تُعد إدارة وظائف الأمعاء أحد أهم التحديات التي تواجه الأشخاص المصابين بالشلل أو إصابات الحبل الشوكي، فيعاني كثير من المشلولين الإمساك المزمن نتيجة اضطرابات في نشاط الأمعاء وغياب السيطرة الإرادية على عملية التغوط، ومضاعفات صحية أخرى تؤثر تأثيرًا كبيرًا في جودة الحياة، لكن الخبر السار هو أنه بواسطة نهج منظم يُعرف بـ(برنامج تدريب الأمعاء)، يمكن لمعظم الأفراد تحقيق انتظام يمكن التنبؤ به.
يهدف هذا الدليل الشامل إلى تقديم خطوات عملية ومفصلة لتأسيس روتين ناجح لإدارة الأمعاء، بدءًا من تحديد التوقيت المناسب، مرورًا بالنظام الغذائي واستخدام المحفزات، وصولًا إلى تهيئة البيئة المناسبة، بهدف تمكين الأفراد من التحكم في صحتهم واستعادة استقلاليتهم.
يُعد الإمساك أو قبض الأمعاء لا سيما في حالات الشلل أحد اضطرابات، وتُكون غالبًا نتيجة عادات خاطئة اكتُسبت مبكرًا في الحياة، لكن لا يوجد سبب يدعو للرضوخ لهذا القدر المحتوم، خصوصًا للمصابين بالشلل، إن نشاط الأمعاء يتباطأ ويكون غير منتظم فور حدوث الشلل، ويقتضي الأمر اتخاذ إجراءات خاصة، غالبًا ما تشمل الحقنة الشرجية في المراحل المبكرة، لكن الأهم هو أنه بالإمكان في أغلب الحالات تدريب الأمعاء المشلولة لتستجيب لمحفزات (منبهات) معينة بأوقات منتظمة، وهذا المبدأ يمثل أساس تدريب الأمعاء عند المشلول.
دعونا نترك مسألة المعالجة في مراحل الشلل المبكرة، وننظر في حالة مشلول يواجه صعوبة، ربما سنوات عدة، في تثبيت انتظام عمل الأمعاء، يجب على المشلول أن يقبل الحقيقة، وهي أن الشخص المصاب بشلل تام لا يملك سيطرة إرادية على حركة الأمعاء، لذلك يجب أن يحاول تدبير عملية التغوط لكي تحدث في وقت يلائم المشلول أو المشلولة.
تدريب الأمعاء وتأسيس برنامج منتظم للتبرز
إن ابتداء الشخص مبكرًا هذا النمط من تدريب الأمعاء هو الإجراء الأفضل، ولكنه لن يفوت إطلاقًا أن يُبتدأ بهذا التدريب بالنسبة للآخرين. سواء أكان التعود على التغوط كل يوم أم بين يوم وآخر، وهو مسألة اختيار شخصي، لكن التعود على التغوط كل يوم هو الأمر المرجّح.
يجد كثيرٌ من المشلولين في هذا القطر أن تناول الملينات أمر ضروري، غير أنه يوجد تزايد في عدد المشلولين الذين يتعلمون تدبير عملية التغوط دون ملينات، إن احتواء وجبات الغذاء على بعض أنواع المواد الغذائية التي لها تأثير الملين اللطيف سوف يساعد كثيرًا في عمل الملينات، مثلًا: توجد فاكهة معينة مثل التين، والخضراوات الطازجة العديدة، كما توجد مستحضرات غلات بعض الحبوب.

وحيثما يكون استعمال الملينات أمرًا ضروريًّا، فإن اكتشاف الملين الأنسب يجب أن يكون من قبل الشخص المشلول ذاته بالتجربة والخطأ تحت إشراف الطبيب، وإن السعي لتدبير الأمر بتناول أدنى حد من الملين بانتظام هو مبدأ جيد.
قد يكون الأمر الأفضل للمشلول الذي يتوخى إجراء عملية التغوط يوميًا، هو أن يبدأ بتناول ملين لطيف ليلًا، ويتوقف تغيير جرعة الملين على نصيحة الطبيب المعالج وعلى ما يحصل عليه المشلول من نتائج. وبالمثل، يمكن تغيير نظام التغذية وزيادة مقدار الخضراوات والفواكه إلى أن يحصل التأثير المطلوب.
أهمية التوقيت والتحفيز في عملية التغوط
إن ما يفوق الملين المتناول في الأهمية هو مسألة التشبث الدقيق بالسياق اليومي لإجراء عملية التغوط. بادئ ذي بدء، يجب أن يقرر المشلول أي وقت من اليوم يكون الوقت الأنسب والأكثر ملاءمة له، إذ يفضّل بعض المشلولين وقت الصباح، في حين يفضِّل آخرون وقت المساء لإجراء التغوط، بعد أن يحدث تقرير أيٍّ من الوقتين أنسب لإجراء عملية التغوط، يجب التمسك بإجراء هذه العملية في الوق ذاته من كل يوم. يُمثّل التمسك بإجراء العملية خلال الوقت نفسه أحد أهم مبادئ تدريب الأمعاء.
إن أسلوب إحداث عملية التغوط سوف يتباين من شخص لآخر إلى حدٍّ معين، لكنّ المحرّض المتيسّر الذي سوف يحقق – مع اقترانه بالتدريب – النتيجة المرجوة، سوف يكون هو المحرّض المثالي الذي يطمح الشخص إلى استعماله، إن السياق الشائع الذي يتبعه المشلولون هو استعمال تحميلة جليسرين واحدة أو تحميلتين، يدخلها الشخص المعني على مهل داخل الفتحة الشرجية، قبل الجلوس على كرسي المرحاض بوقت يتراوح ما بين عشر دقائق إلى عشرين دقيقة.
وسوف يكتشف الوقت الصحيح المطلوب عن طريق التجربة والخطأ، وإن اقتران هذا الأمر بتخيّل اتخاذ وضع الجلوس فوق المرحاض، مع التركيز على مسألة التغوط، سيكون في كثير من الحالات كافيًا جدًا لحصول عملية التغوط العادية، في حين سوف يتطلب الأمر في حالات أخرى مساعدة محرّض إضافي، وذلك بإيلاج إصبع يد موضوع عليها قفاز، داخل الممر الخلفي للأمعاء، لأجل إرخاء العضلة العاصرة الشرجية المتشنجة.
يقع كثير من المشلولين ضحية لعادة استخدام إصبع عليها قفاز بلاستيكي في إزالة الغائط. لقد تَحقّق أن هذا الإجراء يكون أحيانًا ضروريًّا، لكن تجنبه أفضل إذا أمكن؛ لأنه يسبّب عاجلًا أو آجلًا عملية التغوط إذ يعقب تناول شراب دافئ كقدح شاي مثلًا، أو عقب تناول وجبة الفطور؛ لأن دخول الطعام والشراب في المعدة ينتج عنه تقلص انعكاسي في الأمعاء السفلية، ويمكن استغلال هذا التقلص الانعكاسي للمساعدة على حصول التغوط بصورة وافية.
التحديات والمضاعفات في حالات الشلل المعقدة
يمكن إدراك النجاح عند غالبية المشلولين بالطرق المذكورة أعلاه، غير أن الأمر الواقعي هو أن بعض حالات الشلل، خصوصًا في بعض الإصابات العنقية التي تحدث عند موقع عالٍ، تخلق مشكلة أصعب، وقد تكون هنا التجربة الطويلة الأمد تحت إشراف طبيب المشلول ضرورية قبل أن إدراك النجاح. زد على ذلك، أنه يجب على كثير من المشلولين الذين عندهم محاولات غير كافية لسنوات متعاقبة، والذين قد يُجرون عملية التغوط مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع، ألا يتوقعوا نجاحًا فوريًا عند محاولة تغيير عاداتهم بهذا الخصوص، فغالبًا ما يكون التدريب الدقيق أسابيع عدة ضروريًا.
إن الأمر المهم هو تجنّب أي شيء قد يفسد السياق المقبول الذي يترسخ كعادة. مثلًا، إن تغيير السياق اليومي لإجراء التغوط، على الأخص عند التمتع بالإجازات، يمكن أن يفسد بسهولة هذا السياق، فينبغي بذل كل جهد لتجنب هذا الأمر، خصوصًا وأن هذا التغيير الفجائي يمكن أن يتسبب في خروج الغائط دون إرادة المشلول، عند أوقات تكون على الأغلب في غير أوانه.
إن التحذير الآخر هو أن المشلولين الذين يذهبون لقضاء إجازاتهم خارج القطر، سوف يتأثرون بالتغيير الفجائي في نوعية الطعام وفي طبخه بطريقة مختلفة، فقد يُحدث هذا التغيير فعليًا ليونة في حركة الأمعاء التي قد تكون بلا شك مزعجة جدًا للشخص الذي يهمه الأمر، إن استشارة المشلول للطبيب قبل الذهاب لقضاء الإجازة خارج القطر أمر يستوجب الاهتمام.

تكييف بيئة المرحاض.. تسهيل عملية التغوط
إن مسألة اختيار مكان إجراء عملية التغوط قضية تهم كثير من المشلولين. كقاعدة عامة، يجب أن يكون بمقدور المشلول الذي تتمتع ذراعاه بقوة اعتيادية، أن يتدبر إجراء عملية التغوط باستخدام مرحاض منزلي تُجرى عليه بعض التحويرات:
أولًا: تأمين مقعد من المطاط خاص بالمرحاض يُنفخ بالهواء، ويمكن تثبيته بسهولة على المرحاض الاعتيادي، فيكون واقيًا مفيدًا. إنه يساعد على تجنب تضرر جلد المقعد عند التأرجح لأجل الانتقال من الكرسي إلى المرحاض.
ثانيًا: يجب أن يكون إدخال الكرسي المتنقل ممكنًا في الموضع الذي يستطيع فيه المشلول أن يرفع جسمه بسهولة وبأمان عند انتقاله للجلوس على المرحاض، وعند العودة ثانية إلى كرسيه المتنقل. لهذا السبب، فإن المرحاض المُقام في الحمام غالبًا ما يكون أنسب للمشلول من المرحاض الذي يُقام بمفرده في حجرة ضيقة. يجب أن يتوافر مجال لمناورة الكرسي المتنقل من أجل تيسير تقريبه من المرحاض، ثم إن أسلوب الانتقال من الكرسي إلى مقعد المرحاض سوف يتباين تبعًا لتباين تدريب وقابلية المشلول الذي يهمه الأمر.
إن بعض المشلولين، خصوصًا المصابين بأضرار عند مستوى واطئ، والذين بإمكانهم أن يحملوا ثقل أجسامهم على أقدامهم، يفضلون وضع كراسيهم بمواجهة المرحاض، ثم يدورون دورة محورية على سيقانهم حينما يتأرجحون من أجل الانتقال إلى مقعد المرحاض، في حين يفضل مشلولون آخرون جلب كراسيهم بجانب المرحاض، ثم ينقلون أنفسهم بعدئذ بصورة جانبية من الكرسي إلى مقعد المرحاض.

وعند اتباع أي من الأساليب السابقة، فإن الأمر الأكثر نفعًا هو تأمين سلسلة ومقبض يتدليان من السقف فوق الرأس -وغالبًا ما يكون توفيرهما ضروريًا بالتأكيد- لمساعدة المشلول على التأرجح ونقل بدنه بأمان في أثناء الانتقال.
وبالإمكان الحصول على هذه السلاسل والمقابض في غالبية الحالات بواسطة الموظف الصحي المحلي في القسم الصحي في منطقة بيت المشلول. ويستطيع أي شخص موجود من أقرباء المشلول أن يُثبّت قضيبًا معدنيًا أو أن يُثبّت أية تركيبة مماثلة على إحدى كتل البناء في موضع مناسب أعلى المرحاض، وبالإمكان ربط السلسلة بهذا القضيب المعدني.
إضافة إلى السلسلة والمقبض، فإن تثبيت مقبض صغير على الحائط بجانب المرحاض يكون مفيدًا كونه وسيلة تساعد في حفظ توازن المشلول، خصوصًا في حالة المصابين بأضرار عند مستوى عالٍ، في أثناء الانتقال من مقعد إلى آخر، وعند الانتقال للجلوس على المرحاض. يستطيع المشلول، باستخدام هذه الترتيبات، أن يضع يدًا على نهاية السلسلة أو يمسك بالمقبض، ويعضّ اليد الأخرى على المقبض المثبت على الحائط، ثم ينقل ثقل جسمه بأمان وبسهولة في رحلته من الكرسي إلى المرحاض. ويضع المشلول، في رحلة العودة إلى الكرسي، يدًا على السلسلة والمقبض، واليد الأخرى على الكرسي المتنقل.
حلول بديلة للمراحيض غير الملائمة وحالات الشلل الشديد
عندما يكون وصول المشلول إلى المرحاض بالكرسي المدولب العادي أمرًا مستحيلًا، يكون التغلب على هذه الصعوبة باستخدام كرسي مرحاض خاص. وأحد أنواع كراسي المرحاض التي يمكن الحصول عليها في بريطانيا يُسمى «ساني جير، كرسي صحي»، وهو يتألف من إطار كرسي تُثبت له دواليب صغيرة، ويُستبدل المقعد الاعتيادي بمقعد خاص. عند جلوس المشلول على هذا الكرسي، يدفعه الشخص الحاضر إلى الوراء فوق حوض المرحاض، فيتيسّر بهذه الصورة الوصول بسهولة إلى المرحاض الموجود في المكان غير المناسب.
سوف يجد المصابون ببعض حالات الشلل -من ضمنهم كثير من ذوي الإصابات العنقية الذين لديهم شلل رباعي- أن استخدام المرحاض الغربي العادي أمر مستحيل، وسوف ينحصر اختيارهم ما بين استخدام قعادة السرير الجانبية أو بين عمل ترتيب خاص لإجراء عملية التغوط بالفراش، أن الترتيب الأخير أسلم وأسهل الخيارين.
يجب أن يُسلِّم المرء بضرورة توافر مساعدة شخص آخر في حالات التلف العنقي، وبالتأكيد في حالات ذوي الشلل الرباعي التام. يجب على الشخص المساعد، سواء أكان أحد أفراد العائلة أو ممرضة الحي، أن يُدخل التحميلة داخل الفتحة الشرجية ويضع طبقة من المطاط وبطانة من السليلوز تحت الإليتين -ضمن التحضير لعملية التغوط- وينبغي إزالتها بعدئذ، إن هذه الطريقة أسلم كثيرًا من استخدام القعادات السريرية طبعًا، وعلى الأخص القعادات المعدنية والخزفية التي يجب ألا يستخدمها أبدًا المشلول، بسبب وجود خطر تضرر الجلد وخطر حدوث قرحة الضغط. إن القعادات المطاطية أسلم، غير أنها لا تقدم للمشلولين فائدة عظيمة تفوق الفائدة التي تقدمها لهم الطريقة المفصلة سابقًا.
تتمثل الصعوبة الوحيدة في قضية تصريف السليلوز الملوث أو طبقة القطن أو الصوف الأسمر الموضوعة بين قطعتين من القماش التي لا يمكن تصريفها عن طريق المرحاض بصورة مأمونة لأنها تسد المجاري، ولهذا السبب يكون تأمين بعض وسائل التصريف الأخرى أمرًا ضروريًا، وأن الأمر المرجح هو استخدام موقد صغير.
لا تُسبب عملية التخلص من هذه الفضلات صعوبة كبيرة في حالة توفر موقد منزلي مزود بغلاية تحمي باستخدام الوقود الصلب، أو بالنار المكشوفة، لكن تأمين وحدة تصريف الفضلات أو عمل بعض الترتيبات الأخرى المناسبة قد يكون ضروريًا في حالة الشقق ذات التدفئة المركزية أو في حالة المساكن التي لا تُستعمل فيها نيران الوقود الصلب.
لماذا يُعد الانتظام في التغوط ضروريًا للمشلول؟
يوجد سببان يوضحان لماذا يكون الأمر ضروريًا جدًا من أجل تثبيت عملية التغوط المنتظم للمشلول:
- الصحة العامة: أن الأمر المفهوم على نحو واسع هو أن الإمساك لا يُحسّن صحة الشخص العامة، وبناء عليه يجب تفادي حدوث الإمساك، سواء أكان الشخص مشلولًا أم غير مشلول.

- تجنب المضاعفات: ودون شك، يوجد تلازم بين حدوث الإمساك وبين حدوث الانتان البولي، خاصة في حالة المشلول. وكثيرًا ما يلتقي المرء عرضًا مشلولًا لم تكن عنده مشكلة انتان بولي، إلى أن يظهر عنده إمساك شديد، عند ذلك يحدث هيجان، أي اشتداد الانتان الحاد. إن هذا الأمر واضح جيدًا الآن، ذلك أن المشلول يجب أن يبذل كل جهد من أجل المحافظة على إجراء التغوط على نحو منتظم، وعليه فمن باب أولى أن تُبذل الجهود فيما لو حدث عند المشلول أو المشلولة انتان بولي في أي وقت.
يُعد تدبير الإمساك لدى المشلولين جانبًا حيويًّا من جوانب العناية الشاملة بصحتهم، وهو يتطلب التزامًا وصبرًا وتخطيطًا دقيقًا، بتبني روتين يومي ثابت، والاعتماد على نظام غذائي صحي، والاستفادة من الملينات تحت إشراف طبي، وتوفير البيئة المنزلية الملائمة، يمكن تحقيق انتظام كبير في عملية التغوط، إن النجاح في هذا المجال لا يُحسن فقط من نوعية حياة المشلول، بل يقلل من مخاطر المضاعفات الصحية الخطيرة مثل الالتهابات البولية؛ لذا فإن فهم هذه المبادئ وتطبيقها بجدية يمثل خطوة أساسية نحو حياة أكثر راحة واستقلالية للمشلولين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.