يتساءل كثير من الآباء والأمهات بشأن طرق تطوير مهارات أطفالهم اللغوية، خاصة في مراحل العمر الأولى التي تساعدهم على اكتشاف البيئة من حولهم والتعبير عن احتياجاتهم. من هنا تأتي أهمية توعية المربين بالتدخل المبكر والتفاعل الواعي مع الطفل.
إن تطوير مهارات الطفل اللغوية هو حجر الأساس لنجاحه الأكاديمي والاجتماعي في المستقبل، لا تبدأ هذه الرحلة في المدرسة، بل تبدأ في المنزل، بين أحضان الأسرة. والأم والأب يؤديان الدور الأهم في تعليم الطفل التحدث وتكوين قدرته على التواصل.
في هذه المقالة، سوف نسلط الضوء على عدد من الطرق البسيطة داخل المنزل لمساعدة طفلكِ على فهم الكلمات واستخدامها، ونقدم نصائح للأمهات لتطوير لغة الأطفال في المنزل في المراحل العمرية المختلفة.
دور الأهل في التطور اللغوي.. بناء الأساس في المنزل
يتأثر نمو اللغة في مرحلة الطفولة المبكرة بدرجة كبيرة بالبيئة المنزلية للطفل. وتعد الأنشطة اليومية، مثل تحضير الطعام أو روتين ما قبل النوم، فرصًا جيدة لتطبيق مهارات التواصل. فهذه اللحظات تُرسي أساسًا قويًا لتطور اللغة عند الأطفال، وتعزز تنمية المفردات عند الأطفال، وتساعدهم على التعبير عن أفكارهم.

في المنزل، غالبًا ما يشعر الأطفال براحة أكبر مقارنةً بالبيئة المدرسية، ما يسمح لهم بتجربة الكلمات بحرية. وهذا يجعل من الآباء عنصرًا أساسيًّا في تعليم الأطفال في المنزل.
من الولادة إلى سنتين
في هذه المرحلة العمرية من حياة طفلك، ينصب التركيز على اللغة الاستقبالية (فهم الكلمات) والتحضير للنطق، وتبرز أهمية التفاعل الواعي معه، والتحدث إليه كثيرًا، وعدم تركه أمام الشاشات. يمكنك أن تقول له أصواتًا مثل «ما» و«دا» و«با»، مع محاولة تكرارها أكثر من مرة وبأكثر من طريقة على مسامع طفلك؛ فأنت بذلك تغذي لغته الاستقبالية.
من الجيّد ترديد الأصوات البسيطة التي يصدرها طفلك وتعزيزها من خلال التغذية الراجعة. عندما يقول الطفل «با» أو «ما»، ردي عليه بالصوت نفسه وابتسمي، مع تكرار هذه المقاطع في سياقات مختلفة، كأن تغني له بها أو تستخدميها في أثناء اللعب، مع إضافة مقطع آخر فتتحول «با» إلى «بابا» و«ما» إلى «ماما».
في هذه الخطوة تحديدًا تبرز أهمية الدعم والتعزيز للأصوات التي ينطقها الطفل، فنجد أنه غالبًا ما تكون أول كلمة ينطقها هي «بابا» أو «ماما» نظرًا للدعم الذي يجده من الوالدين عندما يقول «با» أو «ما». ولا ننسى أن التواصل البصري مع الطفل في هذه المرحلة أمر غاية في الأهمية.
التقليد والمحاكاة من المهارات المفيدة في هذه المرحلة؛ كأن تصفقي بيديك وتطلبي من طفلك أن يقلدك، كما يمكنكما اللعب معًا من خلال لعبة استغماية.
الاستفادة من الروتين اليومي
الأم الذكية لا تضيع فرصة لتعليم طفلها على مدار اليوم؛ في أثناء الأكل والشرب، وفي أثناء الاستحمام، وفي أثناء ارتداء الملابس، يمكن استغلال هذه المواقف للتحدث مع طفلك عمَّا تفعلينه. قولي له: «الآن سنغسل أيدينا قبل تناول الطعام»، «سنرتدي قميصك الأحمر المفضل».
أشيري إلى الألوان والأشكال من حولكما
«انظر إلى هذه التفاحة الحمراء اللذيذة، إنها تشبه الطماطم من ناحية اللون». دعيه يراها ويلمسها ويتذوقها إن أمكن.

عدّي الأشياء بصوت عالٍ
يمكن استغلال المواقف الحياتية لتعليم الطفل العد بطريقة ممتعة وبسيطة؛ في أثناء اللعب وفي أثناء الأكل، عدّي الأشياء بطريقة مرحة وجذابة. في أثناء تناول الفاكهة يمكنكِ قول: « تفاحة واحدة، موزتان، ثلاثُ حباتِ عنب» وهكذا. عند صعود السلم نقول: «واحد، اثنان، ثلاثة...». كرري العدّ يوميًّا وفي مواقف مختلفة؛ فإلى جانب تعليم الطفل العدّ، هو يطوّر مهارات الاستماع والانتباه لديه.
استخدمي الإيماءات مثل التلويح والإشارة
كأن تلوحي بيديك وأنتِ تقولين: «مع السلامة»، والإشارة إلى الأشياء مع تسميتها.
تحدثي عن أصوات الحيوانات
لا شك في أن استخدام كلمات مثل «الكلب يقول هوو هوو» يساعد طفلكِ على ربط الصوت بالحيوان.
أضف إلى ما يقوله طفلك
عندما يقول «ماما»، قولي: «ها هي ماما. ماما تحبك».
اقرأ لطفلك
ليس عليك قراءة كل كلمة، ولكن تحدثي عن الصور. اختاري كتبًا متينة تحتوي على صور ملونة كبيرة. اسألي طفلك: «ما هذا؟» وحاولي أن تجعليه يشير إلى الأشياء أو يسميها.

تنمية اللغة عند الأطفال من عمر عامين إلى 4 سنوات
أهم ما يميز هذه المرحلة أن الطفل يبدأ في تكوين جمل من كلمتين في العام الثاني، تتطور إلى جملة من ثلاث كلمات في العام الثالث، مع زيادة حصيلته اللغوية من الكلمات والمفردات. لكي تساعدي طفلك على التحدث بثقة إليك أفضل طرق تعليم الطفل الكلمات الجديدة:
تحدثي بوضوح مع طفلك
استخدمي الجمل البسيطة الواضحة عند التحدث معه، وبصوت هادئ وبطيء. بدلًا من أن تقولي له «هيا بسرعة»، يمكنكِ قول: «هيا نرتدي الحذاء لنخرج إلى الحديقة».
كرري ما يقوله طفلك وأضيفي عليه
عندما يتحدث طفلك، أصغي باهتمام، وانصتي لكل كلمة يقولها، وأضيفي له كلمات جديدة؛ فهذا يساعده على تعلم تركيب الجمل.
على سبيل المثال، إذا قال طفلك «عصير»، قولي له: «تريد عصيرًا؟ هل تحب عصير التفاح؟»
لا بأس من استخدام لغة الأطفال أحيانًا. تحققي من استخدام كلمات الكبار أيضًا، مثل: «حان وقت العشاء. سنتناول العشاء الآن».
ألعاب تعليمية لتنمية اللغة
الألعاب التعليمية لتنمية اللغة تمثل وسيلة فعَّالة وممتعة لتعزيز مهارات النطق، المفردات، والفهم اللغوي لدى الأطفال، باستخدام الألعاب التفاعلية مثل البازل اللغوي، الكلمات المتقاطعة، وألعاب الكلمات المتشابهة، طرح الأسئلة، حكي قصة، ومنها:
قصي صورًا لأشياء مفضلة أو مألوفة
قصي صورًا من مجلات أو اطبعي صورًا لأشياء محببة لدى طفلك، على أن تصنفيها: أشياء نأكلها، أشياء نلعب بها، أشياء نركبها... إلخ. يمكن أيضًا عمل صور مضحكة بخلط الصور ومطابقتها، كأن تلصقي كلبًا خلف عجلة قيادة سيارة! ثم قولي لطفلك: «هل هذا طبيعي؟ من يقود السيارة؟»

ساعدي طفلك على الفهم واطرحي الأسئلة
كأن تلعبي معه لعبة «نعم أو لا». اطرحي أسئلة مضحكة، وهو يجيب بنعم أو لا. مثلًا: «هل يستطيع الحمار الطيران والتحليق في السماء؟» ثم شجعيه على طرح أسئلة وتجيبي عليها.
اطرحي أسئلة تتضمن خيارًا
اطرحي عليه خيارات واضحة: «هل تريد تفاحة أم برتقالة؟»، «هل تريد ارتداء قميصك الأحمر أم قميصك الأزرق؟».
ساعدي طفلك على تعلم كلمات جديدة
سمِّي أجزاء الجسم، وتحدثي عما تفعلينه بها: «هذا أنفي. أستطيع شم رائحة الزهور والصابون».
الأغاني السهلة
الأغاني تُعلّم الطفل الإيقاع والنطق؛ كأن تغني له: «رأس وكتف وركبة ورجل»، مع الإشارة إلى هذه الأعضاء في أثناء الغناء.
صندوق الأشياء
اطلبي من طفلك إخراج الكرة من داخل الصندوق، ويقول اسمها واستخدامها، كأن يستخرج الكرة ويقول: «هذه كرتي. أقفز بها وألعب بها».
صور لخلق قصص
يمكنك أن تعرضي على طفلك مجموعة من الصور لأشخاص يعرفهم مثل الجد والجدة والإخوة، وتحدثي عنهم، ثم اسأليه: «من هذا؟ نعم، عمك. ماذا فعلنا عنده الأسبوع الماضي؟».

تنمية اللغة عند الأطفال.. من 4 إلى 6 سنوات
في هذه المرحلة العمرية، يكون الطفل أكثر طلاقة وقدرة على التعبير، لا سيما أن اكتمال نمو اللغة يحدث عند سن الخامسة والنصف، لكنه يظل بحاجة للدعم والتشجيع من الوالدين والمحيطين به. لتحقيق ذلك، نقدم مجموعة من الطرق السهلة والبسيطة لتحسين فهمه وزيادة مفرداته:
-
انتبه لطفلك عندما يتحدث إليك
عندما يتحدث إليك طفلك، انظر في عينيه، وأظهر اهتمامك بما يقوله.
-
اجذب انتباهه قبل أن تتحدث
المس كتفه بلطف، أو مرر أصابعك على شعره، قبل أن تتحدث إليه، لتجذب انتباهه للحديث معك.
-
امدح طفلك عندما يخبركبشيء ما
حتى وإن لم تكن الجملة صحيحة أو مفهومة، امدحه وأثنِ عليه، كأن تقول له: طريقتك في السرد جميلة.
-
توقف قليلًا بعد الكلام
هذا يمنح طفلك فرصة للرد، مع تجنب مقاطعته في أثناء الحديث.
-
ساعد طفلك باستمرار على تعلم كلمات جديدة
قل كلمة جديدة، وأخبره معناها، أو استخدمها بطريقة تساعده على الفهم. على سبيل المثال، يمكنك استخدام كلمة «مركبة» بدلًا من «سيارة». يمكنك أن تقول: «أعتقد أنني سأقود السيارة إلى السوق. أنا متعب جدًا من المشي».
يمكنك أيضًا التحدث عن أماكن الأشياء، مستخدمًا كلمات مثل «أولًا» و«وسطًا» و«آخرًا» أو «يمينًا» و«يسارًا». تحدث عن الأضداد مثل «أعلى» و«أسفل» أو «تشغيل» و«إيقاف».
-
دع طفلك يخمِّن ما تصفه
قل: «نستخدمها لكنس الأرض»، واطلب منه العثور على المكنسة. قل: «إنه بارد، حلو، ومناسب للتحلية. أحب الفراولة» ليتمكن من تخمين «الآيس كريم».
-
صنِّف الأشياء وتحدث عن المختلف
ابحث عن الشيء الذي لا ينتمي إلى مجموعة، ولماذا؟ على سبيل المثال، موزة، وتفاحة، وحذاء.
-
اتباع التعليمات بخطوتين أو أكثر
ساعد طفلك على اتباع تعليمات من خطوتين أو ثلاث خطوات. مثل: «اذهب إلى غرفتك، وأحضر لي كتابك».
-
العب مع طفلك ألعابًا مثل «المنزل»
دعه يلعب دور الوالد، وتظاهر بأنك الطفل. تحدث عن الغرف والأثاث المختلفة في المنزل.
-
مشاهدة فيلم معًا
اختر فيلمًا أو عملًا كرتونيًّا مفضلًا لطفلك، وشاهده معه، وتحدث عما يشاهده طفلك. اطلب منه تخمين ما قد يحدث لاحقًا. تحدث عن الشخصيات. هل هم سعداء أم حزينون؟ اطلب منه أن يخبرك بما حدث في القصة. مثِّل مشهدًا معًا، أو ابتكر نهاية مختلفة.
-
استخدم المهام اليومية لتعلم اللغة
على سبيل المثال، تحدثوا عن الأطعمة في قائمة الطعام ولونها وملمسها وطعمها في المطبخ. تحدثوا عن أماكن وضع الأشياء. اطلبوا منهم وضع المنديل على الطاولة، أو تحت الملعقة. تحدثوا عن صاحب المنديل. قولوا: «هذا منديلي»، «هذا منديل أبي»، «هذا منديل تمارا».
-
اذهبوا للتسوق معًا
تحدثوا عما ستشترونه، وكمية الأشياء التي تحتاجونها، وماذا ستصنعون. تحدثوا عن الأحجام والأشكال والأوزان.

بعض الأمهات تدور في أذهانهم كثير من الأسئلة، نسرد منها ما جاء إلينا في التعليقات:
-
متى يبدأ الطفل في الكلام بوضوح؟
-
يبدأ معظم الأطفال في نطق كلماتهم الأولى نحو عمر السنة، وتكوين جمل صغيرة بين 18 و 24 شهرًا. ويصبح الكلام أكثر وضوحًا للغرباء بين عمر 3 و 4 سنوات، لكن التطور يختلف من طفل لآخر.
-
-
كيف أطور مفردات طفلي في المنزل؟
-
القراءة اليومية، التحدث باستمرار ووصف كل ما تفعلونه، استخدام كلمات غنية ومتنوعة، والغناء، كلها وسائل فعالة لزيادة الحصيلة اللغوية لطفلك.
-
-
هل القراءة اليومية تساعد الطفل على الكلام؟
-
نعم، القراءة تعرض الطفل لكلمات جديدة، وبناء جمل صحيح، وأفكار متنوعة، ما يحفز تطوره اللغوي والمعرفي.
-
-
ما أفضل ألعاب تعليمية لتنمية لغة الأطفال؟
-
الألعاب التي تشجع على التفاعل والحوار هي الأفضل، مثل اللعب التخيلي (لعبة المنزل أو الطبيب)، ألعاب التصنيف (فرز الألوان والأشكال)، وبناء القصص باستخدام الصور أو الدمى.
-
-
هل يمكن أن يتأخر الطفل في الكلام بسبب الشاشات؟
-
نعم. تشير الدراسات إلى أن قضاء وقت طويل أمام الشاشات (دون تفاعل) يمكن أن يحل محل الوقت الثمين المخصص للتفاعل البشري المباشر، وهو أمر ضروري وحيوي لاكتساب اللغة.
-
إن تنمية اللغة عند الأطفال هي رحلة طبيعية تزدهر بالحب والتفاعل اليومي، للآباء دورٌ محوريٌّ في تعزيز تطوّر الكلام، ممهدين الطريق للنجاح الأكاديمي والاجتماعي. بالمشاركة الفعَّالة في أنشطة لتطوير لغة الطفل -حتى قبل التحاق الأطفال بالمدرسة- يمكن للآباء المساعدة في تنمية مهارات التواصل لدى الطفل، تذكري دائمًا أن كل كلمة وكل قصة وكل أغنية تشاركينها مع طفلك هي لبنة في بناء مستقبله اللغوي المشرق.
وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات، شاركونا آراءكم في التعليقات: كيف تطورون مهارات أطفالكم اللغوية في المنزل؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.