كيف يحافظ الجسم على درجة حرارته الطبيعية؟ أسرار التوازن الحراري

يمتلك الجسم منظم حرارة طبيعي يحافظ على درجته المتوازنة نحو 37 درجة مئوية، وهو ما يسمى منطقة تحت المهاد أو الوطاء (Hypothalamus) في الدماغ، فيؤدي الجسم عمليات فيزيائية وتغيرات فسيولوجية استجابة للحرارة لتحقيق التوازن الحراري (Thermoregulation). فيتعرق وتتسع الأوعية الدموية من أجل تبريد الجسم، ثم يرتعش وتضيق الأوعية الدموية للحفاظ على الحرارة في أوقات البرودة.

في هذا المقال، نوضح مفهوم التوازن الحراري لجسم الإنسان، ونستعرض آليات تنظيم حرارة الجسم، وكيفية تجنب فشل الجسم في تنظيم الحرارة مثل الإجهاد الحراري، مع شرح يجيب عن تساؤل: كيف ينظم الدم درجة حرارة الجسم؟ ودور الهرمونات في هذه العملية الفسيولوجية المذهلة.

التوازن الحراري لجسم الإنسان هو قدرة الجسم الفسيولوجية على الحفاظ على حرارته الداخلية عند 37 درجة مئوية تقريبًا، بغض النظر عن حرارة البيئة الخارجية. يحدث تنظيم درجة حرارة الجسم بواسطة منطقة تحت المهاد (الوطاء) في الدماغ التي تُعد الغدة المسؤولة عن تنظيم درجة حرارة الجسم.

وتُرسل هذه المنطقة إشارات لآليات مثل التعرق وتوسيع الأوعية الدموية للتبريد، أو الارتعاش لتوليد الحرارة، وتعمل مع الغدة الدرقية لضمان توازن حرارة الجسم بدقة تامة، ولكن كيف يحافظ جسم الإنسان على درجة حرارته؟ ومتى يحدث فشل الجسم في تنظيم الحرارة، وما دور الهرمونات في توازن حرارة الجسم؟ إليك التفاصيل في السطور التالية.

آليات تنظيم حرارة الجسم: كيف يحافظ الجسم على توازنه؟

إذا كنت تتساءل كيف ينظم الدم درجة حرارة الجسم ويحافظ على بقائها مستقرة؟ فإن الجسم يعتمد على آليات تنظيم حرارة الجسم الدقيقة والمترابطة التالية:

  • التعرق: يستخدم الجسم آلية التعرق في الأجواء الحارة من أجل تبريد الجسم، حيث تفرز الغدد العرقية العرق الذي يتبخر بدوره على سطح الجلد ويستهلك الحرارة. ولكن يجب الحذر من التعرق المفرط الذي قد يؤدي للجفاف.
  • توسع الأوعية الدموية: آلية أخرى يلجأ إليها الجسم في أوقات ارتفاع الحرارة، وذلك عن طريق توسع الأوعية القريبة من سطح الجلد مما يسمح بفقدان الحرارة بسرعة نتيجة زيادة تدفق الدم للسطح.
  • تقليل النشاط: في أوقات ارتفاع الحرارة يلجأ الجسم إلى تقليل النشاط العضلي حتى تقل درجة الحرارة الداخلية الناتجة عن الحركة.
  • الارتعاش: كلنا نشعر بالارتعاش وقت البرودة ولا يعلم معظمنا أنه من آليات الجسم لتوليد الحرارة في الأجواء الباردة عن طريق الانقباضات العضلية السريعة واللاإرادية.
  • تضييق الأوعية: كما يقوم الجسم بتوسيع الأوعية في أوقات الحرارة المرتفعة، فإنه يعمل على تضييق الأوعية الدموية تحت الجلد في الأماكن الباردة للحفاظ على حرارة الأعضاء الداخلية.
  • انتصاب الشعر: تلك القشعريرة التي نشعر بها في البرد وتجعل الشعر ينتصب ما هي إلا آلية دفاعية يلجأ إليها الجسم، حيث تنقبض العضلات الصغيرة بالقرب من جذور الشعيرات لعمل طبقة عازلة من الهواء والحفاظ على الحرارة.

دور الهرمونات في توازن حرارة الجسم

دور الهرمونات في توازن حرارة الجسم

تعد الهرمونات منظمًا للحرارة طويل الأمد في الجسم عن طريق التحكم في عمليات الأيض التي تنتج بدورها الحرارة منتجًا ثانويًّا في عملية تنظيم حرارة الجسم. ومن أهم الهرمونات التي تساعد على ضبط الحرارة ما يلي:

  • هرمونات الغدة الدرقية: تفرزها الغدة الدرقية (Thyroid Gland) لزيادة سرعة الحرق في الخلايا، وهو ما يرفع درجة الحرارة ويساعد الجسم على التوازن في أوقات البرودة الطويلة؛ لذلك يُعد خمول هذه الغدة من أبرز أسباب عدم القدرة على تحمل البرد.
  • الأدرينالين والنورأدرينالين: هرمونات يتم إفرازها في حالات معينة لتعمل على تحفيز القلب على زيادة معدل الضربات، وعلى هذا مزيد من الحرارة وحرق الدهون، وهو ما يعطي الجسم دفعة حرارية في أوقات البرد الشديد أو الشعور بالتوتر.
  • البروجسترون: من الهرمونات ذات التأثير الكبير على النساء الذي يرفع درجة الحرارة في النصف الثاني من الدورة الشهرية بما يساوي حوالي نصف درجة مئوية.
  • الليبتين: من الهرمونات التي لها علاقة كبيرة بنشاط الجهاز العصبي الودي ويؤدّي دورًا كبيرًا في عملية توازن الحرارة وإنتاجها في الجسم على المدى الطويل.
  • ADH: الهرمون المضاد لإدرار البول الذي يعمل في أوقات الحرارة الشديدة ليمنع الجسم من فقدان الماء عبر البول ويحافظ على السوائل التي يحتاج إليها في عملية التعرق المستمرة.

متى يحدث فشل الجسم في تنظيم الحرارة؟

يحدث ذلك عندما تكون الظروف الخارجية أكبر من قدرة الجسم وآلياته على التكيف، أو نتيجة وجود خلل داخلي. من أبرز هذه الحالات ما يلي:

  • الإجهاد الحراري: تلك الحالة التي يتعرض فيها الشخص لدرجة حرارة ورطوبة عالية، وهو ما يمنع تبخر العرق ويحبس الحرارة في الجسم. وعندما تصل الحرارة إلى 40 درجة، يفقد الجسم قدرته على التبريد والتعرق، ويصبح الإجهاد الحراري (Heat Exhaustion) خطرًا مهددًا للحياة (ضربة شمس).
  • الانخفاض الحاد (Hypothermia): حالة معاكسة تمامًا يتعرض فيها الجسم لظروف باردة جدًا لفترة طويلة، وعندما تنخفض الحرارة عن مستوى 35 درجة مئوية تظهر أعراض انخفاض حرارة الجسم (Hypothermia) القاسية وتتوقف الآلية الدفاعية وقد يفقد الشخص وعيه.
  • الجفاف الشديد: إذا وصل نقص السوائل لمرحلة سيئة فإن الجسم لا يجد وسيلة للتعرق والتبريد، وبذلك ترتفع الحرارة بشكل يمثل خطورة على الأعضاء الحيوية.
  • الخلل العصبي: لأن منطقة الوطاء هي الغدة المسؤولة عن تنظيم درجة حرارة الجسم المركزية، فإن أي خلل أو إصابة عصبية في تلك المنطقة قد يؤدي إلى تذبذب الحرارة عشوائيًا.
  • التسمم والأدوية: هناك عقاقير ترفع درجة الحرارة أو تمنع الجسم من الشعور بالعطش، مما يعطل الآليات الفسيولوجية.

نصيحة طبية الإجهاد الحراري

بفضل خلال متابعتي للحالات الطارئة، أجد أن الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثيرون في أثناء موجات الحر هو تجاهل توقف التعرق، إذا كنت تعمل في الشمس ولاحظت أن جلدك أصبح حارًا وجافًا تمامًا (توقف التعرق المفرط فجأة)، فهذا يعني أن نظام التبريد في جسدك قد انهار تمامًا وأنت على وشك الدخول في غيبوبة ضربة شمس. في هذه اللحظة، يجب الانتقال للظل فورًا وتبريد الجسم بالماء البارد وطلب الإسعاف. لا تنتظر حتى تفقد الوعي!

علامات فشل تنظيم الحرارة

علامات فشل الجسم في تنظيم الحرارة

كيف يخبرنا الجسم بأنه يفقد السيطرة؟ فعلًا، هناك علامات تحذيرية يرسلها الجسم عند فقدان توازن حرارة الجسم وقبل الانهيار الكامل، ومنها:

  • توقف التعرق: من العلامات المهمة والخطرة التي تعني أن الجسم قد استنفد السوائل ولم يعد لديه القدرة على التبريد.
  • الارتباك والهذيان: علامة على تأثر الدماغ بالحرارة وفقدان التركيز الذي قد يصل إلى الدوار الشديد.
  • النبض السريع: يدل على محاولة القلب التخلص من الحرارة عن طريق الجلد.
  • الصداع النابض: من العلامات التي تدل على الإجهاد العصبي المركزي.
  • توقف الارتعاش: من أخطر أعراض انخفاض حرارة الجسم، حيث يتوقف الجسم عن الارتعاش عندما يفقد طاقته تمامًا.
  • التلعثم في الكلام: في حالات البرد الشديد يحدث ثقل في اللسان.
  • الخمول أو النعاس: رغبة شديدة في النوم نتيجة تباطؤ وظائف الدماغ.
  • فقدان التناسق: يبدأ الشخص في التعثر وعدم القدرة على استخدام يديه.
  • السلوك المتناقض: من العلامات التي تدل على وصول الشخص لمرحلة خطرة هو أن يخلع ملابسه على الرغم من البرودة الشديدة وهو ما يشير إلى فشل الدماغ في الإدراك (Paradoxical undressing).

كيف يحافظ الجسم على درجة حرارته الطبيعية بالتدخل الخارجي؟

بلا شك يمكننا دعم تنظيم درجة حرارة الجسم الطبيعي بالسلوكيات الصحيحة كالتالي:

  • ارتداء طبقات عدة من الملابس في الأجواء الباردة لتوفير العزل الحراري المناسب.
  • في درجات الحرارة المنخفضة، يُراعى تغطية الأطراف لمنع تسريب الحرارة.
  • تناول الأطعمة الغنية بالبروتين والدهون الصحية كوجبات دافئة لتحفيز التوليد الحراري.
  • الحرص على النشاط والحركة لتوليد الحرارة العضلية التي تغني الجسم عن الارتعاش.
  • الحفاظ على ترطيب الجسم باستمرار للحفاظ على عملية التعرق والتبريد الفوري.
  • ارتداء الملابس الخفيفة ذات الألوان الفاتحة في الأجواء الحارة التي تظهر أشعة الشمس.
  • استخدام الماء البارد على مناطق النبض في المعصمين والرقبة لخفض درجة الحرارة بسرعة.
  • تجنب المشروبات التي تحتوي على الكافيين في الأوقات الحارة لأنها تعيق تدفق الدم للجلد وتصعّب عملية التخلص من الحرارة.

كيف يحافظ الجسم على درجة حرارته 37 درجة؟

يحافظ الجسم على توازنه الحراري بواسطة عملية الاستتباب الداخلي (Homeostasis) التي يقودها الدماغ (الوطاء). إذا ارتفعت الحرارة عن 37، يرسل الدماغ إشارات لتوسيع الأوعية الدموية والتعرق. وإذا انخفضت، يرسل إشارات للارتعاش وتضييق الأوعية، مما يضمن بقاء الحرارة حول الرقم 37 المئوي دائمًا.

كيف يحافظ الجسم على توازنه الحراري؟

متى يصل جسمان إلى حالة اتزان حراري؟

من الناحية الفيزيائية والبيولوجية، يصل جسمان (أو جسم الإنسان والبيئة المحيطة) إلى حالة اتزان حراري عندما تتساوى درجة حرارتهما ويتوقف انتقال الحرارة بينهما. في حالة الإنسان، إذا تساوت حرارة جسمه مع بيئة شديدة الحرارة أو شديدة البرودة وفقد قدرته على مقاومتها، فإنه يدخل في حالة فشل تنظيم الحرارة (ضربة شمس أو تجمد).

في الختام، يُعد تنظيم حرارة الجسم معجزة بيولوجية حقيقية يقودها الدماغ للحفاظ على التوازن الحراري عند 37 درجة مئوية. الوعي بآليات تنظيم حرارة الجسم ومراقبة علامات فشل الجسم في تنظيم الحرارة (مثل توقف التعرق في الصيف، أو توقف الارتعاش في الشتاء) قد ينقذ حياتك وحياة من تحب من الإجهاد الحراري أو الانخفاض الحاد للحرارة. استمع دائمًا لإشارات جسدك، وشاركونا في التعليقات: ما هي حيلتكم المفضلة للشعور بالدفء في أيام الشتاء القارسة؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.