تموت الرسائل ولا ينتهي الشعور

الحروفُ تُكتبُ ثم تمضي كالسِّرار

وقد تنامُ الرسائلُ في غيابِ الجُوَّار

 

تذوبُ كالحبرِ في صمتِ الدفاترِ خُطى

لكنَّها تتركُ الوجدَ كنارٍ في الدِّيار

 

تغيبُ لغةُ الكلامِ إذا الهوى احتضر

ويبقى الشعورُ شامخًا رغمَ انكسار

 

نُخفي الحنينَ ونرسمُ الصبرَ بالحذر

كأنَّنا لا نُجيدُ البوحَ بالانكسار

 

وإن انتهى سطرُنا وبقيتَ في الخَبر

فالشوقُ فينا حيٌّ، ليس من الزُّوَّار

 

نُرتِّبُ الوجدَ في قلوبٍ من حجر

ونُخفي الدموعَ في عيونِ الانتظار

 

تغفو الحكايا، لكنَّ القلبَ مُحتدمٌ

كأنَّهُ في صراعِ الحرفِ والنارِ

 

تعودُ فينا الذكرياتُ إذا سَكَنَّا

ويُشرقُ الماضي كضوءٍ في الممرَّاتِ السِّرار

 

كم مرَّةً ضمَّنا الحُلمُ، وما اكتملَت

تفاصيلُهُ بينَ غيمٍ وانحدار

 

لكننا رغمَ ذا، نرجو العُلا أبدًا

كأنَّنا في طريقٍ ليسَ فيه انتحار

 

نُخبِّئُ الشوقَ في صدورٍ كالذُّرى

ونرتدي الصمتَ كالعاشقِ في الأسحار

 

وإن مضى العمرُ في صبرٍ على ألمٍ

فإنَّ في القلبِ وعدًا غيرُ محتار

 

أحببتُ فيك سكونًا لا يُشابهُهُ

نبضُ الحياةِ، ولا صدى الأوتار

 

كأنك الحرفُ إن غابَ الورق نُقِشَتْ

مَعانيك في خافقي نقشَ الأشجار

 

وإن نسيتَ، فإني لا أبدِّلُني

ولا أبيعُ وفائي تحت أيِّ قرار

 

وإن تأخرتَ في دربِ الهوى زمنًا

فما تغيَّرَ في قلبي لك المسار

 

تمرُّ أيامنا كالحلمِ مُرتحلًا

ولا يغيبُ هواك رغمَ الأسفار

 

كأنَّني كلما ضاعت خطاك معي

أراها في خاطري تمشي بلا إنذار

 

أراك في طيف حلمي حين أُغمِضُني

وتهمسُ الذكرياتُ باسمكَ في الإسرار

 

فهل تعودُ؟ فإنِّي ما فقدتُ هدىً

ولا سِواكَ سكنْتُ القلبَ من أحرار

 

أنا على وعدنا ما زلتُ أنتظرُ

كأنني واقفٌ في أوَّلِ المشوار

 

تُرى، أما آن للقلبِ الذي وهَنَتْ

أضلاعُهُ أن يرى وجهَكَ من أنوار؟

 

أما تعبتَ من الترحالِ في شُهُبٍ

لا دفءَ فيها ولا ظلٌّ من الأشجار؟

 

فارجعْ، فإنَّ الليالي دونَ صوتِكَ لي

كأنَّها قبرُ حلمٍ دونَ زوَّار

 

وإن خفَتَتْ لهفتي، ما خابَ موطنُها

فالصدقُ لا ينطفي في عمقِ أيِّ دثار

 

كتبتُ عنك ولم أدرِ النهايةَ لي

فكلُّ حرفٍ تهادى عادَ بانكسار

 

كأنني كلَّما حاولتُ أن أطفو

غرقتُ فيك، وعادَ الحرفُ لانحدار

 

أراك في كل شيءٍ لا ملامحَهُ

كأنَّ وجهَكَ مرسومٌ على الأقدار

 

تمرُّني لحظةٌ، من دون ذكرك لا

تُشبهُ الحياة، ولا فيها من استبشار

 

وكلَّما قيل لي: «انسَ الهوى»... ضحكتْ

روحي، كأنَّك فيها لستَ باستعمار

 

أنا الذي كلَّما أوغلتُ في نَفَسي

وجدتُ في داخلي خطّك كالمسار

 

وفي الزحامِ، إذا ضاعت ملامحُهم

تجيءُ صورتُك الأولى على الإكثار

 

وكم كتبتُ إليك الحرفَ من ولهٍ

فذابَ في دمعتي، واحتارَ في الإبحار

 

فلا الرسائلُ تُنسي ما تعوَّدتُهُ

ولا السكوتُ يُميتُ الشوقَ في الأسرار

 

وإن تهاوى الحديثُ الآن عنكَ، فكم

نبضتُ باسمك في قلبي بلا إنذار

 

تمرُّ لحظاتُنا، والوجدُ يحرقُني

كأنني بين نيرانٍ من التذكار

 

أراك حلمًا، وتأتي حين أُغلِقني

وتستفيقُ الجراحُ من سُهادِ نهار

 

وكم تمنَّيتُ لو نادتْكَ لوعَتُنا

لتستريحَ القلوبُ من لظى الإصرار

 

فليس يُطفئُ نارَ الشوقِ غيرُ يدٍ

كانتْ تضمُّ الأسى، وتَشفي بانكسار

 

أنا هنا، رغمَ صمتِ الناسِ مُحتَرقٌ

وكلُّ ما بي يناديكَ... استجب لنِداء أشعار

 

فإن أتيتَ، وجفَّ الحرفُ في شفتي

أُزهِرْتُ مثلَ ربيعٍ عادَ بالأزهار

 

وإن تأخَّرتَ، فالصبرُ الجميلُ أنا

أحيا على وعدِ حبٍّ غيرُ مُستَعار

 

سأبقى ما بقيَتْ روحي مُعلَّقةً

بينَ الدعاءِ... وبينَ الحلمِ والأنوار

 

فالحبُّ إن صدَقَ الإحساسُ موطنُهُ

لا ينتهي، بل يعيشُ الدهرَ في افتخار

 

وفي قلبي لك عهدٌ لا يَندثرُ

كأنَّ الوفاءَ صادقٌ بلا اختصار

 

مهما طالت غياباتُك يا غايتي

يبقى لي نورُك سرمديًّا في انتظار

 

فلا تنسَ يومًا قلبًا ضمَّك سريرهُ

ويبقى العشقُ فينا رغمَ كلِّ الانكسار

 

أنا الحرفُ إن خانتني البوحُ أعينهُ

وفيك استقامَ الحرفُ وانسابَ اختياري

 

أراكَ وإن غابتْ عيونُك عن مدى

عيوني، فأنتَ الروحُ في استحضاري

 

زرعتُك في صدري كأنَّك غيمةٌ

وأنَّى رحلتَ، تُمطرُ العمرَ مداري

 

فكن لي، وإن باعدَت الدنيا خطى

فإني عليكَ كتبتُ صدقَ قراري

 

ولا تسألِ الأيامَ ما كنتُ بعدها

سوى صمتِ نبضٍ عاشَ رغم انكساري

 

كتبتُك في الليالي نجمةً لا تنطفئْ

وفي عيوني ظلًا لا يَموتُ بنهاري

 

تمرُّ الليالي والرسائل خافتةٌ

ولكنَّ صوتَك في دمي لا زالَ ساري

 

أخبِّئ طيفَك في دفاترِ غربتي

كطفلٍ يُخبِّئُ حلمَهُ خلفَ الجدار

 

فلا تسألِ القلبَ الذي قد أحبَّك

كم انكسرَ كي لا يَراكَ تنهار

 

وفيك ابتدأ الحرفُ الجميلُ، وفيكَ لي

نهايةُ عشقٍ لا تُقيِّدهُ المسار

 

فإنْ عدتَ يومًا والحنينُ دليلُنا

ستلقاني بقلبٍ ما زالَ بالحبِّ يُزاري

 

وفي راحتي نجمٌ إذا الليالي أظلمَتْ

يُنيرُ الدُّروبَ، ويهتدي فيهِ السَّفاري

 

وفي قلبي لكَ سِربُ دعاءٍ لا ينثني

وعهدٌ على دربِ الهوى لا يُغادِرُ مَساري

 

وإن غبتَ دهرًا، فالهوى لا يشيخُ بي

أنا الزهرُ إن غابَ المطرُ، لا زلتَ داري

 

أعلِّقُ في ليلِ انتظاري وجهَك الساكنَ

كقمرٍ يعاتبُ ظُلمةَ الأسحار

 

ففي نبضي اسمُك، لا يذوبُ بصمتِهم

كأنَّك في وريدي نغمةُ الأوتارِ

 

وفي قلبي سراجٌ إن أتى شكُّ الخُطى

يذكِّرني بأنك رغم بُعدك… جاري

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة