تمزيق الأوراق الشخصية

هنا موقف "عبود"، وجه المدينة المترب، وشيء من إهانتي وحريتي؛ ببضع جنيهات قليلة، يمكنني الدخول إلى أي عربة، متجه إلى أي مكان لا أعرفه. أسافر إلى إحدى المدن الساحلية، وأسير بجوار البحر، ولا أحكي له أي شيء، لأنني هاربة، وليس لدي وقت للأحاديث الجانبية، ثم أمزق أوراقي الشخصية، فأرتفع عن الأرض، وأصبح شفافة، ولا يراني أحد.

أظل هكذا لا مرئية وبلا زمن، حتى تحملني الريح إلى بداية الأرض، فيكون لقائي بالإنسان الأول، وهو نصفان "ضوء وظلام"، جالسًا تحت أو فوق شجرة، بجواره بحيرتان، إحداهما الخير والأخرى الشر، في الطريق الواصل بينهما نجلس، ونأكل ونسير، ثم ننام إلى الأبد.

أخرج من محطة المظلات؛ على ظهري حقيبة، وفي يدي عدة أكياس، مكدسه بأشياء اشتريتها من سوق الجيزة المواجه لمبنى المدينة الجامعية، أمر على مقهى فقير، رواده من سائقي السرفيسات والميكروباصات التي تشبه علب الصفيح، بجواره، سوبر ماركت لرجل مسن، ثم أتجه إلى اليمين حيث بائعة الفاكهة ذات الوجه القديم والجسد الممتلئ بالإنحناءات، أدخل عربة متهالكة، ويتم حشري بجوار الركاب، والركاب أيضا محشورين، كلنا بجانب بعضنا البعض، جسد واحد ووجوه كثيرة وهموم تشيّب رؤوسنا، يلقي بنا السائق في الموقف، كحشرات زاحفه، والسائق أيضًا ليس أكثر ولا أقل من ذلك، تحرق الشمس جلدي، فأسبّها وأبتسم، لأنني لا أقدر على فعل شيء آخر. أسير تجاه العربة، قابضة على أشيائي، وأحلامي ودمي، كي لا أتهاوى على الأرض، لأنني لا أساوي شيئا آخر.

أتبع ذُلّي وذُلّي يتبعني، وذُلّي هذا ناصع وحاد مثل السكين. أقول: لو أن أحدهم اعتصرني في هذه المساحة الشاسعة من الأرض، لسقطت مني زهور سوداء، أقول أيضًا: لو أنني فقدت اسمي هنا، وأصبحت ضائعة وسط هؤلاء الناس، فيأخذني رجل الأمن، إلى أحد أقسام الشرطة، ومن شدة الخوف أبتلع صوتي، فأصبح صماء! يالها من متعة، بلا هوية وصمّاء، أفقد الحياة والموت معًا، وأظلّ للأبد، جالسة على أحد الأرصفة أو مرتكنة إلى جدار، فأصبح صورة من بين صور العالم الثالث: فتاة جامعية، بثياب ممزقة، تعيش على أحد الأرصفة، وتقول إنها فقدت اسمها وصوتها في موقف السيارات، وتفضل أن تكون صورتها بالأبيض والأسود، لأنها امتصت الضوء كله والظلام كله، وتدعوكم لترك بيوتكم والجلوس معها، لأن البيوت مُرّة، ولأننا في الخارج، يمكننا الهروب من الزمن، والقيام بالمغامرة الحقّة؛ السير في جماعات حاملين جثة العالم على أكتافنا، لنلقي بها في آخر الأرض، وتنتهي القصة.

أتمادى في أحلامي السوداء، حتى يدفعني السائق داخل العربة، فأقرر أن أترك نفسي للطريق، والأحلام، وكلاب السكك، وكل الأشياء التي أعرفها والتي لا أعرفها في هذا العالم. السائق يحب جورج وسوف، لأنه يُشبه بيوتنا الحزينة، وشوارعنا المصنوعة من الليل، وعمّال اليوميّة، والبائعات في الأسواق، وعربات الفول، وأنا أحب جورج وسوف لأن صوته قد جُرح إلى الأبد. العربة تأكل الزمن والأسفلت، والنهار.
تنكسر حدة الشمس، ويأتي الغروب مع إنحناء العربة إلى الزراعات. هذا طريق "ميت بره"، أعرف أشجاره، طيوره الرقيقة اللامبالية، تِرَعه الصغيرة، بيوته البسيطة التي تتوسط الزرع، أعرف حزنه وغموضه؛ إن حزنه خصب ورقيق كشمس الغروب، وغموضه كله يزول، حين تتفتح الزهور البرية النابتة على حوافه. أعرفه مثلما أعرف أجدادي الفلاحين الذين جاءوا إلى الدنيا لزراعة الأرض بالقمح والقصب، ثم الموت فيها.

يحل الليل، ونحن مازلنا في طريق الزراعات، فأصبح في زمن آخر، أمامي صورة أخرى للعالم، أنصت إلى صوت قادم من المجهول، ناعم، وخفيف، كأغنية لمحمد فوزي، أسير في هذا العالم، لأنه بلا أنياب، وبلا جذور، فيأتي صوت الهاتف ليعيدني إلى الأرض.

بقلم الكاتب


شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Sep 20, 2020 - فتحية شمسان احمد سعد
Sep 20, 2020 - فتحية شمسان احمد سعد
Sep 19, 2020 - مصطفى محمد هارون جميل
Sep 19, 2020 - صبرة
Sep 19, 2020 - أبوبكر فتحي حسن أحمد
Sep 19, 2020 - ولاء محمد احمد
نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية