هل طفلك ذكي لكنه منعزل؟ المشكلة ليست في قدراته العقلية، بل في المهارات الاجتماعية التي تعد جواز السفر للاندماج في الحياة.
في هذا الدليل، نضع بين يديك خريطة طريق عملية تعتمد على علم تحليل السلوك التطبيقي لتطوير مهارات طفلك، من التواصل البصري حتى تكوين الصداقات، بخطوات قابلة للتطبيق في المنزل.
هل ابنك ذكي، يفهم بسرعة، لكنه لا يجيد اللعب مع أقرانه؟! تشعرين بالقلق خشية أن يكون السبب قلة ذكاء الطفل، أو ضعف قدراته العقلية؟!
في الحقيقة، لا هذه ولا تلك، إنها ضعف المهارات الاجتماعية التي تُعد بوابة طفلك للاندماج في المجتمع وتكوين العلاقات والصداقات مع الأقران.
ما هي المهارات الاجتماعية؟
قد يتساءل بعض الناس: ماذا تقصد بـ «المهارات الاجتماعية»؟
المهارات الاجتماعية تعني تلك المهارات الضرورية لكي يتفاعل الطفل بطريقة صحيحة مع الأفراد المحيطين به، سواء في الأسرة أو المدرسة أو النادي أو أي مكان آخر.
والمهارات الاجتماعية ليست كما يتصور البعض أنها تقتصر على التواصل اللفظي فحسب، لكنها أيضًا تشمل التواصل غير اللفظي، من نظرة ومشاركة وتعبير عن المشاعر وغيرها.

ما أهمية المهارات الاجتماعية بالنسبة للطفل؟
تكمن أهمية المهارات الاجتماعية بالنسبة للطفل في أن فقدها يجعل الطفل يعاني من إقامة علاقات اجتماعية سوية وتكوين صداقات حقيقية مع أقرانه والأفراد المحيطين به، حتى يشعر وكأنه يعيش في عزلة بعيدًا عمن حوله، وتظهر بوضوح في بعض السلوكيات المزعجة.
وتأكيدًا لهذه الأهمية، أشارت دراسة طويلة الأمد نشرت في (American Journal of Public Health) إلى أن المهارات الاجتماعية للطفل في سن الروضة (مثل التعاون والمشاركة) تُعد دليلًا أقوى للتنبؤ بنجاحه الوظيفي والأكاديمي بعد 20 عامًا، مقارنةً بمستوى ذكائه الأكاديمي (IQ).
أهم المهارات الاجتماعية للطفل
من أهم المهارات الاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها الطفل:
بدء وإنهاء حوار
من أهم هذه المهارات على الإطلاق، قدرة الطفل على بدء وإنهاء حوار مع أقرانه، كأن يطلب من أقرانه الذين يلعبون بالكرة أن يلعب معهم: «ممكن ألعب معكم».
انتظار الدور
ما يميز الطفل الاجتماعي كذلك هي قدرته على انتظار دوره في اللعب، وعدم التسرع أو الرغبة في الاستحواذ على اللعبة، وترك الفرصة لأقرانه للعب؛ لأن هذا قد يجعلهم ينفرون منه ويرفضون اللعب معه بسبب أنانيته.
التعبير عن مشاعره
الطفل الاجتماعي عندما يغضب لا يضرب ولا يعتدي على أحد، لكنه يعبِّر عن المشاعر التي بداخله كأنه يقول: «أنا حزين» أو «أنا غاضب».
يتفهم مشاعر الآخرين
عندما يرى الطفل الاجتماعي صديقه أو زميله حزينًا أو غاضبًا يتفهم مشاعره، فنجده يواسيه، أو يتجنب استفزازه في هذا التوقيت مراعاة لمشاعره، وهذه مهارة اجتماعية أخرى تجعله أكثر قبولًا بين أقرانه.
يتعامل مع مشاعر الرفض
بعض الأطفال عندما يسمع كلمة «لا» يغضب ويصرخ ويبكي بحرقة، في محاولة منه للتأثير على والديه للحصول على ما يريد. أما الطفل الاجتماعي، فعندما يسمع كلمة «لا» قد يحزن، لكنه لا يغضب ولا يصرخ ولا يؤذي نفسه أو غيره.
كيف نُنمِّي المهارات الاجتماعية عند الأطفال باستخدام تحليل السلوك التطبيقي (ABA)؟
تحتل المهارات الاجتماعية مكانة كبيرة في برنامج تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis - ABA)، كونها تعدُّ حجر الزاوية في التربية، ومن خلالها ينتقل الطفل من حالة العزلة والانطواء إلى التفاعل والاندماج مع أقرانه.
ما يميز برامج تحليل السلوك التطبيقي أنها تقوم بالأساس على تجزئة المهارات الكبيرة إلى مهارات صغيرة قابلة للقياس، مثل مهارة التواصل البصري، أو الانتباه المشترك.
علميًا، يعتمد هذا المنهج على ما يُعرف بنموذج (ABC Model): أي السوابق (Antecedents) والسلوك (Behavior) والعواقب (Consequences). فنحن نهيئ البيئة قبل السلوك، ونعزز الطفل بعد السلوك، لضمان تعلم المهارة وتثبيتها.
الفنيات المستخدمة في ABA لتنمية المهارات الاجتماعية
أما الفنيات المستخدمة في تحليل السلوك التطبيقي، فهي كالتالي:
النمذجة (Modeling)
أن تفعل الأم شيئًا ما أمام طفلها، سواء كانت نمذجة حية، أو بالفيديو التي أثبتت فاعليتها مع أطفال التوحد.
على سبيل المثال: أم ترغب في تدريب طفلها على ترتيب غرفته وألعابه، بدلًا من قول «رتِّب غرفتك وضع ألعابك في الصندوق»، تبدأ هي بوضع اللعبة داخل الصندوق؛ ليقلدها طفلها، وهو ما يسمى التربية بالقدوة، أي إن تكون قدوة بالأفعال والكلام لطفلك.
وتفسر علوم الأعصاب فاعلية النمذجة بوجود ما يسمى الخلايا العصبية المرآتية في دماغ الطفل التي تنشط حين مشاهدته للفعل، وكأنه يمارسه فعليًّا، ما يرسخ المهارة في عقله قبل تطبيقها.

التقليد (افعل مثلي)
التقليد خطوة لاحقة مباشرة للنمذجة، والخطوة الأولى للكلام والتعلم؛ لأنه ببساطة إذا لم يكن الطفل قادرًا على تقليد حركة بسيطة كإشارة باليد، فلن يمكنه تقليد مخارج الحروف.
لعب الأدوار
بمعنى تدريب الطفل على موقف ما سوف يحدث قريبًا بحيث يقل توتره، ويكسر لديه حاجز الخوف. على سبيل المثال: الطفل الذي يخاف من الذهاب إلى عيادة الأسنان، يؤدي الأب دور طبيب الأسنان، ويجلس الطفل على الكرسي، في محاولة لطمأنته وكسر حاجز الخوف من عيادة الأسنان.

التعزيز الإيجابي
يركز تحليل السلوك التطبيقي على التعزيز الإيجابي بعد السلوك الجيد مباشرة، بحيث ينتقل تدريجيًا من المعززات المادية (حلوى، لعبة، نقود) إلى المعززات المعنوية أو الاجتماعية، كالابتسامة أو كلمات المدح والتشجيع.
على سبيل المثال، عندما يتعلم الطفل الانتظار لمدة 10 ثوانٍ يحصل على مكافاة مادية (قطعة حلوى). لاحقًا ينتظر دقيقة واحدة فيحصل على «ستيكر» (معزز رمزي). في النهاية ينتظر لمدة خمس دقائق يحصل على حضن دافئ.

التدريب في مواقف حقيقية
لا يقتصر تدريب الطفل في الجلسة فحسب، بل تتسع للمواقف الحياتية اليومية في البيت، الشارع، النادي، وكل مكان يوجد فيه الطفل ويتفاعل فيه مع المحيطين به، وهو ما يطلق عليه التعميم.

كيفية تعليم الطفل مهارة جديدة؟
في تحليل السلوك التطبيقي يتعلم الطفل أي مهارة، بوضع خطة واضحة مرسومة، موضح بها التفاصيل خطوة خطوة، مع التكرار وصولًا إلى التعميم في البيت والشارع وأي مكان آخر.
على سبيل المثال: يتم تدريب الطفل على مهارة انتظار الدور في البيت، ثم محل البقالة، وصولًا إلى دخوله الحضانة والمدرسة. كذلك طفل التوحد الذي يجد صعوبة في دخول الحمام خارج البيت، يتم تدريبه على استخدام الحمام داخل البيت وصولًا إلى فكرة التعميم خارج البيت.
هل المهارات الاجتماعية أهم من الكلام؟
نعم، فالمهارات الاجتماعية في كثير من الأحيان تكون بوابة الطفل للكلام. فعندما يعرف الطفل الانتظار والمشاركة مع الأقران، يكون من السهل بعد ذلك الكلام وبدء حوار معهم.
أخطاء شائعة تقع فيها الأمهات
من الأخطاء الشائعة التي تقع فيها بعض الأمهات بالنسبة لتعلم المهارات الاجتماعية:
- توقع السلوك الاجتماعي من غير تعليم.
- مقارنة الطفل بغيره.
- الاكتفاء بالكلام وترك المهارات.
أسئلة شائعة حول المهارات الاجتماعية عند الأطفال
ما أنواع المهارات الاجتماعية؟
يمكن تقسيم المهارات الاجتماعية عند الأطفال إلى عدة أنواع، أهمها:
- مهارات التواصل (مثل النظر، الإشارة، الكلام).
- مهارات التفاعل (اللعب مع الآخرين، المشاركة).
- مهارات الانفعالات (التعبير عن الفرح والغضب والحزن).
- مهارات الضبط الذاتي (الانتظار، تقبل الرفض).
- مهارات حل المشكلات الاجتماعية (التعامل مع الخلافات).
ما المهارات الاجتماعية؟ وما الأمثلة عليها؟
المهارات الاجتماعية هي مهارات يتعلمها الطفل لكي يسهل عليه التعامل مع الأفراد المحيطين به في المجتمع الذي يعيش به. ومن أمثلتها:
- أن يطلب اللعب بدل الضرب أو البكاء.
- أن ينتظر دوره في الطابور أو اللعب.
- أن يقول: «زعلان» بدل الصراخ.
- أن يتقبل كلمة «لا» دون نوبة غضب.
- أن يشارك ألعابه مع غيره.
كيف يكتسب الطفل المهارات الاجتماعية؟
يكتسب الطفل المهارات الاجتماعية بالتدريب والقدوة، عندما يشاهد تعاملات والديه معه ومع الغير.

كثيرًا ما تأتيني أمهات يشتكين من (عناد) أطفالهن أو (خجلهم المفرط) في التجمعات. الحقيقة العلمية التي أخبرها للجميع هي: المهارات الاجتماعية مثل عضلة الذراع، تحتاج إلى تمرين لتقوى، ولا تنمو وحدها. لا تتوقعي من طفلك أن يعرف كيف (يستأذن) أو (يشارك لعبته) بالفطرة، لا سيما مع سيطرة الشاشات اليوم التي تزيد العزلة.
أنصحك باستخدام قاعدة لعب الأدوار (Role Play) التي ذكرناها؛ مثّلي معه الموقف في البيت قبل الخروج. وتذكري: المكافأة المعنوية (المدح والابتسامة) مفعولها سحر وأقوى من الحلوى على المدى البعيد لبناء شخصية سوية.
ختامًا، عزيزي المربي، اعلم أن المهارات الاجتماعية ليست رفاهية، لكنها ضرورة حياتية ومفتاح سحري لكي يندمج طفلك في المجتمع الذي يعيش فيه، وأحيانًا كثيرة الباب الذي يمهد للكلام نفسه، ولعل أبرز ما يميز تحليل السلوك التطبيقي أنه يحول كل لحظة يومية إلى فرصة حقيقية للتعلم.
وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات شاركونا آراءكم في التعليقات: كيف يمكنك تنمية المهارات الاجتماعية لطفلك؟ وما أهمية ذلك في تكوين شخصيته؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.