربية في إصدار لدار النشر اللبنانية(سؤال)، رأيت أن أهتدي برأيها حين تقول:" تدور فكرة الكتاب حول عدة أطروحات متداخلة، أناقشها هنا على خلفية من الكتاب المترجم، ولكن من منظور شخصي يمثل وجهة نظري الخاصة وبمنظور انطباعي حر".

وما دمنا كعرب على قدم المساواة من الإفراط في حرية التعبير عن وجهات النظر منذ القديم، وبالأخص تلك التي تكون من منظور شخصي و(حر)، فقد رأيت أن أتخلص من بعض الوساوس والأفكار والتي أظنها تدخل في"صناعة نظام التفاهة"بأن ألقيها على الورق، لعلها تكسبني بعض الشهرة أو تجلب لي القليل من المال!

 نعم. مثلما قرأت، وهذا هو الحال بالطبع، وما يثبته دونو في كتابه، ولا تصدق أي هراء أخر سيقوله أحد لك بمن فيهم أنا.

وقبل أن يتهمني أحد بتهمة السرقة والسطو على أفكار الغير-ولكم أتمنى ذلك- لمزيد من الدعاية، عندي لك تهمة أخرى جاهزة لترمني بها وهي تهمة الحماقة، والتي بها ستراني كشخص لا يرقى لفهم شىء، ويحاول طبخ الحقائق والمعلومات مع الآراء الشخصية، ويقوم بتسويتها فوق نار هادئة، بعد أن يغدق بعض من المرح والفكاهة عليها؛ تماما مثلما يصنع بائع الكبدة الفاسدة برش التوابل غالية الثمن على الكبدة الفاسدة لتختفي رائحتها الحقيقة، وإن كنت أشك في أن مرحي من النوع الجيد.

ومن هنا سأحاول الهروب من تلك التهم وغيرها؛ بأن استعرض لبعض مكونات "صناعة التفاهة" في شكل أمثلة وقصص من الواقع الحالي والتاريخ المصري، والذي كان ومازال وسيظل على مستوى اعتبره أرقى في تفاهته من مستويات عديدة تناولها الكاتب الأصلي والمترجمة، وبالتأكيد سيتخلل تلك الأمثلة مواقف ورؤى من الحياة اليومية لا أزعم انني أول من يسخر منها في كلمات واصفة لها؛ ولكن ما أرجوه من ذكر تلك الرؤى والقصص هو توضيح القاعدة أو النظرية كما ذكرها دونو وليست الأمثلة التي ألحقها لتوضيح تصوره.

ولعل مبرري في تناول أطروحات دونو من منطلق قصصي ساخر، يرجع لما وجدته من صعوبة في فهم ما بين دفتي الكتاب، حيث وضعها دونو على طاولة المناقشة الأكاديمية؛ والتي طالما وجه هو نفسه إليها نقدا منطقيا واسعا يكاد يبتلع الكثير من الحقائق ولا يجعلنا نهتم بما يطرحه أكاديميا في تحليله لبعض القضايا التي تناولها.

وقد قسم دونو فصول الكتاب التي سوف نتناولها في عدة مقالات إلى أربعة فصول ثم أعقبها بخاتمة، تناول الفصل الأول فيه ما يتعلق بالمعرفة والخبرة باعتبارها"اساسا" يقود الأمم وإن كانت تختلف مقالاتي عن ذلك الرأي، ثم الفصل الثاني والذي يتناول فيه ما يتعلق بالتجارة والتمويل، والفصل الثالث تحدث فيه عن الثقافة والحضارة، ثم تناول في الفصل الرابع أحد الحلول لتلك الصناعة كلها (صناعة التفاهة) تحت عنوان "ثورة-انهاء ما يضر بالصالح العام".

وفي ظل تسارع أو تهافت عمليات الانتاج لتلك الصناعة"صناعة التفاهة"في  مجتمعاتنا؛ وكم أتمنى مشاركتك عزيزي القارىء كترس فعال في ماكينة تلك الصناعة؛ بأن يصلنا تعليقك لقصص ومواقف أو أمثلة متشابهة لما سوف نذكره.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب