يُمثل مفهوم تمكين المعلم منعطفًا حاسمًا في مسيرة الإصلاح التربوي العالمي، فلم يعد يُنظر للمعلم كونه منفذ السياسات التعليمية، بل كونه شريكًا أساسيًّا وصانع قرار في بيئته المدرسية، انطلاقًا من منتصف الثمانينيات، تبلورت فكرة أن منح المعلمين والمرشدين استقلالية أكبر وصلاحيات أوسع هو السبيل لتعزيز جودة التعليم وتحقيق الفعالية المدرسية المنشودة.
يتناول هذا المقال العمق التاريخي والنظري لمفهوم تمكين المعلم، مستعرضًا أبرز الدراسات الرائدة التي كونت فهمنا لمصطلح تمكين المعلم، والعلاقات الارتباطية التي كشفت عنها البحوث بين التمكين ومتغيرات جوهرية كالرضا الوظيفي، والمناخ المدرسي، حتى الذكاء الروحي للمعلم.
تمكين الفريق التربوي ركيزة الإصلاح التعليمي
يرى كثير من المصلحين التربويين أن الاتجاه نحو الإدارة الذاتية للمدرسة هو محور الإصلاح التربوي، وذلك عن طريق تمكين المربين والمعلمين والمرشدين التربويين في المدارس، بإشراكهم في صنع القرارات المدرسية، ومنحهم استقلالية أكبر في تنفيذ المناهج التربوية والبرامج الإرشادية؛ ويعدّون تمكين أعضاء الفريق التربوي من معلمين ومرشدين هو السبيل لرفع جودة الحياة المدرسية بتحقيق حاجاتهم وزيادة صلاحياتهم.
وهذا ما جعل مفهوم التمكين يرتبط بحركات الإصلاح التربوي التي بدأت في منتصف عقد الثمانينيات للقرن العشرين الميلادي، إذ تنظر أغلب الدراسات، إن لم نقل كلها، إلى التمكين بوصفه مركز حركات الإصلاح من أجل المحافظة على جودة وفعالية التعليم.

ومنذ ذلك الحين، ظهر تيار هائل من الدراسات حول مفهوم التمكين، ففي الولايات المتحدة انطلقت حركة الإصلاح التربوي في النصف الأخير من عقد الثمانينيات من فكرة أن المدارس الجيدة يجب أن تُعامل المربين باحترام، وأن تسمح لهم بممارسة السلطة والتحكيم في القضايا المرتبطة بالتربية والتعليم، وأن تتعدى حدود قاعة الدرس.
الدراسات التأسيسية من الجودة إلى التمكين
أبرزت الدراسة الرائدة لأستاذة علم الاجتماع التربوي سارة لورانس لايتفوت (Sara Lawrence Lightfoot) مفهوم تمكين المعلم في المدارس، وذلك استنادًا إلى الدراسة الميدانية التي أجرتها عام 1983م عن الفعالية المدرسية، أو ما أطلقت عليه «الجودة في المدارس».
فقد ربطت ما توصلت إليه عن جودة المدارس بأفكار التمكين في المدارس، وتوصلت إلى أن التمكين في المدارس يجب أن يكون على جميع المستويات «الطلاب، والمعلمين، والمرشدين، والإداريين»، لأن تمكينَ أيِّ فئةٍ يسهم في تدعيمِهِ لدى الفئات الأخرى؛ فعندما يشعر المعلمون والمرشدون أنهم أقوياء ومسؤولون ومؤثرون وصنّاع قرار، فإن ذلك سيجعلهم يشجعون ويدعمون تلك الخصائص في نفوس طلابهم.
ثم إن تمكين العضو الضعيف سوف يدعم ويعزز، ولكنه لا يُلغي تمكين العضو القوي، وخلصت ليتفوت إلى أن المدارس الفعالة والجيدة هي تلك المدارس التي تسعى إلى تمكين أعضائها في كلِّ النشاطات.
نحو قياس علمي.. أداة «شورت ورينهارت»
شهد عقد التسعينيات نموًا ملحوظًا في دراسات تمكين المعلم، ومن أبرز هذه الدراسات مجموعة الدراسات التي أجراها الباحثان البارزان Short & Rinhart في هذا الموضوع، وكان من أهمها الدراسة التي هدفت إلى تطوير أداة لقياس تمكين المعلم داخل البيئات المدرسية.
هدفت الدراسة إلى توليد مفردات أداة لتقدير مستوى تمكين المعلم، إذ تم سؤال المشاركين عن الحالات التي يشعرون فيها بأنهم مُمكَّنون في مدارسهم. تم فرز وتجميع الاستجابات لتشكل قائمة مكونة من 110 مفردات، استخلص منها الباحثان 75 مفردة لتمثل ظاهرة تمكين المعلم، وذلك بناءً على تحكيمهما الذاتي لها.

وفي دراسة فرعية ثانية هدفت إلى اختبار صدق الأداة التي تم بناؤها، أسفرت نتائج التحليل العاملي عن استخلاص 38 مفردة موزعة على ستة أبعاد لتمكين المعلم، وهي:
-
صنع القرار: مدى مشاركة المعلم في القرارات المدرسية المهمة.
-
النمو المهني: مدى توفر الفرص للمعلم لتطوير مهاراته ومعارفه.
-
المكانة: مدى شعور المعلم بالاحترام والتقدير من قبل الزملاء والمجتمع.
-
فعالية الذات: مدى إيمان المعلم بقدرته على إحداث تأثير إيجابي على تعلم الطلاب.
-
الاستقلالية: مدى قدرة المعلم على التحكم في ممارساته التعليمية داخل الفصل.
-
التأثير: مدى شعور المعلم بأن له تأثيرًا على مجريات الأمور في المدرسة ككل.
أصبحت هذه الأداة التي قدمها Short & Rinhart وسيلة أساسية لقياس وتقدير ظاهرة تمكين المعلم في دراسات عدة.
صلاحية تمكين المعلم وتطبيقها في السياق العربي
استخدمت الأداة بعد ذلك في دراسات عدة وأوقات وأماكن مختلفة، وكان إجماعٌ بين الباحثين الذين استخدموها على صلاحية استخدامها؛ ففي الوطن العربي مثلًا، اضطلع الأستاذ عارف عطاري والأستاذ علي جبران من كلية التربية بجامعة اليرموك إربد بالأردن بنقل الأداة إلى اللغة العربية وتطبيقها على عينة استطلاعية للتحقق من وضوح عباراتها وقياس معامل اتساقها الداخلي بمعامل ألفا كرونباخ بـ 0.81 للأداة كليًّا، وبين 0.77 و0.82 للأبعاد.
نتائج تمكين المعلم وأثره في المتغيرات التنظيمية
في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي، أُجريت عدة دراسات إمبريقية في المجتمعات الغربية لاختبار العلاقة بين تمكين المعلم وعدد من المتغيرات الناتجة التنظيمية مثل:
-
الرضا الوظيفي: توصلت دراسات عدة، منها دراسة (Short & Rinehart, 1994)، إلى وجود علاقة طردية قوية؛ فكلما زاد التمكين؛ زاد شعور المعلمين بالرضا الوظيفي.
-
المناخ المدرسي والفعالية: في دراسة مهمة لـSweetland & Hoy (2000)، أظهرت النتائج أن المناخ المدرسي الصحي يدعم تمكين المعلم، وأن تمكين المعلم بدوره يؤدي إلى زيادة الفعالية المدرسية وتحصيل الطلاب.
-
الثقة في الإدارة: وجدت دراسة (Moy et al., 2005) أن المعلمين الذين يشعرون بالتمكين لديهم مستويات أعلى من الثقة في مديري مدارسهم.
-
التمكين النفسي والذكاء الروحي: وجدت دراسات حديثة علاقة ارتباطية موجبة وقوية بين التمكين النفسي للمعلم والذكاء الروحي. وأرجع الباحثون ذلك إلى أن التمكين يساعد الفرد على وجود معنى وقيمة لعمله، ما يؤثر إيجابًا في نظرته للحياة ويجعله أكثر تفاؤلًا وقدرة على تحمل الضغوط.
الأبعاد النفسية والروحية لتمكين المعلم
من الباحثين أيضًا من اهتم بدراسة التمكين النفسي وعلاقته بالذكاء الروحي، وتبيّن لهم وجود علاقة ارتباطية موجبة ذات دلالة إحصائية عند مستوى 0.01 بين درجات معلمي عينة الدراسة في مقياس التمكين النفسي ومكوناته الفرعية «المعنى، والكفاءة، والاستقلالية، والتأثير» والذكاء الروحي بمكوناته الفرعية «القدرة على التسامي، القدرة على الدخول في حالات عالية من الوعي، القدرة على استخدام الروحانية في مواجهة المشكلات، والقدرة على الاندماج في سلوك الفضيلة، والقدرة على بناء علاقات منزهة عن الغرض»، إذ تراوحت معاملات الارتباط ما بين 0.70 و0.92.

وأرجعوا العلاقة الموجبة بين التمكين النفسي والذكاء الروحي إلى الآثار الإيجابية للتمكين النفسي على الذكاء الروحي، وإلى أن التمكين النفسي يساعد الفرد على معرفة الهدف والغرض من الحياة، وإعطاء معنى وقيمة لما يفعله، ما يساعده على الدخول في الحالات الإيمانية العالية التي تؤثر في حياته، فتصبح أفضل، ويصبح أكثر تقبُّلًا لها ورضًا عنها مهما تعرّض فيها لمواقف ضاغطة، إيمانًا منه بأنه مهما واجه من مشكلات فإنها سوف تُحل بمشيئة الله، وتؤثر في نظرته للحياة، فيصبح أكثر تفاؤلًا وسعادة، ممّا يزيد من قدرته على تحمُّل الضغوط وتقليل آثارها فيه.
تمكين المعلم أداة لاستقطاب الكفاءات
ذهب المدافعون عن تمكين المربي في الوسط التربوي إلى أنه يُمثّل وسيلة للتغلُّب على الوضع الإداري السائد الذي ينتج عنه تهميش المربين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة المدرسية والمهنية للمربي، ودعوا إلى احترام وتقدير المربين بتمكينهم من السلطة، لأن في ذلك استقطابًا للعناصر الأكثر كفاءة وجدارة وجودة إلى ميدان التربية والتعليم.
تؤكد البحوث التربوية على مدار العقود الماضية حقيقة ثابتة، أن تمكين المعلم ليس ترفًا إداريًا بل هو استثمار إستراتيجي في مستقبل التعليم، فالمعلم المُمكَّن هو معلم أكثر رضا وإنتاجية وثقة، وهو القادر على خلق مناخ صفي إيجابي وفعال يؤثر مباشرة على تحصيل الطلاب ونموهم، إن التغلب على التحديات التربوية الحديثة يبدأ من احترام وتقدير المعلمين، ومنحهم السلطة والاستقلالية التي تليق بمهنتهم؛ لأن تمكينهم هو في جوهره تمكين لجيل المستقبل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.